جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


نزار قبّاني وأسعدُ أيام طفولتي


مهنّد الخيكاني
لطالما كان يغريني الجيب الأمامي لقمصان والدي ، فقد كان يتخذ منه خزانة متنقلة سهلة الاستخدام ، كما جرت العادة على تلك الموديلات ، يضع فيه هويته الشخصية ، والكثير من النقود التي تجعل الجيب يبدو منتفخًا وبارزا ، ولم تكن مبالغ ضخمة القيمة في عالم الكبار ،
فهي لا تتعدى كونها ، مصروفا للتسوق ، وآخر لركوب سيارة الجيب عند السوق الكبير ، ثم سيارة الكوستر أو المصلحة متوجهة الى باب المعظم ، بعدها ومن هناك يقطع والدي المسافة مشيّا على قدميّه الى مدينة الطب حيث يعمل موظفاً . كنت حينها في الثاني الإبتدائي ، وكنّا قد خرجنا لتوّنا من بيت الجدِّ في ظل تلك الظروف الصعبة ، لنسكن منطقةً بعيدة وجديدة وموحشة بالنسبة لنا ونحن المعتادين على هيأة الأزّقة ذات البيوت المتلاصقة والضجيج الذي هو متنفس الحياة ودليلها في المدن الشعبية، فكانت البيوت في المنطقة الجديدة الشاسعة ، متفرقة سوى من بيت يلاصق بيتنا من الخلف ، وعلي يسارنا قطعة أرض فارغة ثم الى جوارها هيكلٌ من الطابوق والأسمنت ظل متروكًا طوال فترة مكوثنا هناك ، حتى أننا اتخذناه واحداً من محطات اللهو القليلة والنادرة الى جانب لعبة المصارع والكرات الزجاجية ، حيث كنا وقتها نقفز من أعلى سقف الطابق الأول أنا وبعض صِبية الحي المتشظي ، حابسي الأنفاس بعيونٍ جامدة وقلبٍ ينبض كالطبل ، ونطير قليلا مثل الدجاج الذي كانت الناس تربيه هناك وتعامله معاملةً حسِنة لحاجتهم الملّحة الى البيض . وما أن نصل تلةَ الرمل المستخدم في البناء حتى ينجلي الرعب والتردد ، فينبعث ثانيةً مع التسلق التالي ، والوقوف على حافة سقف الهيكل ، والقفز كما لو أننا نقفز داخل مسبح عامر بالماء . كنا وقتها عائلةً تتألف من ولد كبير وبنتين ، أنا وأختي الأصغر في المدرسة ، هي في الأول الإبتدائي ، وأنا في الثاني الابتدائي ، نذهب معاً الى مدرستنا البعيدة بالنسبة لطفلين عبر سيارة الجيب والواز القديمتين ، فقد واجهنا صعوبةً في الحصول على ورقةِ قبول من مدرسة أقرب لبيتنا وذلك لتزاحم المدارس بالتلاميذ بالرغم من أن أغلبها تضمّ ثلاثة أدوار خلال اليوم الدراسيّ الواحد ، دوام صباحيّ ، وآخر يتوسط الصباحي والدوام الظهري الممتد الى المساء تقريبا ، بأوقات ضيقة للحصص وكتبٍ ممزقةٍ مرهقةٍ توارثتها الأجيال ، ونقص ٍ واضح في (الرحلات) أو المقاعد الدراسية ، لذا كانت قاعة الدرس تبدو وكأنها فمٌ فيه الأسنان مبعثرة ومكسّرة ، بين تلاميذ أسعفهم الحظ والحضور مبكّرا في الجلوس على مقعد وبين الجلوس على الأرض ، وقد اعتدنا الأمر ولم يكن يشغل بالنا كيف وأين نجلس . في ذلك الوقت كان لي خال كان قد تخرّج من كلية الآداب قسم اللغة العربية ، يطمح في مشروع صغير يلائم إمكاناته المحدودة في ذلك الزمن المحدود والشحيح ، فقرر أن يفتتح مكتبةً تضم في بعض ما تضمّ ، الهدايا والقرطاسية واللوازم المدرسيّة المطلوبة الأخرى ، ويبيت عندنا في ذات الوقت ، كان بيتنا الجديد فسيحاً وظريفاً له سقف لا تراه إلا في أفلام الكارتون ، وأوراق الرسم لدى الأطفال عندما يرسمون بيتاً له سقف مثلّث . في الحقيقة لا أدري أي ظريف من عائلتنا أو أقربائنا أختار تشييد السقف بهذه الصورة الفريدة ، كما أنه كان البيت الوحيد الذي رأيته مبنيًا على وفق هذه الطرافة . وأمام بيتنا ساحة ترابية شاسعة جداً يسبقها الشارع العام ، لدرجة أن البيوت التي على الطرف الآخر من الساحة ، تبدو للناظر ضبابية وصغيرة ، و كنت أغبط أصحاب تلك البيوت ، لأنها متلاصقة ومتجاورة ولا يشعرون بالوحشة أوقات المغرب والليل ، أما نحن في هذه الجهة ، تفكّك عندنا مفهوم الجار ، وتعطلت كل الأمثال الخاصة بالجيران والأحاديث ، من " اخترْ جارك قبل دارك " الى " الله موصي بسابع جار " ، كنت أتوق بشدة الى اليوم الذي تعود فيه هذه الأمثال المتداولة والأحاديث الى الحياة ، وتزيح عني الضيق والثقل الذي اعتمل في صدري وعينيّ رغم شساعة المكان ورحابة البيت . فأصبح سبباً ثانياً بالإضافة الى إعجابي بجيب والدي الأمامي المنتفخ أنْ قررت العمل مع خالي في المكتبة ، إذ كنت أرى حينها أنها من علامات الرجولة والاعتماد على النفس وتحمل المسؤوليات . إلا أن خالي لا يحتاج الى عامل معه ، كان محله في طرف السوق في جهة شبه ميتة ، وبعد إلحاحي على الأمر ، أُعطيتُ مبلغًا جيدًا من المال ، وذهبنا أنا وخالي الى محل للجملة في بيع السجائر ، لا يبعد سوى مسافة بضع محال الى جهة المكتبة ، واشترينا أنواعا عديدة من علبِ السجائر ، وبالأخص الشهيرة منها : السومر والأسبيّن ، والرشيد الممشوقة طويلة القامة . واشتريت بالإضافة الى ذلك ، أكياسًا من حبَّ الشمس ، اخترت لهما مكانًا أمام المكتبة ، في صينية صفراء بلاستيكية جذابة ، ليست من معدات المطبخ المعتادة ، بل أقرب الى حاجيات الزينة وضعتها على منضدة صغيرة . قديماً كانت الناس لا تملك ثمن شراء علبة سجائر بأكملها ، فيشترون السجائر بالمفرد ، ولا أدري أي سقمٍ عاشه المدخنون في ذلك الوقت ، بينما واحدنا اليوم لا تكفيه علبةُ سجائر واحدة ، ويعبر في شراهته الى العلبة الثانية ، وهناك من أدمن حدَّ الغرابة وصار يدخن ثلاث علبٍ في اليوم .
مضت الأيام ثقيلةً بينما أنتظر موسم حصاد تعبي وشقائي وتحقيق مرادي ،وها هو اليوم المنتظر قد أتى ، ارتديت قميصاً لديّ من الحرير أو نوع آخر لا أذكر بالضبط ، مفصّلاً على مقاسي وفيه نقوش لا أذكرها ، وكان لونه مائلاً الى الخضرة ، وفيه جيب أمامي . وقد كان أسعد يوم في حياتي ، فقد ربحت في ذلك الوقت ألفين دينار وقد كان عمري وقتها بين الثامنة والتاسعة ، وضعتها في جيبي الأماميّ وكنت أُخرِج النقودَ وأعدّها مراتٍ لا تحصى ثم أعيدها الى جيبي وأقيس انتفاخه بيدي ، أطرق على جيبيّ الملآن بفخر واعتزاز ، ليس لحاجة مادية أو نقصٍ في تدابير المنزل ، أنما كانت نزوةُ صغير ٍ يريد أن يكبرَ بسرعة ، ويدخل عالم الكبار، بعدما أوقدوا داخل طفولته مفهوم الأبن الأكبر ورجل البيت ، الذي لم أعرف مدى قسوته إلا حين كبرت وصرتُ أحنُّ يوماً بعد يوم الى ذلك الطفل ونصاعة رغبته .
يومها لم أعد الى البيت كما اعتدت عبر سيارات الجيب أو الوازات ، كانت النشوة تملؤني الى حد أنني قطعت المسافة مشياً الى البيت . ومن عجائب الصدف التي مرّت في أسعد يوم في حياتي آنذاك ، تناهى الى سمعي أن شاعراً كبيراً قد مات ، ولم أكن يومها أعرف من هو نزار القباني .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية