جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


سيرةُ إنسانٍ يبحثُ عن الوحدةِ


إيهاب عبد الرزاق
• بعد صرخةٍ عالية تَجمَعُ بين الألم واللذّة يجد نفسه وهو يعدو بين الملايين. الطريق طويل والكل يركض، يتنافسون دون توقف، تزداد سرعتهم وكأنه سباق الحياة أو الموت.
إنهم أقوياء يتسابقون بلا رحمة يسحقون من يتعثّر أو يتأخّر.
ينتابه الشعور بضعف ووهنٍ شديدَين، ربما لن يستطيع أن يكمل السباق بهذا الجسد النحيل.
يمشي بخطواتٍ سريعة فيسمعهم يتحدثون:
-الكل سيموت، واحد منا فقط سينجو.
-يؤكد احد المتسابقين للنجاة "تقصد إن الأول فقط سيفوز بها".
يضاعف من عزيمته يتمتم في داخله لن أموت سأصل أولاً، سأنجو...
يزيد من تقدمهِ دون تفكير يسحق من يقع في طريقه. أصبح مثلهم بلا رحمة فالرحيم هنا لن يصل.
يجد نفسه في المقدمة فعلاً... ينافسه الأقوياء يحاولون سحبه يصرخون هل سيفوز هذا النحيل!!
يردد في نفسه "سأفعلها"
يضاعف من سرعتهِ يجتاز قشرتها الصلبة ويسقط في أحضانها لايتذكر شيئاً، إلا أنه قد فاز بها ومات الجميع.
تحتضنه البيضة بحميمية يلتحمان.
هو فقط المنتصر وصلها وحيداً.
إنها بدايتهُ مع الوحدة.
• إِنه الدفءُ العظيم راحةٌ مطلقة لا يتعب حتى بمضغِ الطعام ولا التنفس.
يسبحُ بماءِ الحب، لمساتها على بطنها تثير القشعريرة في جسده النحيل الشفاف، فيردُّ عليها بركلات المداعب المازح يبكي عندما تبكي ويضحك مع ضحكاتها، يجوعان معاً ويشبعان معاً لكنه يختلف في نومه معها ينام حين تصحو ويصحو حين تنام.
يفكر كثيراً فليس لديه مايشغله في مخبئه سواها، لم يرَ منها إِلا شعورَه بهذه اللمسات الناعمة حتى جاءت اللحظة المختلفة يشعر ببردٍ خفيف في مقدَّمة رأسه ويسطع نورٌ شديدٌ كأنه انفجار نوويّ يغمض عينيه بشدة فيسمع صرخةً كأنها صرخة النهاية "ادفعي سيخرج ادفعي"، وتتكرر الصرخات ،إنها تتمخّض به، وإذا به يخرجُ من رحمها وحيداً في هذا العالم، يصرخ من دون دفئِها وحنانها، يتنفس الهواء للمرة الأُولى، يشعرُ ببرودته وهو يدخل رئتيه للمرة الأولى إِنتعاش رهيب نسائم رطبة تلامس جسده الذي كان شفافاً وأصبح ذا ملمسٍ قطنيّ.
يراها للمرة الأولى، "إنها أمي نعم إنها أُمي لطالما تجسست على كلماتها واغنياتها"، نظراته مشتتة ربما كان يبحث في الوجوه عن والده، إنها آخر لحظات الأمان.
إنها وحدته الأولى.
• في حجرةٍ صغيرةٍ يحبو لوحدهِ على سجادة حمراء مزخرفةٍ بمثلثات سود وثيرة الملمس يمد يده ليمسكَ إنكسار الشمس الداخلة من شُباكهم القديم على سجادتهم المزخرفة، لكنه يعجز عن مسك هذا الضوء، يقف عليه فيختفي يريدُ أن يلعب مع ضوء الشمس لكنه يزول كلما صافحهُ يختفي فيعجز عن صداقته،
ينتقلُ إلى ركن آخر من الحجرة فيجدُ خيط ملابس أسود يحمله بين يديه الصغيرتين، يضعه في فمه ليستكشفه فهذه عادة الأطفال بهذا السن يستكشفون كل شيء بتذوّقه، يأخذه فرِحاً ليعرّفه على صديقه ضوء الشمس.
لم يجد ضوء الشمس فقد حلّ المساء، يستلقي وحيداً
على السجادة الوثيرة والخيط في فمه بين شفتيه الصغيرتين، تدمع عيناه يبكي يريد صديقاً لا يعرف أن ينطقها "أريدُ من ألعب معهم" يغفو كملاك. إنها وحدته الثانية.
•أول يوم في المدرسة وبعد ستِّ سنواتٍ من الدلع المنزليّ، حنين الأُم وحرص الأَب، جاء الوقت لأَكون وحيدً مجدداً، إِنه الصف الأول حياةٌ مليئة بالأطفال الذين أراهم للمرة الأُولى إنهم لا يشبهونني، كنت أتخيل أننا جميعاً نتشابه، أحمد بعينين زرقاوين وداليا بشعرٍ أصفر ذهبيّ وهذا وسام بضحكةٍ عالية مدوّية لا تشبه ضحكتي الخجولة وفاطمة تبكي طوال الوقت كإنها منبه الثامنة صباحاً. أظافرهم لا تشبه أظافري ولا مقاسات أحذيتنا متشابهة؟ حتى أطوالنا مختلفة، غريبٌ أن طريقتنا بمسك القلم تختلف أيضاً. أنا غريبٌ بينهم فهم لا يشبهونني. إنها الوحدة الثالثة.
• تمرُ السنوات وإذا به في بلدٍ لا يشبه بلده، الماءُ بطعمٍ مختلف، لا يحب ما يأكلون ولا يستهويه ما يسعدهم، ففي بلده الشتاء يعني المطر والقليلَ من البرد، أما هنا فالبرد قارس، صار يرتجف كلما خرج ليلاً ليس من برده وإِنما من غربته، لا يفهمُ لغتهم ولا تعابير وجوههم حتى الإشارات والإيماءات هنا تختلف، يبتسمون دون علمه لأنه تعود أن يكون مستعداً للابتسامة حين يريد أن يبتسم.
بلدٌ بلا أنهار وفي بلدهِ نهرين عذبين بلا جبال وفي بلدهِ الشواهقُ منها، بلدٌ بلا حب وفي بلدهِ الحب في كل مكان
بلد بلا حزن وفي بلده الحزن كالغذاء له طعم ومذاق، حتى إنه صار يرتاد المأتم ليغذي روحه العطشى. بحث طويلا عن مايجعله يستذكر أيام طفولته وصباه فلم يجد ضالته.
فأصبح يجلس ساعات أمام الإشارة المروية ينظر لألوانها الثلاثة وهي تتغير من أخضر الى أصفر فأحمر ، تقلباتها صارت تتعب عيناه ولكنه يحبها فهي الشبه المشترك الوحيد بين بلده ومنفاه.
هذا المنفى الذي أُجبرته الأيام أن يعمل به، هذه غربته التي لن تنتهي تقتلعه من جذوره وتبقي حسرةً دائمة في صدره. إنها الغربة الرابعة.
• نتشاجر وأتذمر من نصائحهما ولا نتفق دائماً، كلامهما مستفزّ، حرصهما على مستقبلي صار يخنقني وكثرة التوجيهات صارت مملّة لكن حاجتي لهما مستمرة، عشقي لأن أتنفس هواء منزلهما لا ينتهي، مهابتي واحترامي لكل ما يقولان ويتمنيان تتسع في داخلي.
أكبرُ فيكبران يحزنان مع حزني ويفرحان مع فرحي يمرضان، فأتألّم أتمنى أن أكون الربّ ولو لساعةٍ لأمنحمهما الخلود.
يذبلان وتذبل معهما روحي هذه السيدة هي أمي كانت تخطط لي تفاصيل حياتي وترسم خطواتي وهذا السيد الأنيق أبي كان يحمل همومه على كتفٍ ويحملني على الكتف الآخر.
لا تتركاني فبعدكما لن يكون للحياة طعمها السابق أَفتقدهما وأبقى وحيداً دونهما. فقدت الابتسامة إلى الأبد فقدت الحنان فقدتهما. إنها الوحدة الخامسة.
• أَحببتها وعشقتها وصارت هي ركني السعيد في هذا العالم القاسي، ملاذي وخاتمة وحدتي. هل سيكون لي أطفالٌ مثلها بنتٌ بعينين واسعتين وصبي بطول فارع. حنينها ولمسة أناملها هي عِوَضي وونيسة وحدتي، شريكتي بأدق التفاصيل.
فجأة... صارت تهملني لا تسرّها رفقتي، كلٌّ في عالمه، لم تعد تتغزل بي. أنا مهمل بلا خليلتي وزوجتي أنا بدونها وحدتي قاتلة هل هي ذاتها من أحببت؟
شجارٌ في الصباح ونزاعٌ في المساء وهجران في الليل ، يتذمر أحدنا من الآخر ويزداد البعد وتبعد المسافات شروخ من الصعب إصلاحها . أُفكرُ بالإبتعاد سنفترق وتنتهي قصتنا ببنت تشبهها وصبي يشبهها آيضاً أما أنا فلا يشبهني أحد .
• استبدلتها بنجاحي، كاميراتٌ كثيرة، أَضواء تلاحقني وشهرةٌ ومناصبُ عِدّة.
كل سنةٍ تمرّ وإذا بشخصي يتصدر ويرتفع، يجري خلفي المنتفعون والمتسلقون وأنا كالسّهم لا أعرفُ التوقف، نقطة تنطلق منها كل النجاحات، هذا أنا وبعدي الطوفان،
أنانية لاتعرف لها حدود غرور طاووس وقساوة دبْ ، كلما زاد تكبري تنهالُ عليّ النجاحات .
حتى جاءت النهاية، أَصبحت عجوزاً في السبعين لا شهرة ولا أَضواء، قصصي مكررة ومفاخري لا تبهر الحاضرين، لا أجد مايستوجب الغرور او الكبرياء هجرني حتى أبنائي، وتركني بين أخاديد المرض أصحابي... إنها الوحدة السادسة.
• من أنتَ؟
أنا ابنك يا أبتِ.
ومن هي؟
إنها أُختي.
نحن أَبناؤك.
وأَين أُمّكما؟
يتهامسان سراً دون أن يفهمهما فيقول لشقيقته:
"هل نسيَ أنهما هجرا بعضهما".
مجدداً يسأل من أنتما؟؟
آاااه يا أبي نحن أبناؤك.
يحزن فتدمع عيناه، يشعر بحبهما يسري في شرايينه ولكنه لا يتذكرهما يتمنى لو يحتضنهما طويلاً لعله يتذكر .
حركات سريعة وضغطات على صدره العجوز صعقات الكهرباء تتسرب إلى أعماقه، يشهق مع كل صعقةٍ، تنفسٌ صناعي وكلمات مرتبكة:
- نبضه ضعيف
- نفسه توقف
-يده اليسرى بَردت
- لا يتحرك
صوت خطوات خائبة وباب يفتح بتمهّل وكلمتان حقيرتان "البقاء في حياتكم".
صوت صراخ يسحق الفضاء وحسرات تخرج من أعماق الصدور، أما هو فتكاد الكلمات أن تنطلق من بين شفتيه "لست بميتٍ أسمعكم وأراكم لا داعي للبكاء، أنا على قيد الحياة لا تبكِ يا بني لا يزال والدكما حيّاً".
لايسمعهُ أحد... يصرخ ويصرخ دون جدوى" أنا حي أنا بخير "...
يداهمه اليأس، لن يسمعوه فيتمتم "اهتمّ بشقيقتك يا ولدي فأنا لستُ على قيد الحياة".
إنها الوحدة الأبدية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية