جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


كيف اخترع القديس أوغسطين الجنس (4-4)


نَجَّى آدم وحواء من الظلام، ابتدع عقيدة
الخطيئة الأصلية*1  – والباقي هو تاريخ جنسي
ترجمة: عباس المفرجي
في النهاية، هزَمَه، وعرف هو ذلك. المشكلة هي أن ليس كل كلمة من سفر التكوين يمكن أن تؤخذ حرفيا، مهما حاول المرء، وليس هناك من قاعدة موثوقة، بسيطة للدرجة المناسبة من المَيْل للحرفية. يقول لنا الانجيل أن بعد أكْل آدم وحواء للفاكهة المحرّمة «انفتحت أعينهما كليهما21 .» هل هذا يعني إنهما فَعَلا ذلك بعيون مغلقة بإحكام «وتُرِكا يطوفان في المكان أعميَين في فردوس المسرّات،
يتحسّسان طريقهما، ليصلا ويلمسا على حين غرّة، ويشعرا بالفواكه المحظورة ويقطفا بعضا منها دون أن يعرفا بذلك؟» لا، ليس من الممكن إنه كان يعني هذا، لأننا عَلِمْنا سلفا أن الحيوانات أُحْضِرَت الى آدم، الذي لا بد إنه رآها قبل أن يسمّيها22 ، وقيل لنا أن حواء رأت أن الشجرة المهلكة كانت مناسبة للأكل «وتسرّ العين.» مع ذلك، كما يعبّر اوغسطين، مجرّد أن كلمة واحدة أو عبارة أُستخدِمَت مجازا، «فهذا لا يعني أن كل المقطع سيؤخَذ في معني استعاري.»
لكن كيف تعرف أنت ذلك؟ كيف عرفت حواء ماذا كانت الحَيّة تعني عندما قالت، لإغوائها، «عيناكِ ستنفتحان»؟ لا يعني كما لو أن المخاطر كانت متدنية. بالنسبة لاوغسطين، على الأقل، لم تكن مرتفعة: كانت مسألة حياة أو موت، لا للوالدَين الأولَين فحسب، بل أيضا لكل أخلافهم. ومع ذلك ليس هناك من قاعدة ثابتة للتفسير: «كاتب الكتاب،» يكتب اوغسطين، «أتاح لقرّائه أن يقرروا بأنفسهم.»
معجزة صغيرة أن يأخذ اوغسطين وقتاً طويلاً لكتابة "المعنى الحرفي لسفر التكوين»، وكان، كلما استطاع وضع يده عليه، يتشبّث كالغريق بالمعنى الحرفي. في حالة «عيناكِ ستنفتحان،» هو على يقين إنه لا بدّ كان هناك، في نهاية المطاف، شيء شهده الزوجان لأول مرّة بعد غلطتهما، شيء هو ليس مجرد مجازي: «أدارا أعينهما على عضويهما التناسليَين، فزادت فيهما نار الشهوة بتلك الحركة المثيرة التي لم يعرفاها من قبل.»
المفتاح لهذا الفهم كان مخبّأً طوال الوقت في تجربة اوغسطين الخاصّة به. الـinqieta adulescentia التي أبهجت والد المراهق وأرعبت والدته يمكن الآن أن يُتبَع أثرها على طول الطريق عائدة الى اللحظة الأصلية حين أحسّ آدم وحواء معا بالشهوة والخزي. رأيا للمرّة الأولى ما لم يرياه من قبل أبدا، و، عندما أثارتهما الآهة، هو الذي دفعهما الى بلوغ أوراق التين ليغطيا كما بحجاب ذاك الذي كان يُحرَّك دون إرادة ذينك الراغبَين به.» حتى هذه اللحظة، كانا ظَفِرا – للمرّة الوحيدة في كل تاريخ العرق الإنساني – بالحرية المطلقة. الآن، لأنهما اختارا على نحو عفوي، وغير مفهوم، وبفخر، العيش لا من أجل الله وإنما من أجل نفسيهما، فهما خسرا حريتهما، فكانا مخزيَين.
لكن ماذا كان البديل اللذان – ونحن معهما – خسراه للأبد؟ كيف كانا، تحديدا، يقصدان الانجاب، إن لم يكن بالطريقة التي فعل بها البشر أجمعين منذ زمن سحيق؟ في الفردوس، كما قال اوغسطين، كان يمكن لآدم وحواء أن يمارسا الجنس من دون اثارة لاإرادية: «ما كان لهما، مع ذلك، نشاط الشهوة المضطربة في جسدهما، بل فقط الحركة الارادية الخلو من الاضطراب التي نقود بها الأعضاء الأخرى من الجسم.» دون الشعور بأي هيام – دون الإحساس بذلك المنخس الغريب – «كان من شأن الزوج أن يسترخي على صدر زوجته بهدوء بال.»
كيف يمكن لهذا أن يكون محتملاً، تساءل البيلاجيون، إن كان جسد آدم وحواء هما نفسيهما كما هي أجسادنا الى حدّ كبير؟ لنفكّر، كما أجاب اوغسطين، إنه حتى الآن، في حالتنا الراهنة، يستطيع بعض الناس القيام بأشياء بأجسادهم يراها الآخرون مستحيلة. «بعض الناس يستطيعون أن يحرّكوا آذانهم أمّا الواحدة تلو الأخرى أو سوية معا.» الآخرون، كما شهَدَ هو ذلك، يمكن أن يعرقوا متى ما أرادوا، وحتى هناك أناس يستطيعون «متى ما شاءوا إطلاق أصوات موسيقية من خلفهم (دون أي نتانة) بحيث يبدون أنهم يغنّون من تلك المنطقة.» لماذا إذن لا نتخيّل أن آدم، في حالته غير الفاسدة، يمكن إنه أراد بهدوء لقضيبه الانتصاب، بما يكفي وحسب لولوج حواء؟ كل هذا يمكن أن يكون هادئاً جداً بحيث إن البذار يمكن أن «يُرسَل داخل الرحم، دون فقدان الزوجة عفّتها، كما يمكن الآن تماما لسيل الحيض أن يُنتَج من رحم عذراء
دون فض غشاء البكارة.» وفيما يتعلّق بالرجل، أيضا، كان يمكن ألا يكون هناك «إفساد لعفّة جسده.»
هذا هو كيف كان كل ذلك مقدَّرا لآدم وحواء. لكن ذلك، كما يستنتج اوغسطين، لم يحدث أبدا، ولا حتى مرّة واحدة. خطيئتهما حدثت أولاً، «فتكبّدا عقوبة النفي من الفردوس قبل أن يُقيَّض لهما الاتحاد في مهمة التناسل كفعل مقصود معطّل بالهيام.» ماذا إذن كان مغزى كامل هذه العملية لمحاولة تخيّل حياتهما الجنسية؟ كان ذلك مرتبطا بالجدل المسيحي والعقيدة المسيحية – بمسعى لدحض المانويين والبيلاجيين وبرؤية عن يسوع بوصفه الطفل المعجزة لعذراء أصبحت حبلى من دون حماسة الشهوة. جنباً الى جنب هذه المقاصد العقائدية، انشغال اوغسطين المهووس بقصة آدم وحواء يتحدث عن شيء في حياته. ما اكتشفه هو – أو، على نحو أدّق، اخترعه – بشأن الجنس في الفردوس أثبت له أن البشر لم يكونوا أصلا مُعَدَّين للشعور بما شهَدَه كمراهق وما بعد ذلك. أثبت له إنه لم يكن مُعَدَّا للشعور بالدافع الذي جذبه الى ملاهي قرطاج. في المقام الأول، أثبت له إنه هو، على الأقل في الحالة المَفْدِيّة التي تاق إليها، لم يكن مُعدّا للشعور بما شعر به مراراً وتكراراً مع عشيقته: والدة طفله الوحيد؛ المرأة التي أبعدها بأمر من أمّه؛ المرأة التي أعلنت له إنها لن تكون مع رجل آخر أبداً، كما لن يكون هو مع امرأة أخرى؛ المرأة التي كان انفصالها عنه، كما كتب هو، مثل شيء مُزِّقَ من جسمه.
لكليهما كان آدم سَقَط، كتبَ اوغسطين في "مدينة الله" ، لا بسبب أن الحَيَّة خدعته. هو اختار الخطيئة، و، بفعله هذا، فَقَد الفردوس، لأنه لم يقوى على تحمّل الانفصال عن رفيقته الوحيدة. كان اوغسطين، كأفضل ما استطاع في حالته من السقوط، ألغى الخيار الكارثي لآدم. بمعونة أمّه القديسة، فَصَل نفسه عن رفيقته وحاول الفرار من حماسة الشهوة، من الإثارة. كان كيَّفَ نفسه، بالأفضل من قدراته الاستثنائية، على نموذج آدم غير ساقط، نموذج كان كافح لأعوام كثيرة من أجل فهمه وتفسيره. إنها حقيقة إنه كان لم يزل مراوَدا بتلك الأحلام اللاإرادية، تلك الإهتياجات غير المرغوبة، لكنه ما كان يعرف عن آدم وحواء في حالتهما من البراءة أكّدَت له إن ذات يوم، بعون من يسوع، سيكون له التحكّم الكامل على جسده. سيكون حرّا .
21في العهد القديم، «قالت الحَيّة للمرأة: 'الله يعرف أنكما يوم تأكلان من ثمر تلك الشجرة تنفتح أعينكما وتصيران مثل الله تعرفان الخير والشرّ.» – الترجمة العربية المشتركة.
  22في العهد القديم: «جبَل الرب الإله من الأرض جميع حيوانات البرية وجميع طيور السماء، وجاء بها الى آدم ليرى ماذا يسمّيها، فيحمل كل منها الاسم الذي يسمّيها به.» – الترجمة العربية المشتركة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية