جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


في بابها قفل ٌ من خشب


إبراهيم البهرزي
ما رأيك في قفل ٍ يكون طوله حوالي نصف متر ومفتاحه يساوي هذا الطول أيضاً؟
هكذا كنت أرى أبواب البساتين وغالباً ما كانت من خشب ، وفِي الغالب من شرائح جذوع النخل المرصوفة قرب بعض ،.
وفيما بعد صار بعضها من الصفيح ( كانت علب الزيوت النباتية الكبيرة من الإنتاج المحلي المسمى / الراعي / أو /زبيدة/ غالباً ما يتم تقطيعها لعمل واجهات أبواب البساتين بتلك الألوان الصفراء الموسومة بصورة ذلك الخروف الأبيض أو صورة الراعي أو الراعية الجميلة )
كان مفتاح الخشب يتدلى من حزام البستاني وهو في طريقَه للبستان مع الكلّاب الحديدي ( أو مايسمّى الچِلّاب وهو أداة تزيين النخيل وقطع زوائد الغصون من الأشجار )
وكانت منجرة المرحوم الحاج توفيق النجار واولاده القريبة من بيتنا هي الخبيرة بهذه الصنعة في بهرز ، فكنت طفلاً أتأمل أسرار وشفرات هذه الصنعة
والحق إن لهذه الصنعة شفراتها وأسرارها ،فالنجار المؤتمن يحفظ شفرات كل قفل خشبي بحيث لا يتوافق مفتاحان في قفل واحد !
فأمانة الصنعة تتطلب أن يكون لكل مفتاح تركيب مختلف من النتوءات لا يفتحها إلا المفتاح الذي صممه النجار له !
ولَك أن تتصور. أن في القرية ( بهرز مثلاً ) مئات الإقفال الخشبية التي صنعها النجار المؤتمن والتي لا يتشابه أي مفتاح منها مع الآخر
ولا أعرف إن كان النجار يملك سجلاً بشفرات المفاتيح وتراكيبها أم إنه يحفظ عن ظهر قلب شفرات مفاتيح كل الأقفال في البلدة ، لأن من يُكسر أو يضيع مفتاحه فإنه يلجأ للنجار ليعمل له مفتاحاً بديلاً !
كما أن الأمانة تفرض عليه أن لا يصنع مفتاحاً لغير صاحب القفل الذي صنَّعه له !
هذا من بهاء الحرفيين الكبار ومن أسرار المهن يوم كان للمهنة سر وشرف ..
قفل الخشب هذا يتكون في العادة من حجرة خشبية كبيرة مجوفة من الداخل بمقدار يتيح لمفتاح الخشب أن ينزلق فيها
هذه الحجرة الخشبية تكون في ظهر الباب وليس في واجهتها ، وهذا يتطلب أن تكون هناك فتحة مدورة في واجهة الباب بما يتيح إدخال يد البستاني فيها ليدخل المفتاح في الدهليز الخشبي
فوق هذا الدهليز مباشرة ينزلق ( الترباس ) وهو قطعة الخشب التي تدخل في كوة عميقة تخترق الجدار الموازي للباب
عند استقراره في الكوّة فإن نتواءات خشبية متحركة في نهايته. تتعشق في ثقوب ملائمة لها على سطح الحجرة الخشبية وهي ثقوب نافذة حتى الدهليز المجوف الذي يستقر فيه مفتاح الخشب
في نهاية المفتاح الخشب ثمة زوائد أو أسنان خشبية تتوافق تماماً مع هذه الثقوب وتقوم برفع نتوءات الترباس وتحريرها من الثقوب ليمكن سحب الترباس من الكوة وفتح الباب
الأمر يحتاج لدقة َ في مقاسات ذراع المفتاح الخشب. والمسافات بين النتوءات إضافة الى هندسة فطرية تحفظ لكل مفتاح تصميمه الذي لا يشابه مفتاحاً آخر!
قرأت أن هذه المفاتيح الخشب هي أول ما صنع الإنسان من وسائل الغلق والأقفال ،فقد كانت موجودة عند الفراعنة قبل حوالي أربعة آلاف عام ، وربما كانت موجودة عند الحضارات الرافدينية قبل انتقالها للحرفيين من أحفادهم
تم في العقود الأخيرة استبدال الأبواب الخشب والصفيح بالأبواب الحديدية ذات الإقفال الحديدية الجاهزة
ثم أن جيل الحرفيين القدامى قد رحل وما عادت مهنة صنع الأقفال الخشبية المعقدة مطلوبة
أشعر بسعادة كبيرة حين ادخل بستانا لم تزل أبوابها محصنة بتلك الأقفال الخشبية السحرية ، ففيها حكمة الصنّاع الأوائل وروح تلك الأيادي التي كانت تهز المفاتيح الطويلة بتلك الطقطقات الجميلة ، رغم أني كنت أفشل أحياناً في تدبّر فتحها حين كنت صغيراً ،فهم وربما لأجل أن لايعبث الأطفال مثلي بها ،كانوا يضعون فتحة الباب التي تمتد عبرها اليد عالية بعض الشيء !

(يشاهد المفتاح معلقا بخيط فوق القفل)



المشاركة السابقة