جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


عبد الستار ناصر والذين سيكتبون رواية عن المطعم التركي


نعيم عبد مهلهل
لم يخطر في بال الذي بنى المطعم التركي في وسط العاصمة بغداد وقريبا من النصب الحرية في الباب الشرقي أن يكون هذا المكان في القادمات من الزمان صانعا لهاجس الكتابة عن الثورة عجائبية اكثر صنعها انهم لا يعرفون من التأريخ سوى معاناته التي يشاهدونها بأعينهم ويعيشونها من خلال العوز وعدم الحصول على وظيفة ، وقد اغرتهم العولمة بملذات تخيل كل مظهر جميل ومودرن وغالي ولا يشاهدوه سوى بأغاني الكليب ومواكب وحياة المسؤولين وابنائهم .
فكان المطعم التركي ذاكرة للمكان الخراب الذي حولته تلك الثورة السريالية والفنتازية والحتمية الى واحد من الحدائق العامرة.
اظن ان اسم المطعم التركي آت من ان الذي بنته وصممته هي شركة تركية أو ان التسمية اتت من رغبة الدولة ليكون في بغداد مطعما تركيا يحمل نكهة الاكلات السلطانية والاسطنبولية مثل المشاوي والتبولة وانواع المقبلات ضمن التفكير بتنويع امكنة بغداد وتطوير مرافقها السياحية بمناسبة انعقاد مؤتمر قمة دول عدم الانحياز التاسع الذي كان مقررا ان يقام في بغداد مطلع ثمانيات القرن الماضي لكن الحرب العراقية ــ الايرانية الغت فكرة جعل بغداد مكانا للمؤتمر ونقلته الى بلد اخر ، فكان المكان بطوابقه الاربعة عشر عرضة لقصف الطائرات وصواريخ الكروز في حروب العراق التي تلت بناء المطعم .
وقيل عنه ان الهواء داخل المطعم كان ملوثا بآثار ما خلفته الصواريخ ، ولكن الشباب غامروا واتخذوه مقرا تعبويا لثورتهم ، واعتصموا فيه امام انظار سرايا الشرطة المحلية ومكافحة الشغب ومكافحة الاهاب والتدخل السريع وخلفهم هناك خطا كونكريتيا من الصبات الإسمنتية وسيطرات من قوات تنتمي الى مجلس الوزراء القابع في المنطقة الخضراء القريبة عن المطعم من جهة جسر الجمهورية.
وبين تلك القوات المدججة بالسلاح يختبئ القناصون والملثمون الذين يركبون الدرجات النارية وينتظرون اهدافهم البريئة وهي راجعة الى بيوتها لترتاح لساعة ويستحمون بماء الاسالة تحت الدوش ، فيغتالونهم اصحاب الدراجات النارية ويحولون استحمامهم تحت دوش الدم.
من صورة (( دوش الدم )) وهي صورة عنيفة وقاتلة اتخيل ان اكثر من روائي عراقي يجلس الان في بيته ويخطط لكتابة رواية ( المكان ــ المطعم التركي )
وربما اغلب هؤلاء الروائيين لم يكونوا يعلمون انه قبل سنوات وفي عام 2006 كان الروائي والقاص العراقي الراحل عبد الستار ناصر قد اصدر عن دار المدى مجموعة قصصية بعنوان ( الحكواتي ) وبينها قصة بعنوان (( في المطعم التركي )) ، وفي اجوائها بعض شخوص عوالم المطعم التركي وهو القناص .
القصة كتبت عام 2004 وكنت قد التقيت الرحل عبد الستار ناصر وزوجته الروائية هدية حسين في مقهى الروضة في دمشق ، وكان وقتها قد كتب مقدمة روايتي (( حمام نساء في أور )) في طبعتها الاولى والصادرة عن دار فضاءات في عمان ، ومن مقهى الروضة تمت دعوتنا من قبل الشاعر العراقي محمد مظلوم لنسهر في نادي نقابة الصحفيين في الليل .وهناك اخبرني الراحل عبد الستار ناصر أن كنت قد قرأت قصته ( في المطعم التركي ) ثم كتبت روايتي .
أجبته :انني لم اقرأها وقت كتابة الرواية ، ولكني قراتها لاحقا وهي اشبه ما تكون بالقصة البوليسية المتأثرة في الاجواء الهيولودية كما تأثرت انا بها في روايتي ، لكن الثيمة الرائعة في قصتك ان القاتل هو ذاته القتيل. حيث يكلف احدهم قناصا محترفا لقتل آخر مقابل 4000 دولار.
والان علي ان اعيد قراءة القصة ثانية ، وسيمر علي وجه القناص ، واعيد هذه المرة تساؤلا اخرا يستجد ما يحدث اليوم في المطعم التركي أن كان عبد الستار ناصر يتحدث وقتها عن نبوءة المطعم والقناص ، ولأنه روائي من الطراز الجيد اعيد الى ذهني ذلك الاعتقاد الذي يسكنني ويقول : بعد ان عجز الشعراء في نقل هاجس ما يحدث ويتنبؤون كما كانوا يفعلون قبل .اتى دور الروائيين ليفعلوا ذلك .
الآن وقد رحل عبد الستار الى فردوس الابد المسكون بعاطفته المغامرة والنادرة والمؤانسة والمشاغبة ، أعود الى المطعم التركي الذي منحه المعتصمون اسما اخر وهو ( جبل أحد ) وقد سكنته هواجس روايات قادمة ولكن ليس الآن ، ذلك لشعوري ان يوميات المطعم التركي لديها الكثير والتي لم يحن موعدها بعد ولم تزل روائح مطبخه على انوف المتظاهرين لتذكرهم بأن الجلوس على مائدة الانتصار يحتاج الى الصبر. ومتى يحسم الانتصار سيكون بمقدوركم ايها الروائيون ان تراجعوا يوميات المطعم التركي وستدون اسرارا لا تحصى لعالم ذلك المكان ، والمغامر منكم من يعتقد انه سيتفوق على اخيلة إيطاليو كالفينو في مدنه اللامرئية ويتخيل ان سطح المطعم التركي صحنا طائرا يطوف في سماء بغداد وهو يحمل نعوش الشهداء المغدورين الذين قتلوهم اصحاب الدرجات الناصرية ، ويذهب بتلك النعوش صوب جنة دلمون السومرية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية