جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


الفنان شوقي الموسوي..الحاضر يستدعي سرديات الماضي


ناجح المعموري
تحريك التاريخ في خزان الذاكرة وتطويعه عبر التخييل يوفر فرصة ممتازة للمبدع الذي يعرف كيفية استدعاء فصول سرديات التاريخ ، وتحديد ما يريد من وحدات معينة ، يتمركز انشغاله بها ويتجوهر السرد فيه ،
لان الحضور الحقيقي للتاريخ لا تمظهر الا من خلال محكياته . قصيدة كانت ام طويلة وهذه ملاحظة اساسية تصير نافذة حاضرة باستمرار تمدّ ما يحتاجه الفنان وتعطيه كل المؤطرات التي يحتاج اليها السرد من اجل ان تمنحه القوة وتضفي عليه القوة . هذا كله ، هو الذي ينشغل به المبدع ، عندما يفكر التوجه الى التاريخ ليعيد كتابته سرداً او يدونه تشكيلياً .

وهذا كله بحاجة ماسة ، وضرورية للغاية ، ما يساعده على البدّي وسط مجال ابداعي معين . التخييل ، بعد الواقع ، والادلجة ، كلها متجاورة ، لأنها بحاجة الى ناظم يوفر للوحدات البنائية كي تنجح من التناسج وتكوين نسيج متلاجم يتوفر عناصر النجاح المطلوب تحققها لاي عمل ابداعي من اجل الاتضاح والنجاح ، بعد ان تبرز سالته الاجتماعية ، لان لاي عمل ابداعي رسالة ، لها علاقة بالمألوف المجتمعي / اليومي ، وكل عمل لا ينجح بالوصول الى هذا الحلم ، تتعطل احلامه التي هي ممتدة تفاصيل الواقعة التاريخية . وعلينا ان نذكر بأن الواقع الذي ذكرته الدراسات الثقافية / الادبية / السياسية ينطوي على مختصرات من التاريخ او تفاصيل واسعة وعميقة ، تظل متمتعة بطاقة اشغال المبدع . واحيانا يذهب المبدع الى سردية كبرى ، تحوز بعضاً من عناصر السرد الملحمي والغرائبي واللامعقول مثل ملحمة كربلاء وما يماثلها من سرديات كبرى ، لها علاقة وثيقة مع الواقع اليومي ، الذي ينغمر بالسرد . ويضفي عليه التخييّل صفات ، تعطي التاريخ نوعاً من المغايرة عن الانموذج الذي اختارت الجماعة وحولته بالتداول اليومي والتواصل غير المعزول عن الاصول ، بحيث تتحول تلك التفاصيل الى ذاكرة حيوية . هذا ما يتمظهر واضحاً في ملحمة استشهاد الحسين التي ارتهنت الذاكرة منذ لحظتها الاولى وحتى الان . كل عام وهي تبدو مغايرة عن السابق ، او كل عديد من السنوات تحوز ما يجعلها مختلفة عن الما قبل وهذا هو الدور الحقيقي للمقدس الذي دائماً ما يساهم بصياغة الوجدان ويحفز الافراد والجماعات الغفيرة جداً على اعادة انتاج الواقعة التراجيدية حتى تبدو وكانها متحققة في الوقت المستعادة فيه . وسبب هذا هو الفرد / البطل والجماعة الحافة به ، المساهمة بقوة وبفرادة بصياغة الملحمة ، من خلال وحدة خاصة ، لا تبتعد كثيراً عن الوحدات الاخرى الكثيرة ، لتكون وحدة كبرى ، على الرغم من مصطلح ليوتار عن السردية الكبرى تضاءلت اهميته ، لكنها حاضرة وضاغطة بقوة ــ من خلال التخيلات الجديدة التي يبتكرها الفرد / الجماعة عبر الحاجة المطلوبة وبالحاح لاختفاء المبتكر والجديد .
والمثير في تجربة الفنان شوقي الموسوي العودة لمركز تاريخي مهم ، مقترن بالمدينة التي يعيش فيها وعاين كم هائل من وحدات تروي سنوياً ، تزحف اليها جماعات هائلة لكن الحاضر افضى بهذه الملحمة السردية نحو تمظهر جديد له علاقة بمعايشات ، تحولت تدريجياً من فردية الى جمعية خلال تواريخ العنف الطائفي ، والغزو الهمجي من وراء الحدود واللوذ في مكان كان جزء من ملامح الهوية الخاصة بالأفراد والجماعات . من هنا تحقق شكل اقتراني  بين مأساة كربلاء وما حصل بغزو الارهاب ، لانهما معاً استهدفا الهوية الكبرى .
المرور على وظيفة المتخيل لا يلغي الحقيقة الكامنة في التاريخ وسردياته . لكن هذا لا يلغي ان نذهب الى تفكيك سردية الحسين الكبرى ، لان الجماعات عبر تاريخها الطويل جداً ، اضافت الكثير وجعلت من القوى والحكي حضور يتكرر سنوياً وسط جغرافياً واسعة جداً . هذا يجعل المتلقي امام احتمالات الاضافة اعتماداً على التخيل ، لان الموت / والقتل وتشارك الجماعات بهذه الخاصية ، تمنح السردية ممكنات حيازة مرويات جديدة ، يتدخل الراوي بصياغتها وجعلها تخيلات مضافة ، لذا تعرض التاريخ للتفكيك من خلال الدراسات الحديثة ، ويتم التعامل معها بوصفها تجارب ثقافية جديدة ، كان لها وقع صادم في الدرس الثقافي وتوصلت الجهود البحثية الى نظرية خاصة للتعامل مع التاريخ بوصفه ليس ذاكرة فقط ، بل باعتباره ادباً قابلاً للقراءة والفحص والتأويل مثل الفلسفة والادب ولعل احد اهم الشواهد ما قدمه الناقد اللامع بوازشوشان في كتابه وشعرية التاريخ وتفكيك تاريخ الطبري .
واعادته لتفكيك سرديات التاريخ والغوص فيها ، كشف وجود متراكمات كثيرة في مروية الطبري عن ملحمة الحسين وتمكن من عزل الكثير من الوقائع اعتماداً على وقائع ليست بعيدة عنها ، بل متجاورة معها ، وساعدته على ايضاح الالتباسات . اي انفتح التاريخ على الغائب الشعري فيه ، والكامن في تفاصيله وتكاد تكون قراءة بوازشوشان جديدة تماماً ، لانه عزل ما هو متراكم بقوة حضور المأساة وقبول الجماعات به وتكاد الملحمة ان تبدو مختلفة وتقشرت كثيراً ونظفها العقل التوشيم كتابة وتشكيل وهذا امر معروف ، وهو فعل لغوي اذن ، لكنها ضامت لم ينطوي على ابجدية بل شبكة رموز تصوغ سياقاً دلالياً . والفعل اللغوي ــ كما قال ابو اديب ــفي كل ابعاده فعل اجتماعي ، فهو ، اذن فعل ايديولوجي ويقتضي هذا المبدأ القول باننا من اجل ان نفهم علاقة الادب بالايديولوجيا ، يتبغى ان ننطلق من فهم دقيق لعلاقة اللغة بــ " الايديولوجية " لا من حيث ان اللغة هي مجموعة من العلامات فحسب ، بل من حيث هي ايضا انشاء جسد . د. الذهبي اليوسفي / الادب والايديولوجا في النقد العربي الحديث الدار المتوسطية للنشر / 2006/ص7//



المشاركة السابقة : المشاركة التالية