جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصة قصيرة جداً..ذَلِكَ اللَّيْل


ناظم مزهر *
كان الظلام بدائياً، موغلاً في وحشتهِ، تتعثرُ به عَجلتي العسكرية لا بِسبب مَطبَّات الطريق فقط وانَّما بفعل الزلازل التي تُلقي بها القاصفات. لَمْ تكُنْ هذه المرَّة الاولى التي أقود فيها من والى وحدة الميدان الطبية التابعة للواء المشاة، حيث كانت رُسُلُ الموت تستتر بزوابِع الرمال وتَعبثُ في رقصة همجية لتذِر الشظايا والمنايا في صحراء حفر الباطن التي اثلجتها رياح كانون.
حمولتي في الحوض الخلفي من الذين فاضَتْ أرواحُهم مُكَفنين بضمادات الميدان تُزينها أزهار قانية راحت تتفتح بوحشية تحت سِترٍ من الليل. كانت عَجلة ( الإيفا) تتلمس طريقها بلا مصابيح على بريق الانفجارات الهائلة؛ أقودها ببطء غريزي حذر لمداراة الجراح الطرية مخافة ان تهيجها مَطبَّات الطريق  رغم ان الجثامين في الحوض الخلفي تَنعم برِقادها الأبدي بعد أن ذاقت مرَّ العذاب.
لكن يَمر بي من آنٍ لآن وميضٌ خاطف يعشي الابصار فتتعثر في شراك بريقه حتى عواصف الريح الضالة وهي تعوي في متاهات الصحراء وتلطم غاضبة الأذيالَ المتطايرة من الغطاء السميك لحوض العجلة  وهو يعلو منتفخا ويهبط منكمشا مثل بطن عفريت زاحف. وفي لحظات من السكون يغالبني النعاس على دفء المحرك ورتابة هديره المنساب في خلوة الليل كأنه الشخير.
كادَ رأسي يتدلى في اغفاءة عميقة على مقود العجلة لولا الدقات التي داهمتني على الزجاجة الخلفية التي تفصل قمرة العجلة عن حوضها الخلفي. لعلها طقطقة الحلقات المعدنية من أذيال الغطاء المتطايرة. لكن الدقات نفسها عادت تنقر بإصرار، اعتقدتُ تماماً أن ملك الموت قد حضر شخصيا هذه المرة لينبِئَني بدنو ساعتي. أسرعتُ في الطريق ولم ألتفت.
ثم جاءت ثلاث دقات أخرى؛ صارمة فيها إلحاح واضح؛ ثلاث دقات أيقنتُ أن لا صلة لها بخبط الريح وهي تعلن عن خروجها من أي شَك، كأنها، بالنسبة لي في تلك اللحظة، ثلاثة انفجارات مرعبة قد أطبقت على مسامعي برمَّتِها، وتوهجت السماء ببريق انفجار جعل من الليل نهاراً فانتهزتُ الفرصة والتفتُ مرتعشا من برد وخوف ،ورأيت ما رأيت : ذراعٌ  بضمادها الثلجي تدق على الزجاجة الخلفية وتوميء لي بالتوقف عن السير  لحظةً في ذلك الليل البَهيم.



المشاركة السابقة