جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


عيادة غوغ


محمود عوّاد
"أيُّها الله لقد حِضنا من الحرب " رواية الهجوم على مشفى المجانين لخضير ميري حينما يقضمُ الإنسانُ خيالَهُ بأسنانِ وحشتِهِ ،على أنَّهُ تفاحةٌ متورطةٌ بالوجودِ نفسِهِ ،يعقدُ القرآنُ على جنونِهِ الأبديِّ ،بهذا يكونُ الكلبُ قد أتقنَ النومَ على ظهره ،إذ ليس ثمةَ أغذيةٌ صحيةٌ لمعدةِ المجنونِ سوى ثيابَه ، فبالنسبة إليه هي عشبٌ جنّاتي نبتتْ في حقولٍ حرثها  الملاك..
تعلّقُهُ بطعم تلكَ العشبةِ يؤهله لِأن يفترسَ الحياةَ بثيابِهِ ،إذ ليس ثمة فمٌ مؤهلٌ لابتلاعِ المأزقِ سواها ، والشوارعُ معدتهُ،  فعندما يجوبُ الدروبَ هائماً ،إنما يقومُ بهذا الفعلِ استجابةً لأطفالِ الجوعِ  فالمجانينُ يأكلون الحياةَ أقدامهم.
*التداوي بأعشاب المصحة شعرياً ، خضير ميري أنموذجا
حِينَ يَبتَعِد المِخيالُ عنْ رفقَاءِ السُوءِ يَضمَحِلْ تمَامًا، وتَغْدو عَمليّةُ التَخيُّلِ مُحاوَلةً عَابِرةً تَقتَرِبُ مِـــنْ الأَشيَاءِ؛ للإِعلَانِ عَنْ تَرحِيلِ الحَاسّةِ خَارجَ دَوائرِ النّوْمِ، المُرادِ حَفرُ أطْيَافَهُ فِي لَحْمِ كِفُوفِ أَطْفالِ المُستَنقَعِ الحُلْمِيّ، المَأهُولِ بِنَقيقِ ضَفادِعِ الّلامِرْئيّ ."
.فِي مَشرُوعِهِ الشّعْريّ  عَملَ «خضير ميري» عَلىَ ضَرُورَةِ الانْفِتاحِ عَلىَ المَنْبوذِ، لِعمَلِهِ بِأَنَّ المِخْيَالَ مُستَنقَعٌ كَبيرٌ؛ لِذَا فَمِن أُولَىَ مَهَامِ الشَاعِرِ الطَليعِيّ الاحْتفَاءُ بِضَفادِعِ الشِعْرِ، ومُضَاعَفةُ أَعْدَادِهَا؛ فنَقِيقُهَا نَمِيمَةٌ مِن وِجْهَةِ نَظَرِ الْلَيْلِ، إِذْ أَنَّهَا تَعْبثُ فِي السُكُونِ، وتُثِيــرُ الفَوْضَىَ فِي خَرائِبِ الأَشْجارِ، فَكُلّمَا هَدأَتْ الذِئَابِ اِرتَفَعَ ذَلِكَ العِوِاءِ المَائِيّ مِن بَينِ المَجَارِيرِ وَالقَصَبِ، هُنَا يَـكُونُ اللَيلُ قَدْ احْتَفىَ بِنمِيمَةٍ نَادِرَةٍ، لَا يَعِيهَا سِوىَ العَائِمينَ بَأنْهَارِ العَسلِ المَلْعُونِ، هُنَاكَ يَلْحَسُ المَوْتُ ذَاكِرَتَهُ، فَيتَخلَّىَ العَالَمُ عَن لِزُوجَتِهِ المُقَزِّزةِ، فَمُنذُ «رامبو» ـ وَوُصُولاً  إلَىَ الزُمْرَةِ الأَخِيرَةِ للمَنْبُوذِينَ ـ وَالشِعْرُ قَائِمٌ عَــلىَ العَبَثِ فِي شَوَارِعِ المُقَدَّسِ الشِّعْريّ؛ ذَلِكَ لِأَنّهُ رَهِينُ الاِنْبِثَاقِ المَلَكُوتَيّ الكَامِنِ فِي لَحظَةِ الاِنْخِطَافِ، ولَا يَحـصلُ هَذَا مِن دُونِ اسْتِبْطَانِ المَعنَىَ السَّائدِ بِلا مَعْنىً مُتَأتٍّ مِن الإفْرَاطِ فِي بَثِّ النَّمِيمَةِ بَينَ كَلمَةٍ وأُخْرىَ؛ فالشَّاعِرُ المَنبُوذُ هُوَ القَادِرُ عَلىَ تَربِيةِ النَمِيمَةِ فِي جَسَدِهِ لِلفَوْزِ بِأعَضَاءٍ وحَواسٍ تُمكِّنَهُ مِن وُلُوجِ الوُجُودِ بِحسٍ أُودِيبيّ، فَأَنْ تَكتُبْ هَوَ أَنْ تَفْقَأَ عَيْنَيّ المُقَدَّسِ ـ أيًّا كَانَ ـ بِأَصَـابِعَ مُدَلَّكَةٍ بِدمِ النغل، تِلكَ هِيَ الحَياةُ بِعيْنِهَا، حِينُهَا تُعلِنُ المَسَامَّةُ عَن إِفرَازِهَا لِميَاهٍ رَاشِحَةٍ مِن تُربَةِ الخَطِيئَةِ.
ثمـة مزيةٌ أخـرى في نصوص ميري الروائيةِ والشعريِة  أنَّهُ جعلَ المصــحةَ دكَّةَ غُســـــــل للعـــــقل بوصفه أولَّ الأمواتِ وآخرهم، إذ الجنونُ هو الحيُّ الوحـــــيدُ في بلدٍ أصبحَتْ به التوابيتُ ضرورةً حياتيّةً كأنها جزءاً من الأثاثِ المنزليِّ ، أحيانا يُستعانُ بها طاولاتٍ للعب الدومينو في مقاهينا الشعبيةِ ,في زيارةٍ طيفيةٍ كانت قُبــــــــيلَ موتِهِ بأيام ، بعد مشاجراتٍ في الأدبِ والفلسفةِ وقبل انقضاءِ زمنِ المقابلةِ ، أسرّني قائلاً بأن الجنون بئرُ العقلِ ،أما الشماعيةُ فهي أُنثى الجنونِ ، والمكانُ الذي لا يــــــؤنَّثُ لا يُعول عليه بحسب ابن عربي ، فقد علمني سكونُ الليلِ الشماعيّ أنَّ الخيالَ يؤنثُ بالجنونِ ، وأنَّ تقبلي فكرةَ العيشِ بين المجانين ، هو بدافع التخلصِ من ذكورتي المتمثلةِ بمنطقٍ سلطويٍّ، فحينَ فتلَ الزمنُ شاربَهُ بالرصاصِ ،كان العقلُ في عينيَّ فمَ كهـلٍ أكلَتْهُ الحربُ حتى اصفرّت أسنانُهُ مــن فرطِ  تدخينِ الأصدقاءِ وهم يتقافزون على شفاهِ مثلومةٍ لأسماكِ نهرِ جاسم، فكــان الجنونُ بالنسبةِ لي هــو الفرشاةَ الوحيدةَ القادرةَ على استعادةِ بريقِ تلك الأسنانِ ، لهـذا دخـلتِ المصحة  ، لكنه حينما عثرَ خيالُهُ بأنقاضِ العـقلِ ، اتخـذ خضير ميري من الجنونِ مكنسةً ليُزيحَ بها مخلفاتِ الحروبِ والجوعَ ،فجاءت نصوصُهُ بوتريهاتٍ حياتيّةٍ للداخلِ العراقيِّ ، إذ الكتابةُ لديه هي استعادةٌ لكلابِ جياكومتي وهي تنبحُ بالعدمِ على العدمِ نفسِهِ ،أو ربما تكونُ هي علبةُ الكبريات المختبئةُ مـن المـوت في جيب جان  جينه، لكن ليس ثمةَ أصابعُ تفهمُ أسرارَ الموتى سوى كفِّ "أبو صيبع""
فِي «سارق الحدائق» يَتنقّلُ ميري بَينَ انْخِطافَاتٍ تَتلبَّسُهُ، وِأُخْرىَ تَنْهَش كَوَامِنَهُ، بِأَظْفارِ أحْلَامٍ مَمْسُوسةِ بِالتَنقيبِ عَن ظِلالِهِ تَحتَ أنْقاضِ العَقلِ البَشَريّ، ومَا نِتَاجُه إلا نَوعٌ مِن التَدَافُعِ العَبْثِيّ فِي طَابُورِ المَنْطِقِ، يَتجَلَّى هَذا فِي مُطارَدَتِهِ لِلحيوات الشاذة، وتقْدِيمِهِا للقَارِئِ ، مُبْتغِيًا مِن وراءِ ذَلكَ اجْتِراحِ جَلبَةٍ جَديدَةٍ فِي مُدُنِ الكِتَابَةِ.
فعندما يلعقُ الإنسانُ عقلَهُ بالجنونِ ،يكونُ قد أعلنَ دخولَه في المساحةِ المحظورةِ للعواءِ الأبديِّ المـتمثلِ بالخيالِ ،إذ إنَّ فعل الكتابة في زمن يسودُهُ الموتُ يستدعي منّا التركيـزَ على ضرورةِ الاحتــفاءِ بذلك العواءِ ،وأن نتقبّلَ فـكرةَ لحسِ أجسـادِنا بالسؤالِ عن رقصةِ الفناءِ الأخيرةِ مستبقين بذلك لحسَ الرّصاصِ لها
فِي «صحراء يهوذا» سَعيْتَ إلىَ نَبشِ جُثةِ العقل بِدودِ الأَسئلَةِ، ففَاجَأْنِي النص بامْتِلاكِهِ لَحْمًا مُحلَّىَ بإجَابَاتٍ رَاكَمهَا بِتَوْقٍ وانْشِدَادِ، لِكَشفِ ظُلمَةِ حُلمِهِ المرآوي، وبِثقَةٍ عَاليةٍ وَقفَ حَامِلاً صَلِيبَهُ المَصْنُوعَ مِن عِظَامِ أَسْلافِهِ، فِيمَا انْغَرزَتْ الكَلِمةُ الحَارَّةُ مَسَامِيرَ فِي جَسدِهِ، مُنوِّهًا عنْ طَاقةِ اللا وَاقِعِ فِي اسْتجْوَابِ فَضِيحَةِ اللُغَةِ، فالشِّعرُ هُو أَنْ تُمَرِّنَ الحَاسّةَ عَلىَ الآخَرِ لاصْطيادِ الخَطْفةِ المُنفلِتةِ مِن "دِمَاغِ اللهِ"، التي في دِنوِّهَا مِن الرّوحِ سُرعَانَ مَا تَتحوَّلُ إلىَ بَيانٍ فِي بِلوغِ النَميمَةِ الشِّعريَّةِ، المُنفرِدَةِ بِمزْيَةِ فُضولِ التَعرُّفِ عَلىَ الاسْمِ الثُلاثِي لِـ «لله»، أوْ الوُصُولِ إلىَ كُنْهِ أسْرارِ لَمعَانِ السّكينِ اللاهِثَةِ فَوقَ رَقَبةِ نَعجِةِ الوَاقِعِ، فمِن وِجْهةِ نَظرِ الصَّحرَاءِ أَنَّ كُلَ قَطرةِ ماءٍ خِنجَرٌ مَغروزٌ فِي قَلبِ الرَملِ، فتَأمُّلُ الماء بِالنسبةِ لها مُحاولَة في تَوسِعَةِ فَتحةِ قَلبِ العَطشِ، أَيَعني أَنْ الجنونَ مُحاولَةٌ أَخيرةٌ فِي مُطاردةِ غَزالِ المَوتِ في أَدغَالِ الضَّحكِ، عَلى فجَاجَةِ الضَحكِ عَلى الضَحكَ نَفْسِهِ، ولَا يَبلُغُ الشِعرِ مَرتبةً كهَذِهِ إلَّا فِي قَتلِ مُحاولاتِه.

*"العراق شماعيّة كبيرة " عبد الستار ناصر
الجنون هو السقيفةُ التي على المبدع، التزامُ الوقوفِ تحتَها للتآمر على نبي أخيِلتِهِ ،أو للاحتماءِ من دموعِ الغيوم العاجزةِ عن الهربِ من مثانة الآلهة ،فكلما تذكرّت الشماعيّة تراءت لي شجرة مزروعة في الهواء ،فيما يقفُ المجانينُ فوقها عصافيرَ ميتةً من الضحكِ على قِدامةِ السماء، فإن توجَّهنا بسؤالٍ إلى طيرٍ ما قُبيلَ موته ، رُبّما سيُجيبُنا بأنّهُ يسعى إلى الانتحارِ ، ذلك لفَشلِ أجنحتهِ في التحليقِ بآفاقٍ جديدةٍ ،فأكثرُ الطيورِ الميّتةِ قد فارقت الحياةَ نتيجةَ عدم ثقتها بسماءٍ أُستُهلك مِعمارُها ،بهذا كان فخامة "الشبح" يردُّ حين يستفهمه الشعرُ عن لغزِ اصرارِه في أن يموتَ في المصّحةِ ،فالشعرُ بالنسبةِ له هو أن ينفخَ في عمود سمعان، فيُبعثَ من جديدٍ، طابعاً قُبلتَهُ السحريةَ على خدِّ المسيحِ المتمثل في التراثِ والنخبةِ، أمّا الجنونُ فهو كومندومُ يُغلّفُ به أُخيلتِهِ درءاً لتسرّعِ العقلِ، فمن وجهةِ نظره أنَّ سرعةَ القذفِ هي تهوّرٌ عقليٌّ، ذلك لأنَّ المجانينَ هم الوجهُ الأمثلُ لمناخِ الجنسِ كبُعدٍ صوفيٍّ، فثمةَ مجنونٌ في محلَّتِنا، منذُ عودتِهِ من سراديبِ إيرانَ يذرعُ الشارعَ نفسَهُ جيئةً وذهاباً إلى أن ماتَ ، لا أعرفُ لِمَ يجيءُ في بالي كلّما وَلجتُ خليّة لعسلِ اللحم، فأنسحبُ وتنكسرُ هيـــــــبةُ جنرالِ رغبتي، كي لا أكونَ ضحيةَ جوعِ العقلِ، ربَّما لهذا يكرهُ المجانينُ الجنسَ خـشيةَ أن يُداسوا بسُرفِ العقلنةِ، فكنهُ الجنسِ لديهم كما اللسلعِ لدى النَّحلِ،بهذا يضعون صنافةً نادرةً للسرِّ الأنثويِّ، فإن لم تقتلْكَ الأُنثى عند ولوجِها، فهي العقلُ بعينه، وكلُّ عقلٍ سلطةٌ بحسبِ هولدرين . 
*البوتريهات للفنان كريم سعدون



المشاركة السابقة : المشاركة التالية