جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


الأنفس الميتة" لغوغول" حصان روسيا المتوثّب في روح التاريخ


أوس حسن
في عام 1835 أرسل غوغول  رسالة إلى بوشكين تتضمن الملامح الأولى  عن الأنفس الميتة . القصيدة  التي امتدت  لتصير رواية طويلة جدا ًفيها الكثير من تاريخ روسيا القيصرية وروحها المتوثّبة  التي تشبه جواداً أشقر يعبر السهول والمنحدرات  ويعتلي  هرم الإنسانية.
الأنفس المينة هي الشرارة الأولى في ثورة الأدب الروسي،ذلك الأدب الذي عرى المجتمع وهشاشة الإنسان،وسلط الضوء على فساد الملاكين،والطبقة البرجوازية في روسيا،موغلا ً أكثر في أعماق شريحة  منسية من البشر قد يصادفهم المرء في حياته اليومية والعملية.
قال بوشكين في  تعليق على مشهد مسرحي صغير  لغوغول قبل أن يشرع بفكرة تأليف الأنفس الميتة :" كيف  يمكنك أن لا تبدأ بعمل كبير،ولك هذه القدرة على حدس الإنسان وتصويره ببضع لمسات ليطلع أمامك حياً".
في عام 1842 صدر الكتاب بعنوان " مغامرات تشيتشكوف،أو الأنفس الميتة  قصيدة ن. غوغول. وقد حاز على استئثار واهتمام عباقرة ونقاد الأدب الروسي آنذاك .
تفتح الرواية  بمشهد يصف عربة تقف عند عتبة فندق في مدينة "ن"  عاصمة الولاية،عندما يترجل منها شاب أعزب،لا هو بالقبيح ولا بالجميل،ولا هو بالسمين ولا بالنحيف،ويترجل معه الحوذي سيليفان  والخادم وصيفه بتروشكا،حيث أن وصوله لم يحدث أي ضجة في المدينة كما أن الفندق هو من نوع الفنادق التي تعج بها عوصم الولايات،والتي يستطيع المسافر فيها  مقابل روبلين  في اليوم أن يستحصل على غرفة تطل فيها الصراصير الشبيهة بإجاص مجفف من جميع أركانها  على حد تعبير الكاتب.
هنا تبدأ مغامرات الزائربافيل تشيتشكوف باستكشاف أحوال المدينة،ومعرفة أسماء وجهائها وملاكيها،وما إذا كانت قد أصيبت بأمراض،أو حمى متفشية،ومعرفة عدد الأقنان والخدم التي يمتلكها كل مالك ومسؤول في الولاية،فينطلق في جولة للتعرف على وجهاء المدينة وكبارها وتتعمق صلته بهم أكثر عندما يقيم حاكم الولاية حفلا ً يدعو فيه الزائر الجديد لهذا الحفل. ليتفاجأ الجميع بدماثة خلق تشيتشكوف،وسرعة بديهته ومعرفته في أدق الأمور والتفاصيل التي تمتلىء بها الحياة،فنراه يخطف إعجاب المدعوين،ويترك إثرا ً حسنا ً في القلوب؛ليصبح حديث المدينة جميعها،ومحط إعجاب الأثرياء والمالكين.
ظل تشيتشكوف  يتمتع بسيرة طيبة ويلقى ترحابا ً مميزا ً من الجميع،إلا أن أمرا ً غامضا ً كان يسيطر عليه دائما ً ويلح عليه،وهو معرفة عدد الأقنان الميتين عند كل مالك. هنا ستنكشف للقارىء أحد أسباب زيارة تشيتشكوف للمدينة،لكنها تبقى محاطة بسلسسلة  غامضة ستترك القارىء والمتابع لهذا الحدث أن يرعى بمخيلته بعيدا ً عن القصة وأحداثها كما هي .
في الزيارات التي كان يقوم بها تشيتشكوف للملاكين الكبار،كان يطلب منهم أن يشتري النفوس الميتة من الفلاحين والأقنان،وكان هذا الطلب يثير الريبة والتعجب في نفوس أصحابها،فمنهم من وافق على هذا الطلب،وعقد معه الصفقة كمانيلوف  صاحب الكرم والقلب الطيب.
ومنهم من حاول استغلال حاجته لهذا الأمر رغم غرابته  وجنونه،فالكل في بادىء الأمر كان يظل صامتاً مذهولا ً،فما حاجة سيد موسور لشراء نفوس في عداد الموتى لا وجود لها؛إلا في الخيال والذاكرة وتخليص أصحابها من الضرائب ؟
يصطدم البطل بعدد من الشخصيات التي لم يتوقعها مثل نوزدريف الملاك المقامر،وصاحب اللسان السليط،الذي أبى أن يبيعه الموتى إلا بسعر كبير،أو أن يلعب معه الورق مقابل الصفقة .
وبلوشكين العجوز البخيل  الذي يرقع ثيابه البالية بالجرائد والأسمال ويميت أقنانه جوعا ً ويجعل لجميع الخدم حذاء واحد ينتعلونه.
فلكثرة ما سد هذا العجوز البخيل من ثقوب في النوافذ والجدران والملابس،صار ثقبا ً كبيرا ً في جسم الإنسانية كما يقول البطل .
بعد أن يشتري بافيل تشيتشكوف أكثر من 600 نفس ميتة من الملاكين بطريقة سرية ويسجلهم  على أنهم أحياء في  قوائم واحصاءات الولاية،يشاع خبر في الولاية على حجم ثروة الملاك الجديد ونفوذه فتقام على شرفه حفلة يدعى فيها رجال ونساء الطبقة البرجوازية،فنراه يتلقى الانحناءات وتحايا التبجيل والاحترام  وتلاحقه سيدات وفتيات المدينة بمكرهن واغوائههن وكلماتهن المعسولة،وهو لا يلقي لأي منهن بالاً،ما عدا فتاة صغيرة في السادسة عشرة  صادفها مرة بشكل عابر،عندما اصطدمت عربته بعربتها،ليتضح فيما بعد أنها ابنة حاكم الولاية.
هنا يدخل نوزدريف الحفل،وكأنه قذف  قذفا ً إلى القاعة،فيبدأ بالسخرية والتهكم من تشيتشكوف أمام الجميع  ويصرخ قائلا ً:.. هل تدرون إن هذا المجنون طلب مني أن أبيعه  نفوسا ً ميتة من أقناني وخدمي؟،ورغم ما يعرف عن نوزدريف بمزاجه المتقلب وقدرته الفائقة على المبالغات والكذب،إلا أن شائعات كبيرة وفضائح ستنتقل على لسان رجال ونساء المدينة فيما بعد،ليتحول البطل من شخص ذو فضائل و قيم نبيلة إلى شخص يدعو للشك والريبة والحذر .
يعقد اجتماع في مجلس المدينة فتسري شائعات وأخبار عن  الزائر الغريب ومن يكون؟
فقسم منهم قالوا إنه كان  كابتناً  حربياً يدعى كوبكين،وقاوم في حملة نابليون على روسيا،وقسم منهم قال أنه هو نابليون بنفسه،وآخرون قالوا إنه جاسوس مبعوث من الدولة،وربما هو المسيح الدجال،وعلى لسان النساء سرت أخبار وحكايا أنه ينوي أن يخطف  ابنة حاكم الولاية،ويهرب بها؛ ليتزوجا سراً في ولاية أخرى،وشراء الأنفس الميتة هو غطاء  للسبب الحقيقي الذي قدم من أجله .
أقفلت جميع الأبواب في وجهه،ولم يعد أحد يستقبله وصار الجميع يتوجس خيفة منه،إلى أن أوصل له خادماه حقيقة  ما يدور في المدينة،وإنه  ينوي خطف ابنة حاكم الولاية  والهروب معها،هنا  يطلب من الحوذي أن يصلح العربة،ويجهز متاع السف؛ليرحل سرا ً بلا ضجيج  ولا صخب،كما جاء أول مرة .
تحملنا أجواء الرواية في بادىء الأمر إلى جانب من جوانب روسيا في تلك الحقبة،فرغم أن الرواية  في بنيتها السردية والوصفية لم تحمل أحداثا ً مشوقة،أوحبكات صغيرة متشابكة،حتى ملامح البطل وصوته المؤثر يظل شبه غائب،وأدوار الشخصيات المرافقة له يظل دورها محدودا ً،إلا أن غوغول هنا يسلط الضوء على تشيتشكوف لا كشخص ذو فضائل وكمال،ولا كشخص قاس ونذل؛ وإنما على شخصية عادية تمر ومرّت معنا كثيرا ً في معترك الحياة،دون أن نعمل حدسنا وبصيرتنا الثاقبة للولوج إلى أعماق هذه الشخصيات .
من خلال تتبع المسار التاريخي لشخصية تشيشكوف،نرى أنه عندما كان طفلا ً ظلت عبارة أبيه تتردد في مسامعه طويلا ً  الأصدقاء لن ينفعوك ..سيتركوك أو  يخذلوك،لكن الكوبيك سيبقى معك ولن يخذلك أبداً.
من هنا عاش تشيشتكوف  طفولته وحياته عصاميا ً،وحرم من متع ولذائذ الحياة،لكنه تفوق في دراسته بفعل حسن سلوكه،لا بفضل ذكائه وموهبته،وارتقى أعلى المناصب،بعدما تخرج  وتعين في دوائر ووظائف عديدة؛ لما يتمتع به من تملق و لباقة في الكلام،و دخل بعد ذلك صفقات مشبوهة مع عصابات وسياسين،وجهت له تهم قضائية،و خسر كل ما يملك ثم عاد من جديد ليعمل موظفا ً بسيطاً في الشؤون القانونية. ومن ضمن  الأمور التي كانت موكلة إليه هي أن يقدم لمجلس الخزينة بضغ مئات من الفلاحين  كانوا يعملون في مزرعة حل بها الخراب  والمرض أصاب الماشية والبشر.
وبدأ يستفسر عن كل الموظفين الذين يعنيهم الأمر،ويبين لهم أن نصف الفلاحين قد ماتوا.
وعندما قام بتسجيل الأسماء في لوائح الإحصاء،قال له السكرتير إن كل نفس تموت تولد أخرى محلها،وبهذا هبطت فكرة خارقة على عقل تشتيشكوف،وقرر أن يشتري ألف نفس ميتة  قبل صدور اللوائح الجديدة،ليعطيه مجلس الخزينة مائتي روبل لكل نفس. بعدها  بدأ يجوب أرجاء البلاد بحثا ً عن نفوس ميتة وعن أراضٍ بور حلت بها الآفات والأمراض والحروب.
يتداخل صوت الرائي كثيرا ً مع مجريات الأحداث وتفاصيلها  وينهي غوغول رائعته الأدبية وهو يناجي  روسيا بروحها المتوثبة في عمق التاريخ ،تلك الروح العظيمة التي لا تشبه أي روحٍ أوروبية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية