جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


أطول يوم في تاريخ اليابان..التعصب الذي قاد اليابان إلى حافة القيامة


متابعة تاتو
صدر عن دار المدى للنشر كتاب (أطول يوم في تاريخ اليابان.. التعصب الذي قاد اليابان الى حافة القيامة) تاليف مجموعة من الباحثين.. وقد كتب كازوتوشي هاندو من معهد دراسات حرب الباسفيك مقدمة الكتاب التي يقول فيها:
في الساعة الثانية عشرة ظهراً، الخامس من آب 1945، حدث أمران تاريخيان في نفس الوقت في اليابان: الشعب الياباني سمع صوت امبراطوره لأول مرة، ليخبرهم في الراديو أن بلدهم خسرت حربها الأولى. هذا الكتاب هو سجل تفصيلي للاربع والعشرين ساعة التي سبقت ذلك البث، منذ الاجتماع الامبراطوري حيث اُتخذ قرار الاستسلام إلى خطاب الأمبراطور نفسه.
كان ذلك أطول يوم يعيشه شعب اليابان في تاريخه.
بالنسبة لنا، نحن أعضاء معهد دراسات حرب الباسيفيك، كانت فكرة تجميع وكتابة هذا السجل مهمة للغاية، إذ بدا كما لو أننا نعيش من جديد قسوة تلك الاحداث التي عاناها بلدنا. الخامس عشر من آب سنة 1945، كان ذروة السنوات المائة الأخيرة في تاريخ اليابان، منذ «إحياء ميجي». كل مستقبل الشعب الياباني، واليابان نفسها، يتوقفان على ذلك اليوم.
إنني الأكبر سناً بين أعضاء معهد دراسات حرب الباسيفيك، فقد كنت في الصف الثالث الاعدادي يوم تحدث الأمبراطور من الراديو. حينها كنت أعمل في مصنع للعتاد الحربي ينتج خرطوشة للرشاش 20 ملم، وتلك كانت مساهمتي في الحرب. وفي أحد الايام قصفت طائرات بي 29 المصنع وقتل العديد من زملائي في العمل. يومها كانت جبهة القتال قد انتقلت إلى الداخل، مع ذلك كنت لا أزال آمل بانتصار اليابان، لذلك كان شعوري في منتصف ذلك اليوم خليطاً من المرارة والغضب، مع احساس بعبثية الأمل، إذ اُخبرنا أننا مع احتلال اليابان سوف نُجبر على عيش حياة العبيد.
في ذلك اليوم دخنتُ أول سيجارة، الأمر الذي كان ممنوعاً في المدارس، مع الاصرار على القيام بأي شيء آخر، فقد كنت ما أزال شاباً، وبدا أن القليل من الوقت قد تُرك لي لأعيشه، ولم تكن هناك متعة في أي شيء أفعله. بالنسبة لنا، نحن الذين عانينا الحرب، سواء على الجبهة أو في الداخل، كنا بشكل أو بآخر عرضة لرعب الحرب. كانت الحرب مثل قدر لا يمكن تجنبه. كان علينا تحمّل قسوة المشاهد اليومية لوحشية الإنسان ضد الإنسان.
على الرغم من أن الخامس عشر من آب وضع نهاية لبعض تلك الوحشية، فالحقيقة أن الهزيمة، بالنسبة للشعب الياباني، كانت تجربة كارثية من الصعب جداً قياس آثارها. وحتى اليوم لا تزال اليابان ضالّة طريقها لتهدئة أرواح قتلى الحرب، وإلى أن تفعل، لا تستطيع القول إن كانت قد نسيتْ الماضي، أم أنها تعيش برمتها في الحاضر.
ما الذي قاد مئات الآلاف إلى الموت؟ بعض الاجابات قد توجد في أفكار وذكريات اللاعبين الرئيسيين في دراما الأربع وعشرين ساعة تلك! وكان ذلك أحد أسباب وضع هذا الكتاب.
أن تموت من أجل وطنك، كان على الدوام واجباً دينيّاً في اليابان. ربما تكون عشرون عاماً ليست طويلة بما يكفي على أمّة، لتطرح عنها ذلك الاعتقاد القديم، لكن يجب عليها أن تفعل هذا، إذا أراد الشعب الياباني أن يعيش في عالم اليوم وليس الأمس. وربما هذا سببٌ آخر لوضع هذا الكتاب.
إن مصاعب تسجيل احداث تاريخ معاصر، بينما ممثلوه لا يزالون أحياء، واضحة. لقد قابلنا كل الأحياء من المشاركين في الدراما النهائية لهزيمة اليابان - مع استثناء واحد، هو بطل تلك الدراما، الأمبراطور نفسه - وبينما نقرأ بشكل طبيعي كل ما نُشر في تلك الفترة، فإن القاعدة الأساسية لتقريرنا تعتمد المقابلات الشخصية، صياغتنا للأحداث، المشاعر والحالات الذهنية، كلها دُعمت من قبل الرجال الذين قابلناهم.
مع ذلك، علينا أن نتذكر أن أكثر من عشرين سنة انقضت* منذ ذلك اليوم. الأحداث تصاعدت بسرعة، لوّنتْ الذاكرة بطريقة قدرية لا يمكن تجنبها. ذاكرات شاحبة، رجال لهم أسبابهم لاسترجاع ما يريدون تذكره فقط، أو تكرار ما يرغبون بتكراره فقط. ثم على المؤرخ أن يستخلص الحقيقة من الزيف - وأحياناً لا يمكن تلافي الفشل.
العديد من اللاعبين الرئيسيين ماتوا، إذ كانوا رجالاً مسنين وقت حصول الدراما، والبعض مات قبل وقت قريب. أحدهم فضّل عدم الكلام: عندما قابلنا الماركيز كويتشي كيدو، ظلّ كاتم السر الامبراطوري رافضاً كسر صمته.
محنة استسلام اليابان كانت أشبه بزلزال ما فتئت آثاره بادية حتى اليوم. ولأعادة حساب التفاصيل المأساوية للهزيمة، ينبغي، بل ومن الضروري، استحضار وحث الذاكرة الحزينة، فربما ساعدتْ أيضاً على تعبيد الطريق لبداية جديدة أفضل. وربما يكون هذا أهم الأسباب لوضع هذا الكتاب.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية