جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


الصورة الغرامية داخل رواية الروح والجسد


نعيم عبد مهلهل
حين كتب ناباكوف لوليتا كان يستشعر أن الإثارة من دون أنوثة تصبح حجراً حتى لو حملت وجه نرسيس. لهذا منذ أن قرأت لوليتا وأنا أشعر أن رواية بدون هاجس غرام مثل أرض يباب حتى عندما تتحدث تلك الرواية عن موت خنادق الحرب أو ساحات التظاهرات أو زحام سوق الشورجة.
الإحساس بالغرام داخل النص ، هو إحساس الكاتب بما حوله في كل أنشطة الحياة ، وحتى تصنع غراماً قد لا تحتاج لتعري امرأة فوق السرير ، بل الحنين الى الوطن وتذكر رعشتك مع دماك في طفولة قديمة تكاد تكون نوعاً وردياً من الغرام تستطيع فيه الرواية أن توغل داخل الروح والجسد عن طريق الشفتين أو حلمة النهدين.
يعتقد الكثير من كتاب الرواية الأولى أن زرع الإثارة داخل ما يكتبون هو ما يجعلهم معروفين من أول قراءة لكتابهم ، ومع افتراض أن معظم هؤلاء يعتمدون على الموهبة والجرأة أكثر من اعتمادهم على الكراس الذي يقول لك ( كيف تكتب رواية ناجحة ؟) ،
وربما أغلبهم لايعرف ناقداً ناجحاً يتصل به ويطلب منه النصح والتوجيه ليساعده في مشواره الأول. بالرغم ما اعتقد وعشته أن أغلب النقاد لا يساعدون الكتّاب المبتدئين لشعورهم أنهم مع موهبتهم ومكانتهم ينبغي أن يكتبوا عن الأعمال الكبيرة والشهيرة ، ونادراً ما أقرأ لناقد محترف كتب عن روائي مبتدئ ، وربما هذا الناقد يتلهف بالكتابة عن روائية مبتدئة فقط لأن أنوثتها الارملة أو المطلقة تثير شهيته .
الامثلة التي أسوقها دون اسماء ليست من اختراع مخيلتي ،إنما الأمر آتِ من الواقع الذي اسمعه في أخبار الوسط الادبي ، وهي ليست مثل أخبار الوسط الفني وتطفو على السطح بسرعة ، إنما هي نادرة ولا تظهر داخل هذا الوسط إلا من خلال البوح على مائدة الثمالة في نادي اتحاد الادباء أو في مكتبة مازن لطيف في شارع المتنبي أو قيصرية حنش أو أي مكان آخر.
نعود الى الرواية الأولى وأمامي بعض روايات اتخيل محتواها من خلال عناوينها وما كتب عنها من نقد وأغلبه نقدا ( فيسبوكيا ) وذلك لتعذر الحصول عليها ، والقلة منها حصلت عليه بملف دي اج أف من كاتبها لأنه صديقي على الفيس بوك .
اللافت فيما اقرأه في تلك الروايات على قلتها أنها أشاعت هاجس الغرام وطقوسه وهو من يسيطر على بنية النص وفكرته والنزوح الى المنطقة الحمراء عبر الطقوس الآيروتيكية ، حيث يتعمد الكاتب إظهار ما يخفيه ، ويحاول أن يجعل موهبته تسيطر على حماسه ، وأغلب ما قرأته يتحدث عن تجربة ذاتية متخيلة أو معاشه وقد تخلخلها الخواطر والشطحات في بعض الأحيان ، ولكن إصرار الكاتب ليكون روائياً يبدو واضحاً .
ثيمة الحبيبة تكاد تكون الأكثر في بنية الروايات الأولى وهو يتحدث في أغلبه عن غرام مثقف وواع وقد تحول الى فنتازيا لعلاقة جميلة كما نراه في أفلام الأبيض والأسود ولا نرتمي الى شاطئه بكامل حجومنا بل نحاول السير بمحاذاة شواطئه ونتأمله .
غير أن الثيمة العاشقة في الرواية الجديدة اشتعلت بغرام له شكلاً آخر أي أن هذه العلاقات الجميلة وهاجسها محفزه اليوم هو رسائل الموبايل والجمل الغرامية المبتكرة في الرسائل النصية التي تكتب في وسائل التواصل الاجتماعية ومؤثرات المسلسلات التركية والمكسيكية وغيرها.
صورة الغرام في بعض ما قرأت هي صورة هشة وسريعة القذف ، وهذا ليس إعماماً على ما يكتب بل إنه واحد من صور الكتابة التي تلفت النظر ، ويبدو أن ضغوطات تكنولوجيا المعلومات والعولمة وتغير المشهد الحضاري قد يجبر الكثير من المبتدئين الى النزوح صوب هكذا جرأة في الخوض من خلال جعل الغرام هو المحطة الاولى لتصدير وإظهار الموهبة الروائية .
و ( اكرر ) هذا ما قرأته ، وأظن في ذات المنحى هناك من كتب بأثارة ودهشة وتمكن ولم يتسنَ لي قراءتها.
وعلى أية حال فأن الجنسين من كُتاب الرواية الاولى ( الإناث والذكور ) يتناولان شيئاً مختلفاً ، حيث يكون الغرام بحداثة طقوسه مسيطراً على الرواية التي يكتبها الذكر ، فيما الأنثى قد تأخذ بنصيحة الدكتورة نوال السعداوي حتى دون أن تقرأ لها كتاباً واحداً حين تذكر ما معناه :
( أن المرأة لا تعبر سوى عن خوفها من فكرة أو شيء تعرف إنه لو التصق بها أو زار خيالها لأرعبها ، وبالرغم من هذا هي تتمناه أن يجي إليها خلسة وبعيداً عن العيون)
وعلى ضوء قول السعداوي نشعر أن الأنثى لا تريد أن تكتب عن شيء في العلن عما تخافه أو تخفيه .عكس ما يكتبه الذكور من كتاب الرواية الأولى.
هذه الرؤية المختصرة ، خاطئة أو صائبة أو فيها القليل أو الكثير من الحقيقة هي خواطر إحساس يسكنني هو أن الرواية وإن بدأت تغزو المشهد الثقافي في هذا العالم ، فأن صفة المطارحة الغرامية لا بد أن تأخذ مساحة واسعة في طروحات القصد والفكرة والبنية وأسطرة المشهد في تلك الروايات ، وأظن أن جعل الغرام هاجساً لتفسير ما يحدث في عالمنا المرئي والمخفي يحتاج الى ثقافة علمية ونفسية وتجربة حياتية ، وهذا يتوفر بمراحل أخرى ومتقدمة من أعمارنا. وعليَّ أن أسوق مثلاً هو أن أعظم كتّاب الروايات الغرامية من اللبنانيين وربما لا يعرفهما معظم كتّاب الرواية الجدد وهما الروائيين (( وفيق العلايلي والاسكندر رياشي )) قد كتبوا الرواية الغرامية عند اعتاب الاربعين ، وكانت أقرب لتكون شكلاً من أشكال الرواية الإباحية.
وأقل منهم وفي ذات العمر فعل نجيب محفوظ في ثرثرة فوق النيل ، بعد أن ابتدأ حياته الادبية في كتابة القصة التأريخية ، وكذلك إحسان عبد القدوس وعشرات الروائيين .
وأخيراً وحتى أعرف أن مفردة الغرام وهاجسها يسيطر على بنية الرواية وحدثها ، ذهبت الى محرك البحث غوغول لأحصي هذه المفردة على أغلفة الروايات وعناوينها فوجدتها بالعشرات ، وغيرها العشرات الذي لم يظهر لي في نتيجة البحث .
هم يكتبون في المنطقة الحمراء وربما نحن فعلنا ذلك قبلهم ، ولكن علينا أن ندرك ماهية الألوان الأخرى قبل أن نمرر إصبع الكتابة أو ريشة القلم على شفاه هذا الأحمر الشهي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية