جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فان كوخ - الرسالة التاسعة والعشرون


ترجمة: ستار كاووش
آرل، ٩ أيلول ١٨٨٨

تَيّو العزيز
أرسلتُ لك تواً بالبريد تخطيطاً للوحتي الجديدة (المقهى الليلي)، ومعه عمل آخر من الأعمال التي رسمتها بوقت سابق. بسبب ولعي بما قام به الرسامون اليابانيون، ربما سأتحول مع الوقت لرسام طبعات يابانية! البارحة قمت بترتيب تفاصيل وأثاث البيت،
وعرفتُ أن ما أخبرني به ساعي البريد*وزوجته حول تكلفة السرير وباقي التفاصيل كان صحيحاً، وقد تأكدتُ فعلاً من أن ثمن السرير مائة وخمسين فرنكاً، لهذا كان عليَّ ان أعيد التفكير بخطتي حول النقود التي معي، لأشتري في النهاية سريرين، واحد من خشب الجوز والآخر من خشب الصنوبر*وهذا الأخير سيكون لي، حيث سأقوم بطلائه لاحقاً. كذلك اشتريت مرتبتين من القش وبعض المفارش، لذا إن جاء غوغان أو أي شخص آخر فسيكون سريره جاهزاً خلال دقائق. لقد فكرت بذلك من البداية، وأقصد أن لا يكون البيت لي وحدي، بل أن يكون متاحاً لشخص آخر يقاسمني إياه، وهذا ما تطلب أغلب النقود التي بحوزتي، وببعض مما تبقى من نقود إشتريت ١٢ كرسياً ومرآة مناسبة وأشياء صغيرة أخرى يحتاجها البيت، وبهذا يمكنني القول إن بإستطاعتي العيش فيه بداية الاسبوع القادم.
الغرفة الجميلة التي في الطابق العلوي، ستكون متاحة لمن يشاركني السكن، وسأزينها بطريقة تجعلها تبدو مثل غرفة عروس، أما غرفة نومي فأريدها غير متكلفة وبسيطة الى أبعد الحدود، رغم أثاثها الذي يبدو متيناً وهو يربض بقوة على الأرضية، حيث صنع السرير والكراسي والطاولة من خشب الصنوبر الرخيص.
المرسم سيكون في الأسفل، وبجانبه غرفة أخرى سأجعل نصفها مطبخاً والنصف الآخر تابعاً للمرسم. في الأيام القريبة القادمة سأرسم لوحة للبيت وهو ينعسُ بنوافذه المضاءة تحت سماء تغمرها النجوم، وسأرسل لك اللوحة لتتأكد أن لديك بيتاً ريفياً حقيقياً في آرل، آه كم أنا متحمس بترتيبه بطريقة قريبة من مزاجك بالفعل، حيث تتداخل هيئة البيت مع شخصية المرسم واللوحات لتنتج شيئاً فريداً. أتوقع أنك ستأتي في السنة القادمة لقضاء عطلتك في آرل ومرسيليا، حينها سيكون كل شيء جاهز لاستقبالك ياأخي حيث اللوحات تملأ كل جدران البيت. الغرفة التي ستكون لك أو لغوغان في حال مجيئه، سأملأ جدرانها بلوحات واسعة لعباد الشمس حيث الأصفر ينام علـى الجدران البيضاء، وسترى حين تفتح نافذتها صباحاً كيف تطل عليك الحدائق الخضراء وتداعبك الشمس التي تتسلل من مدخل المدينة. نعم سترى كيف تجتمع باقات من ١٢ أو ١٤ زهرة عباد شمس في لوحات تحيط بالسرير وتجعل مناخ الغرفة دافئاً وأليفاً، هذه الغرفة ستكون خيالية بكل معنى الكلمة. كذلك المرسم وبلاط الأرضية الأحمر الذي يحتضن الكراسي الريفية وطاولة خشب الصنوبر، بينما تتوزع بعض البورتريهات هنا وهناك، سيكون لها طابع وخصوصية على طريقة دومييه، استطيع أن أرى ذلك بكل وضوح.
أرجو أن تبحث لي عن طبعات لدومييه كي أعلقها في المرسم، كذلك بعض الطبعات اليابانية، وبعض أعمال ديلاكروا وليثوغراف لبعض الفنانين المعاصرين، لكني لست مستعجلاً للحصول على ذلك. كذلك هناك فكرة تشغلني بخصوص الأيام القادمة، وهي أن أجعل هذا المكان بيتاً للفنانين، بحيث لا يكون مكلفاً لهم، بل على العكس من ذلك، سيكون قليل التكلفة وفي ذات الوقت يحمل شخصية مميزة، إبتداءً من الكراسي وحتى السقوف وطلاء الجدران، وهذا ما دعاني لشراء سريرين من طراز محلي من الخشب بدلاً من الحديد، فالخشب يعطي إنطباعاً بالمتانة وفي الوقت ذاته يمنح الهدوء، خصوصية البيت شيء أساسي. أنا محظوظ لأن المرأة التي تساعدني نهاراً في ترتيب البيت مجتهدة وودودة، كم أقدر لها تنظيف البلاط وإعادة لونه الأحمر الناصع النظيف، هي عجوز وترعى مجموعة من الأطفال، رغم ذلك تقوم بعملها بشكل رائع هنا.
لا تعرف كم أنا متشوق للرسم بعد أن حصلت على هذا البيت والمرسم الرائع، لذلك أهيء نفسي لرسم محتويات وتفاصيل البيت من الداخل، وسأبدأ أولاً برسم سريري الذي حدثتك عنه، ثم أشرع برسم امرأة عارية، بعدها سأرسم طفلاً رضيعاً يغفو في مهده، لا أعرف متى سأمسك الفرشاة وأمضي مع هذه اللوحات، لكني على وشك القيام بذلك. الآن لم يعد لديَّ أدنى شك حول جدوى وجودي هنا، ففي هذا المكان أشعر أن الرسم يتملكني بقوة لا يمكن إيقافها، ومع هذه المشاعر أفكر أن أشتري شيئاً فشيئاً كل ما يحتاجه مكاني الجميل هذا، المسألة تحتاج الى بعض الصبر، بعدها سيكون كل شيء على ما يرام. أنبهك الى أني سأحتاج في الخريف الى طلبية جديدة من الألوان، وستصلك التفاصيل مع هذه الرسالة.
سأحدثك عن لوحة المقهى الليلية، والتي أردتُ من خلالها التعبير عن المقهى، والذي رغم مزاياه، يمكن أن يصبح مكاناً لتحطيم روح الانسان أو ان يجعله يصاب بالجنون، وربما يدفعه لإرتكاب الجرائم!  وهنا حاولت ان ارسم ذلك من خلال درجات الوردي الخفيفة والأحمر الدموي والأحمر النبيذي، يقابلهما الأخضر الفيروني يحيط به الأخضر الليموني والأخضر الذي يقترب من الأزرق، هكذا تجتمع هذه الألوان لتجعل اللوحة عبارة عن مكان سوقي وغامض، يشبه الى حد بعيد زاوية مظلمة خلف متجر نبيذ. مع ذلك أحببت أن أعكس عليها شيئاً من الروح اليابانية. أستطيع أن أخمن ما سيقوله السيد ترستيخ حين يشاهد هذه اللوحة! أليس هو من قال حول إحدى لوحات سيسلي (الذي يعتبر أشد الانطباعيين إستقراراً وتهذيباً) بأنه لا يشك بأن هذا الرسام كان ثملاً أثناء رسم اللوحة! فما عساه أن يقول حين ينظر الى لوحتي هذه، سيقول بالتأكيد بأن الذي رسمها كانت يداه ترتجفان من شدة الهذيان أو الجنون!
أتفق معك حول محاولة نشر بعض اعمالي في مجلة أنديبندنت، ما دام ذلك لا يؤثر على الرسامين الذي يتعاملون معهم، وافضل ان تكون السلسلة الأولى التي ارسلها لهم تتكون من الدراسات فقط، بعدها نحاول ان نفاتحهم بمعرض للوحات مثل (المقهى) و (البَذّار).
أكتب لك الآن من المقهى، وقد دخل تواً فلاح عجوز، يشبه أبي كثيراً، بل قل يشبه كاريكاتيراً له، يحمل نفس الوجوم والتعب، وذات الفم غير واضح المعالم، كم أشعر الآن بالندم لأني لم أرسم بورتريتاً لوالدي. لا تنسَ طلبية الألوان التي ستصلك مع هذا الخطاب، لأنك تعرف أن الخريف بكل ما يحمله من ألوان وموضاعات يحتاج الى طلبية خاصة من الألوان تتجاوز الخمس أو الست لوحات، لكن عليك الانتباه الى نوعية الألوان عند العم تانغي، فهي ليست جيدة دائماً، وخاصة درجات الأزرق، لذا أرجو أن تتوخى الحذر وانت تعد الطلبية.
لقد إدخرت خمسين فرنكاً لهذا الاسبوع، وبذا أكون قد أنفقتتُ مائتين وخمسين على الأثاث، والتي سأحاول إستعادتها من خلال الرسم. والمهم هو ان لا تنسى يا أخي بأنك من الآن تملك بيتاً ريفياً في جنوب البلاد، أعرف أن المسافة بعيدة، لكنها ستكون قريبة لو فكرنا بمعرض دائم لنا في مرسيليا. من يعرف ما تخبئه لنا الأيام القادمة.
أشد على يدك بحرارة.
أخوك المحب
فنسنت

هوامش المترجم:
* ساعي البريد: هو جوزيف رولين الذي كان يوصل الخطابات الى فينسنت، وصار هو وابنه صديقان له، وقد رسم له مجموعة من البورتريهات، وواحداً ايضاً لإبنه. وكتبَ رولين في مذكراته واصفاً الرسائل التي كان الرسام العظيم يكتبها ويستلمها دون توقف: لقد إستلمتُ رسائل من فينسنت أكثر مما أستلمته من بلدية المدينة!
* خشب الصنوبر: يعتبر من الخشب رخيص الثمن لوجود غابات كثيرة منه، وهو يستعمل للأثاث البسيط وأسيجة الحدائق.



المشاركة السابقة