جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


الربيع: أزاهير الخصب والقيامة


لطفية الدليمي

نصوص
في أيام الهلع والرعب ، في أزمنة الأزمات الكبرى والكوارث التي تهدد جنسنا البشري  بالفناء ، ليس أمامنا سوى أن  نلوذ بالجمال ونركن للطبيعة  ونستحضر  ما يؤجج  لهب  الشغف  ويؤرث شهوة الحياة لدى الجموع  المتأسية ، العابرة من الحرمان إلى تشهياتها المحظورة ، قبل أن يطيح بها القنوط ويغافلها  رماد  العدم .
هذه مقاطع من كتابي ( تقويم أزاهير الخصب والقيامة )  وهو تقويم  كتبته بديلاً للتقاويم الرسمية التي تقبض على الوقت وتطلق عليه تواريخ الهيمنة والسلطة ،  فتحول زمناً نحياهُ إلى محض أرقام جائرة  بكماء تعزلنا عن نبضة البقاء ورجفة التوق ، وفي تقويمي هذا أتخذ زهرة معينة  رمزاً لشهر من شهورنا رافدينية  الأسماء . ثمة في التقويم اعتناق وتواصل حميم مع الطبيعة والكينونة البشرية ،  وانعكاسات رؤى  من موروث إنساني  ممتد على أزمنة وبلاد ، في محاولة لدرء الإختلال  الهائل الذي يفترس أيامنا ، وللزهرة  هاهنا هوية تنفرد بها وتتماهى مع شهرها وخصائصه حتى تكتمل به ويكتمل بها وتصبح علامته  وشارة وجوده وثباته  في  الأعوام  .
    سأقدم هنا  زهرتين  لشهرين  من تقويم  الربيع  : لآذار  زهرة  البنفسج الزرقاء ، أنثى الحقول  ورمز الخصوبة  ورهافة العشق الخفي  ، ونهوض الحياة من مواتها ، وقيامة الرغبة من سباتها .
ولشهر نيسان زهرة السوسن ، الشافية  مهيّجة الولع ، شبيهة الحرير الزائل ، التي يغمى عليها أمام مجون الطلع ،  وتخترق  الليل لتفضح حصون الألم ، الزهرة التي أغوت ( فان كوخ  )  فرسم تحولاتها وأهوائها مرات ومرات .

تقويم شهر آذار : واحد وثلاثون يوماً من البنفسج
زهرة البنفسج الزرقاء
هوية الزهرة :  الخصب ،  الرهافة والطموح
تفيق البنفسجة  على هبوب  القيامة  وأنين نهارات الأسى ،
ترتق  الصباح  برحيق  النجوم  ، صغيرة تولد  كاستدارة قبلة ،
أنثى الحقول  المحفوفة  بشهوات الشتاء
جوهرة  الظهيرة ، لها ذاكرة دهر وأزل أنوثة
تومض  دمعة لازورد في  نوافذ المطر
وتسفح  زرقة الحقب  في الريح
عبيرها  يمرغ الأسى بالرغبة ، البنفسجة رسولة  عطارد 
طفلة الجمر  و بدء  الخليقة ، البنفسجة تغمر  آذار  بخضاب التشهي 
تدوزن  أهواءها على عروق العاشقين
وعندما تهب رياح الضغينة وتنثر الطائرات  بيوض الهلاك  على بطائح السدر 
وتشعل غابات النخل في العشيات ،
توصد البنفسجات  لذائذ المخادع  فتنام العذارى  في سرير الظمأ
كل صباح نتوضأ  بالبنفسج والعشب من  زيف النظريات والقداسة الهالكة
ننعتق من فولاذ  العقائد ؛ فالبنفسجة  موكولة لتلافي  خلل  الزمان ،
بشذاها  تفضح  القرائن الهشة
وتمرر خيط  المغامرة في  قلادة العام البابلي
جوهرة البراري ، خلاصة أحزان العشب
محفزة الأهواء في  هشيم  الجنائن 
تستولد في مخاض آذار  لآليء النشوة 
وترنم  أسفار الخصوبة ، وتنثر اللحظات اليانعة في كآبات الهيام
هي الحانية على  وحشتنا ، تمسد  مصائرنا في صباح القتل ،
ثم تدعنا  نجترح  حباً  في غابة القتل  وعصف الجنون.

زهرة السوسن لشهر نيسان
تقويم شهر  نيسان  :  ثلاثون نهاراً من السوسن والأنواء
زهرة السوسن
هوية الزهرة : الشفاء والولع
بلثغة حرير  توقظ الربيع 
غسقية الأهواء ، شافية الروح من عثرات  المطر
بعبيرها السكري تشق سبل  الهيام  وتقترح مسالك الصبوات
توقظ شهوات القمر  قبل الخسوف 
لخطوتنا الحذرة  تفتح معابر الزمن  وترتب  الفصول  في مرافئ الجسد
السوسنة  منقذة الروح من  خُدَع العشاق ،
فضاحة أقنعة العبارة 
السوسنة  تنفح  ترياقها  لقلوبنا وتنسل  خفيفة إلى  تحصينات الالم ،
السوسنة التي غنّجوها  بأغاني الولع
تضاحك  شرنقة الحرير وبراعم  التوت ويغمى عليها في مجون طلع النخيل
الهشة  شبيهة هوىً عابر ، تتماثل للشمس  والنسيان
السوسنة  طريدة  العاصفة  ، في  كفتي الوجود  تناغم بين  وداعة الحمائم  وجموح الشهوة  لتعبر  نيسان الأعاصير ،
توصل  قفر الشتاء  بقيامة تموز وانفلاق البراعم
حولها  تتقافز القبرات واليعاسيب ويشدو العندليب على ايقاع  شهقتها ،
يتساءل طلع النخيل عن الغريبة القادمة بغواياتها ،
يتساءل  السدر عن الغريبة الذائبة عشقاً
تتساءل  المزنة  الحمقاء عنها
فتمد السوسنة  أريجها بأصابع  عسل   
تسفح السوسنة  الرحيق على حيرتنا 
تمحو  قنوطنا ،  وتنتحي  في ركن  النساء
تسرف في الولع ، تسرف في الشفاء
ليقوم الحزانى من يأس  المدن  ووحشة  البلاد 
يعتنقون  آمالا  مسرفة  البهاء
السوسنة  تحيي  الربيع  من  غيبوبة  القربان  ومكائد  الجشع 
فتزلزل مروجنا الغافيات ..
*من كتاب تنكه



المشاركة السابقة