جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


قريب من الحب... أنا جبران


الدكتور معراج أحمد معراج الندوي*
الحب من أسمى المشاعر الإنسانية، يأسر القلب والروح والحواس والعقل وينتج الود والألفة والمؤدة والمحبة، الحب إحساس يمنح القوة والإرادة وحب الحياة. الحب هو المحرك الأساس للحياة واستمرارها، هو ذاك الانجذاب والإعجاب الذي يحدث بين إثنين لحظة الالتقاء عن طريق تبادل النظرات والكلام مما يعزز التواصل ويخلق المودة والمحبة.
الحب هو توافق فكري وعاطفي وإنساني، وإذا حصل التقدير بين الطرفين فيكون الحب جميلاً وراقياً وثابتاً أمام ظروف الحياة، وهو إدراك للقيمة الإنسانية التي زرعها الله  في القلوب، فيشعر الإنسان بأن حياته أجمل وذات معنى. إذا غمرتنا عاطفة الحب للأشياء والناس فإننا نجد كل شيء جميلاً، فالحب أساس الإحساس بالجمال والسعادة.
إن الحب ليس مجرد عاطفة بين رجل وامرأة، بل هو بؤرة التقاء المادي بالروحي والواقعي بالميتافيزيقي. يمثل الحب ثقافة مجتمع وفلسفة خاصة في العلاقات الإنسانية، ومن هنا يأتي الحب العقلاني الذي يعتبر من أرقى أنواع الحب، وهو الحب القائم على التفكير العقلاني الدقيق يغلب عليه العقل بنسبة أكبر من العاطفة.
الحب الأفلاطوني هو أصدق وأسمى أنواع الحب. يعتبر من أجمل أنواع الحب، إذ يقوم على الأحساسيس والمشاعر. الحب الأفلاطوني الذي يقوم على الإعجاب بسبب الذكاء أو الفضيلة بدلاً من الانجذاب الجسدي، إذ يسمح بالتواصل على الصعيدين الروحي والعاطفي مما يتيح ديمومة أكثر في العلاقة. إن الحب الأفلاطوني هو ذلك الحب الذي ينشأ بين العشاق الرومانسيين الذين يسمون بأنفسهم فوق رغبات الجسد وشطحات الجنس حين يهيمون بأنفسهم حبا لأطياف روح الحبيب ويجدون المتعة القصوى بل ونشوتهم في العواطف الجياشة المتدفقة بالوجد والحنين القاتل الذي لا يشبع ولا يرتوي أبداً. والحب الأفلاطوني الذي هو في أساسه حب عفيف لكنه ذو شغف غير مبني على شهوة جنسية، ولكن من أجل إعطاء دفعة لجنس أفضل وفتح آفاق جديدة من المتعة واللذة.
الحب الشهواني وهو الحب القائم على فكرة حب الجسد، وحب الجمال الجسدي القائم على جمال الملامح وتقاسيم جسد المرأة، وهذا النوع من الحب لا يهتم إلا بما يشبع عينيه ويملأ حواسه الملموسة، ولا يهتم هذا النوع من الحب بجمال الروح أو التميز الأخلاقي. هذا النوع من الحب لا يقف عند المشاعر، بل يتركز على الرغبة الجنسية والملذت الجسدية.
الحب الجبراني هو حب عفيف لكنه عاطفي، وهو لا يقوم على ضبط النفس وعدم الاهتمام بالمثيرات الجنسية، ولكنه يسعى إلى تحويل الطاقة الجنسية إلى قوة روحية، وفتح مساحات شاسعة من المتعة الخالية من الرغبة الجنسية. فالحب عند جبران هو شوق يدفع الإنسان إلى الحصول على المعرفة والخير والجمال، ثم يرتقي إلى حب النفوس ثم حب ثمرة النفس وينتهي في آخر الأمر إلى حب المعرفة لذاتها. يرى جبران أن الجنس هو جزء طبيعي من الحب، ولكن تلك الرغبة الجنسية ليست هي نهاية الحب.
الحب في نظره مصدر السعادة والنور، هو الخبز المقدّس الذي يُغذّي الروح ويحرِّر ويرفع، فلا يجوز بالتالي أن يُقيَّد، هو أقوى من الشرائع وأقوى حتى من الموت لأنّه سر الحياة المتجددة عبر تناسخ الأرواح، فالحبُّ عند جبران حنين دائمٌ لا ينقطع بعد الموت. بل إن النفس تمرُ كغيمةٍ فوق جبال الأحزان، فتلتقي بنسمات الموت، فترجع الى بحر المحبة والجمال.
استطاع جبران أن يؤسس لوناً جديداً في الحب لا ينتمي الى أي مدرسة في الصوت الذي يلمس شغاف العواطف والاحاسيس والأفكاره ويرتكز على فلسفة عميقة غنية تخرجه من القول الضحل الفاني الى القول العميق الخالد. هكذا أخرج من الأسطورة الى واقع جميل حيث يعيش الناس في الحب وللحب.
الحب عند جبران هو شجرة الفرح ونور الحياة والشيء الذي لا يموت. وقد وردت على لسان نبي سمي «المصطفى» ورسالة النبي رسالة المتصوف المؤمن بوحدة الوجودـ وبأن الروح تتعطش للعودة إلى مصدرها، وبأن الحب جوهر الحياة. يرى جبران أن الحب لا يعطي إلا ذاته، ولا يأخذ إلا من ذاته، والحب لا يملك، ولا يملكه أحد، فالحب حسبه أنه الحب. 
الحب عند جبران هو الشعلة المقدسة التي أوقدتها السماء في صدرها، وهذا هو الحب الذي يجمع الأرواح المنفصلة في عالم المادة التي تعيد الأرواح إلى الأرض لتعيش ملذات الحب، لأن الحب له أبعاد روحية ، وهذا الحب يؤلد الألم، ألم الشوق إلى حرية الروح. لقد مر الحب الجبراني تدريجياً بكل ما عاشه جبران من الحب الجسدي إلى الحب الروحي والكوني، وهذا النوع من الحب يملك عناصر البقاء والخلود. لذا قال جبران: إذا أحب أحدكم فلا يقولن: "إن الله في قلبي، بل يقول، إنني في قلب الله". 



*الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة عالية ،كولكاتا - الهند



المشاركة السابقة