جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


عبد اللطيف الراشد طفل ( الشاكرية) الباحث عن ( وطن) حتى موته


كاظم غيلان

عاش عبد اللطيف الراشد حياته الصاخبة المعترضة عابثاً ساخطاً وكل ذلك من حقه جداً.
لا وطن له ، فقد رحل عن  الدنيا وفي قلبه غصة أسمها ( الوطن) .. الذي غادره حالماً به وفي يوم من أيام ( حظر التجوال) !!
لا بيت يأويه ، بل ولإعلاقة له بعالم الأسرة والبيت سوى ذكرياته، قساوة الأب الذي يربطه بـ( المحمل) والهجرة من أقصى الجنوب الى العاصمة حيث تستوطن( الشاكرية) هذه التي أمطرها بالقصائد.
لم تكن العاصمة ودودة معه، جلدته بكل ما تمتلك من سياط العوز والفاقة والتشرد ، راح يتنقل في فنادقها البائسة ويستأجر الغرف الرطبة في ( الميدان) و(الحيدر خانة) وأزقة ( شارع الرشيد)  ليجابه بكل مايمتلك من طاقة في مقاومة تلك السياط المتوحشة.
عبد اللطيف الموهوب الذي لم يحصل على الشهادة الأبتدائية ، شاعرٌ حياتي وصحفي  باهر ، لم يتعرف على بحور الشعر ويجهد نفسه بما أراده الفراهيدي، ولم يتخرج من كلية الإعلام أو ورش التدريب الصحفي. لكنه أحترف الصحافة وخبر فنونها من الخبر، التحقيقات، الحوارات، الاستطلاعات ... الخ.
نبدأ نهارنا أنا ولطيف في سنواته الأخيرة من حيث لاندري، نمضي نهارنا الصاخب عابثين وجادين منتجين معاً حتى يستقر بنا المطاف في حانة( اتحاد الأدباء) .. هناك تتحول مائدتنا التي لانسمح أحياناً لأحد مشاركتنا بها  الى مشغل صحفي ، إذ ننجز ما لايقل عن مادتين  صحفيتين لكل منا كذخيرة لقوت يوم غدٍ ، مع أن لطيف لاعلاقة له ب( فكرة المستقبل)!!
لم يتحدث عن المستقبل أبداً بقدر استحضاره الدائم للماضي وتعلقه به رغم مافيه من قسوة وعذاب ، ما أن يتذكر ( الشاكرية) حتى تبدأ سلسلة الشتائم لصدام حسين والبعث إذ حولوا مرابع طفولته وشبابه الى ( قصر جمهوري)!!
يرسل بصاقه من ضفة ( أبو نؤاس) لعلها تصل ( قيادة الحزب والثورة) هكذا يعتقد وسرعان مايكتشف خطرذلك ليفر هارباً في أزقة توصله لشارع السعدون لأنه بصق على ( القصر)!!
لم يعول على نتاجه الصحفي كثيراً فمن أجل أن يعيش كما يريد يتحول الى بائع في ( سوق هرج) حيث خبِر تفاصيله بدقة، يعرفه الجميع هناك من باعة الأنتيكات الى باعة ( البراغي)  وأن أراد أن يتخلى عنه فتجده في ( المتنبي)  فيعرفه أصحاب البسطات والمكتبات ، يعرف كريمهم وبخيلهم،  ألا أنه يعول في مشواره الأخير على الشهيد ( عدنان) صاحب مكتبة عدنان الذي  يمازحه كثيراً ويمد له يد العون أكثر.
يعرف أصدقائه بدقة ، يحكي خصالهم بأمانة وصفاء، كثيراً مايفلت بأتجاه مبنى جريدة ( الصباح) ليلتقي ( فلاح المشعل) لعل ( حوالة) وصلته من صديقه ( حمزة الحسن) الروائي المقيم في النرويج ، فأن حصل ذلك يكاد يطير فرحاً ليحط في نادي الاتحاد، يأخذ قسطاً هناك من الاسترخاء وبعد برهة يعود مبتلاً من دورة المياه ليخبرنا بأنه أخذ ( حمام طوارئ) كما يسميه .. فحربه مع الحياة مستمرة.
ما أن تقرأ كتابة له في مسوداته التي ترافقه  حتى تدهشك جمالية الخط وكأنه درس فنه وزخرفته ، إلا أنه لم يكترث لما يقوله النقاد عن قصائده  فكثيراً ما كان ينتقدهم لقناعة في  نفسه بأنهم ( يرطنون) ولا أدري كيف أستجمع قواه ليطبع مجموعته الشعرية الواحدة الوحيدة ( نزق)  بطريقة الأستنساخ ولو لا ماقام به الراحل ( قاسم محمد عباس)  من جمع قصائده المتناثرة  في الصحف لما ظهرت  وألتي قدم لها علي بدر.. بذات الطريقة أصدر في تلك الفترة الشاعر طالب السوداني مجموعته الوحيدة أيضا( طز). وكأنهما أتفقا معاً على  الإحتجاج شعراً بوجه هكذا عالم وهكذا حياة .
أين الوطن من كل هذا؟؟
يجيبنا عبد اللطيف مدافعاً بقوة :
( كل العواصف تعبت
وأخرس أزيز الطائرات
أحلام الطغاة صارت مأتماً
وأنت باق بظهرك
تغسل وجه الأرض ياوطني العراق) 
بعد سقوط نظام صدام تلخصت  بهجة عبد اللطيف برؤية ( الشاكرية) ولو من بعيد!!
راح ينظم  كعادته على ورقة بيضاء وبخطه الرشيق ( مشروع سمكة) يوقع عليها من يريد تضامناً  لنلبي رغبته في المشاركة بوجبة غداء من السمك المسقوف على ضفاف أبي نؤاس .. هناك يرسل نظرات الوديعة الهائمة للشاكرية وهو يشعر بتحررها من مغتصبي طفولته وصباه.
ثم نعود لحانتنا الأثيرة ليهمس لي بأسراره التي هي أصلاً ليست ب( أسرار)  فيحكي لي كيف صادفه ضابط يحب الأدب في خدمته العسكرية ليجعل منه انضباطاً  وهنا نطلق ضحكتنا:
:عاش لطيف الانضباط
من يتصور أن عبد اللطيف الراشد انضباطاً  يحمل عصا التبختر!!؟
أية حياة لاتميز واقعيتها من سخريتها .. هكذا يراها هو وليكن مايكن .
يعرف  الندمان ويعرفونه جميعهم، .يميز( خبيثهم) من ( طيبهم) وكم كان دقيقاً في رصد نفاقهم وكذبهم  أذ سارعوا لنعيه  بعد رحيله  من كانوا يكيلون شتائمهم عليه في حياته.
يوما ما عاد إلينا من دورة المياه سابحاً بدمه .. أحدهم أنهال على رأسه بقنينة خمر فارغة !!
أبمثل هكذا  وحشية يعامل بها من لايملك سوى هذا الرأس المزدحم بأحلامه المستحيلة وقصائده!!؟
ليلتها لم يتذوق النوم ، أمضاها بشتائمه على ( الثقافة) التي  أزدحمت ب( الفلاسفة المرضى) كما يسميهم .
الحديث يطول عنك صديقي .. ولابد من سلام على روحك البريئة .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية