جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


بلاد فارس ما بين تيارين


محمد حاذور
بدءاً، أعني بفارس، الشعب وأفراده، حضارة فارس العظيمة والممتدة لآلاف الأعوام، أعني الفن والأدب والموسيقى والخط الفارسي والفلسفة والسينما والفوتوغراف والعمران والمطبخ والتكنولوجيا والزراعة، وبالتأكيد لا أعني حكومة ولاية الفقيه ومؤسساتها الرجعية الإسلامية.
أعني بالتيارين، التيار الذي يبغض إيران جملةً وتفصيلاً، ونقيضه الذي يحبها بما فيها، لكنهما يجهلان مواطن جمالها وسحرها وكنوزها الوفيرة والعالمية. فبدءاً من أدبها، شعراً ونثراً ومسرحاً، من النيشابوري، فريد الدين العطار، وحافظ شيرازي، عمر الخيام، وسهراب سبهري، صادق هدايت وفرّوغ فرخزاد. بورخس، الأديب الموسوعي الأرجنتيني الذي قرأ أدب العالم كله، يستعير بمحاضراته ذائعة الصيت، وهو في نشوة، صوفيات العطار، وحافظ شيرازي، أناشيد عمر الخيام التي ملأت مكتبات العالم بأغلب لغات المعمورة.
أستطرد مع الشعر لأنه لغةٌ وحّدت النفس البشرية، يقول بورخس “سوف أتناول استعارة فارسية قرأتها في مكان ما من تاريخ الأدب الفارسي لبراون. ولنُشِر إلى أنها لفريد الدين العطار أو عمر الخيام، أو حافظ، أو أحد كبار الشعراء الفرس. يتحدث عن القمر بتسميته “مرآة الزمن”. يخيل إليّ، من وجهة النظر الفلكية، أن فكرة كون القمر مرآة ستكون مناسبة، ولكن هذا أقرب إلى عدم الكشف من وجهة نظر شعرية، فكون القمر فعلا مرآة، أو عدم كونه، يخلو من أدنى قدر من الأهمية، ذلك أن الشعر يتحدث عن التخيّل. فلنتأمل القمر كمرآةٍ للزمن. أظن إنها استعارة رائعة: في المقام الأول، لأن فكرة المرآة تنقل إلينا إضاءة القمر وهشاشته، ولأن فكرة الزمن، في المقام الثاني، تذكرنا فجأة بأن القمر المضيء الذي نراه، عتيقٌ جداً، وهو مفعم بالشعر والميثولوجيا، وقديم قِدم الزمن”.*¹
ناهيك عن صادق هدايت، الشبيه بلغة كافكا، وبراعة نصيه القصصي والروائي، وغيرهم الكثير . أما في السينما، فإحدى قصص أحد مخرجي إيران تجعلك في بحيرة من الدهشة، فمحمد رودا المعروف في الوسط السينمائي العالمي، بعد فوزه بجائزة “كان” سنة 2017 وهو ممنوع من السفر والعمل، يقول رودا، الرقابة الإيرانية لا تراقب الأفلام القصيرة، فعمل على تقسيم فيلمه على أربعة أقسام، كل قسم صُوِّر بمكان وزمان، ومن ثم أرسل مواده الأربع إلى الخارج ليتم دمجها بعمل واحد، ليأخذ عن عمله، “الدب الذهبي” ببرلين*².
سَوق الأمثلة لسينما بلاد فارس كثيرة، فهم في سباق مستمر على أهم جائزة سينمائية عالمية “أوسكار”.
أما في الفلسفة، فقد قال الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس فور عودته من إيران عام 2002 مدعواً من مركز حوار الحضارات، الذي أنشأه الرئيس محمد خاتمي، “ لقد شاهدت نموذجاً غريباً من وسط ثقافي متألق “شديد الحداثة” ونظام حكم يعود للقرون الوسطى، ولستُ أدري كيف يجتمع في هذا البلد رجال الدين الفلاسفة الذين يتحدثون بآخر الصرعات الغربية، ورجال الدين المستبدين الذين يحكمون بإسم شرعية الفقهاء وحقّهم في الولاية على الناس”*³
أما في العمران، ففي العمران العالمي، يوجد حقل تحت عنوان “العمارة الفارسية” فهذا الفن، فارس من رواده وجذورها فيه، تمتد لآلاف السنين، وعمارتها، لها هويتها ومعالمها وملامحها وأساليبها ومدارسها وتنويعاتها وحداثتها، فأساليب نقوشها، من أروع الأساليب العمرانية وأجملها من ناحية العمران بشكل عام.
الموسيقى الفارسية، الشعب الإيراني له تجذر روحي ومعنوي عميق مع الموسيقى، ولا تفارق جميع محافلهم، فمن الناحية التاريخية، تقسم موسيقاهم، إلى ما قبل الإسلام وما بعده، وتضم الموسيقى الإيرانية بشكل عام، سبعة مقامات، وخمس أنغام. كل مدينة في إيران لها ثقافتها الموسيقية الخاصة، تختلف عن باقي المدن، كل مدينة لها فرقها المتخصصة بالموسيقى الشعبية والتراثية، والعصرية أيضاً
كل مدن إيران فيها المعاهد والمدارس والنوادي المخصصة للعزف، بل إن هناك معاهد، تحت إشراف عازفات ومعلمات، مخصصة للنساء للتعلم على الكثير من الآلات، والمرأة الإيرانية لها الحرية الكاملة بتعلم الموسيقى بعكس الغناء، ولها الحضور الواضح والعالي، لرهافة حِسها ورومانتيكيتها، بمجمل المحافل والفعاليات الموسيقية. وطبقاً لعقيدة أهل التوحيد، عندما خُلق آدم أبو البشر، ولأن الروح من عند الله والجسم من التراب، رفضت الروح دخول الجسد، عندها أخذ جبريل آلة “الطنبور” وعزف مقام “الطرز” لأن صوت هذه الآلة، تُلَيّن الروح وتجعلها تتجاوب مع الجسد. أما آلة “الدف” فلها شعبيتها الخاصة، فهي تستخدم عادة، في فعاليات الأدعية والأذكار، وفي الصوامع التي يرتادها أتباع الطريقة الصوفية والدراويش، وفي المراسم العرفانية والدينية، وتستخدم أيضاً من قبل العازفين في الحفلات الموسيقية العصرية.
الأوركسترا أيضاً، فقد دخلت بلاد فارس قبل ما يقارب القرن، بعد خروج موسيقيّيها لدول أوروبا ودخول موسيقيّي أوروبا لها. وآلات الموسيقى الإيرانية كثيرة ومتعددة منها الأصيلة وقديمة قدم صناعتها، ومنها المستوحاة والمحَدَّثة. والغناء أيضاً، فأصواتهم وشجونها لها طباعها وأساليبها الخاصة، والفرد الإيراني بشكل عام محب بولع كبير للطرب والغناء والموسيقى.
أما الخط والكتابة واللغة الفارسية تتقاطع بنسبة كبيرة مع اللسان العربي، بدايةً، من رسم الحرف ونطقه وجهة كتابته، والخط له ميزة خاصة، فالألوان في هذا الحقل الإبداعي ما بين العرب وفارس له جماليات، جعلت من الخطوط، يقف مع اللوحة في مساحة واحدة من جدران المنازل والمباني والمؤسسات الإسلامية وغيرها. فالخط الفارسي، وتعود تسميته لإعتقادٍ ساد بأنه نشأ في بلاد فارس، هذا الخط من أشهر الخطوط العريية، ومن أنواعه، خط الشكستة، وخط النستعليق، والأخير هو مزج بين التعليق والفارسي، ويعد النستعليق، من مظاهر الحضارة الفارسية، ومن أبرز خطاطيه، هاشم الخطاط البغدادي، ومحمد بدوي الديراني.
أما اللغة الفارسية والعربية، فالأخيرة أثرت تأثيراً بالغاً في اللغة الفارسية. “اللغة الفارسية لغة إسلامية جميلة، ذات أدب وفير، وهي تعد ثاني لغات العالم الإسلامي بعد العربية، ويسميها علماء اللغات “فرنسية الشرق” ذلك لأنها منتشرة في الشرق، انتشار الفرنسية في الغرب، وأن لها أهمية من بعد العربية ما للفرنسية من حيث الأدب والثقافة”⁴
من ناحية تأثير العربية بالفارسية، “أخذت العربية تنتشر ببلاد فارس بعد الفتح الإسلامي، مما جعلها مقدسة بنظر الفرس، لأنها لغة القرآن والدين الجديد، فتعمّقوا بدراستها ليتمكنوا من دينهم وكتابهم الكريم. وظلت العربية في المرتبة الأولى من الناحية الأدبية حتى القرن الثالث تقريباً. وإن عصر النهضة الفارسية، لم يقم معتمداً على الفارسية الخالصة، بل أخذ الشعراء والأدباء يأخذون من العربية، مفرداتها وعباراتها، ويقتبسون من القرآن والأحاديث النبوية والأمثال العربية، وقد استخدموا بحور الشعر العربية وزادوا وغيروا عليها. بل أصبح الشاعر الإيراني بعد الإسلام، لا يستطيع قول الشعر بلغته الفارسية ما لم تكن معرفته باللغة العربية كاملة، حافظاً لأشعارهم مطلعاً على أقوالهم”⁵
أما تأثير الفارسية بالعربية، فلا أحد ينكر الروابط والعلاقات المشتركة بين العرب والفرس، من خلال التجارة وما أدى ذلك إلى تقارب وتمازج بين الثقافتين، فأقدم كلمة فارسية تحولت عند العرب، هي كلمة “ورد” ويقال أن العرب أخذها من العصر الساساني، وأصل هذه الكلمة من اللغة “الأفستية”⁶ “ورذ” تحولت إلى “ورد” تحملان نفس المعنى بكلتا اللغتين. وغير ذلك من الكلمات، أما الكلمات المأخوذة من العربية في الفارسية فهي كثيرة، منها، “أحمد-أهمد، أحمر-أهمر، أحمق-أهمغ”⁷.
فارس في ثقافة المطبخ، هذا الركن الأساس من معيشة الإنسان، يقول الروائي الليبي العالمي إبراهيم الكوني، “المطبخ الفارسي والعثماني والصيني، من أهم مطابخ العالم، والمطبخ الفارسي رائد في الطبخ ومن أترف المطابخ بمائدته”*⁸.
صناعات إيران، فهي صنّعت، بذاتها أو بدعمٍ خارجيّ، كل ما يحتاجه الفرد الإيراني، قياساً بالفرد الأوروبي. وفي الزراعة، فتربتها من أغنى الترب، وطقسها الجغرافي جيد جداً للصحة، فيقتسم شعر رأس الفرد الإيراني مع الهندي، أفضل شعر في العالم. في دول المغرب العربي المتجاورة مع الخط الأوروبي، تجد المجلات والصحف والكتب الإنجليزية والباريسية والإسبانية، في متاجر الكتب، بل أن لغة باريس، هي لغة موازية للغة العربية في دول المغرب وليست ثانوية، أما جيراننا فارس، فلم نتعلم لغتهم ولم تصدر لنا من علومها الواسعة والشاسعة والوفيرة كلها، ولا يعرف المجتمع العراقي عن فارس سوى دولة الفقيه والحرس الثوري ومزار الإمام الرضا والمتعة الجنسية.
إيران ما قبل الخميني تختلف تماماً بعد ثورته ، ومن نواحٍ كثيرة منها السياسي والثقافي والإقتصادي وعلاقاتها مع دول العالم بشكل عام. فأهم جارٍ لفارس هو العراق، فهو بوابتها لدخول العالم العربي، لموقعيهما الجغرافي، لكن ما هي الأسباب التي صنعت تلك القطيعة التامة، الثقافية والمعرفية بكل صنوف وفنون الإبداع، وعلى مستوى التعليم في العراق، فيكاد المنهج التعليمي العراقي من أولى مراحله حتى مرحلة التخرج من الجامعات، يخلو من أي شيءٍ أو ذكرٍ يخص الثقافات والآداب الإيرانية،
لا أعرف ما هي الأسباب أو الظروف التي جعلت إيران كل علومها وفنونها لنفسها فقط، لكنها صدرت للشعب العراقي خصيصاً، أدوات التجهيل الفكري وتدمير هوية الإنسان العراقي، صدّرت عقيدة ولاية الفقيه بالإسلام، صدّرت الثورة الخمينية، صدّرت ثقافة اللطم باليد وضرب السلاسل وضرب الرؤوس بالسيف، صدرت الحوزة، وكل تلك الأدوات والثقافات جديدة وطارئة على بلدٍ، متعدد الأعراق والأديان والثقافات والأقوام.
الهوامش.
1. صنعة الشعر، ست محاضرات، دراسات، دار المدى، ط1، 2007، ص 54.
2. حوار مع محمد رودا، نشر في مجلة “hollywood reporter”
3. السيد ولد أباه، الدين والهوية، إشكالات الصدام والحوار والسلطة، دار جداول، ط1، 2010، ص43.
4. اللغة الفارسية، د. محمد نور الدين عبد المنعم، نشأة اللغة الفارسية، دار المعارف، د ت، ص5، رقم الإيداع 4971 / 1977.
5. نفس المصدر، ص13-14.
6. معجم الألفاظ العربية في اللغة الفارسية، إعداد د. محمد نور الدين عبد المنعم، مطبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ج1، ط1، 2005.
7. نفس المصدر، ص104.
8. حوار متلفز مع إبراهيم الكوني، برنامج بيت ياسين، 2019



المشاركة السابقة : المشاركة التالية