جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


أدب تزممارت


يوسف هداي ميس
ماذا لو ألقي بأحدنا في قبو عرضه ستون سنتمتراً وطوله متران، لا تنفذ إليه الشمس، فيما صممت كوة صغيرة للهواء بطريقة لا يتسرب من خلالها أدنى بصيص من الضوء. عتمة متناهية يحبس فيها المرء لثمانية عشر عاما، فهل نحن قادرون على الصمود؟.
هذا عين ما جرى لسجناء تزممارت في المملكة المغربية، حيث ألقي بثمانية وخمسين سجيناً تحت الأرض. تركوا ليلاقوا مصيرهم، يختطفهم الموت البطيء واحداً أثر الآخر، لولا تدخل المنظمات الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان فأنقذت ما يمكن إنقاذه من أرواح تحت الرمال.
مات اثنان وثلاثون سجيناً، منهم من لسعته العقارب وآخر نخرته الديدان فأصبح لها طعاماً قبل أن يلاقي حتفه، انتحر قسم ومات آخرون جراء نتانة الهواء المشبع برائحة الغائط في عنبر رقم 2، كما كسرت عظم أحدهم صدفة فأصيبت بالغرغرينيا فتوفي بعد فترة وجيزة. تلبس بعض منهم الجنون تحت وطأة الظلمة، فقدوا صوابهم وصاروا يحدثون أنفسهم دون وعي. نجا ستة وعشرون بأعجوبة، يصف أحوالهم أحمد المرزوقي في روايته تزممارت زنزانة رقم عشرة «لقد انقلبنا إلى هياكل عظمية لا يميزها عن سكان القبور إلا لحى شعثاء تدلت على الصدور وشعور مغبرة مدسمة تراخت على الأكتاف والظهور. وقد كان نصفنا يلزم الأرض من شدة الوهن وتفاقم العلل والنصف الباقي إما يمشي على أربع أو يتكئ في وقوفه المتذبذب على الجدار أو يزحف على مؤخرته إلى الباب كلما انشق عليه لالتقاط ما كانوا يسمونه طعاماً.»
كتب بعض الناجين من هذا المعتقل الرهيب أعمالاً رائعة بحق، مثل»ذهاب وإياب إلى الجحيم» لمحمد الرايس، و»مذكرات كابزال سجناء تازمامارت» لصالح حشاد، وتزممارت زنزانة رقم عشرة» لأحمد المرزوقي، وأخيراً رواية الطاهر بن جلون التي يسرد فيها مذكرات عزيز بنبين.  ولنا أن نسمي تجربتهم بأدب تزمامارت. وهو أدب ذو خاصية فريدة عما هو سائد في أدب السجون العربي والعالمي، لأنه لا يحتاج لمخيلة خصبة تجترح الأحداث، فخيال مصممي هذا السجن فاق بقسوته كل التصورات، الأمر الذي جعل من يكتب عنه يتوخى نقل الحقائق كما هي بلا رتوش.
قرأت روايتين عن معتقل تزمامارت، رواية «تلك العتمة الباهرة» للطاهر بن جلون، ورواية «تزممارت زنزانة رقم عشرة». لأحمد المرزوقي. لربما أباح الطاهر بن جلون لنفسه تغيير أماكن بعض السجناء ونقلهم من عنبر إلى آخر وفقاً لما تقتضيه بنية الرواية، بيد أنه صور حالات الموت البطيء لضحايا المعتقل بأسلوب صادق يقطر ألماً. رسم شخوص الرواية وما كابدوه من تباريح مصوراً معاناتهم بما تفطر له القلوب. ولي أن أقول بأني رغم كل ما قرأته من أعمال روائية طيلة حياتي فإن هذه الرواية الوحيدة التي استنزلت الدمعات من محاجرها.
تدور أحداث الرواية  داخل عتمة السجن، نسمع أصواتاً ولا نرى سوى الظلمة، مكان ضيق وزمان طويل يسير بخط متسلسل، على العكس من الفضاء الروائي في «تزممارت زنزانة رقم عشرة» لأحمد المرزوقي، إذ نقرأ سيرته مع صحبه مذ كانوا في خدمتهم العسكرية وظروف إلقاء القبض عليهم  حتى محاكمتهم ومن ثم سجنهم إلى أن خرجوا وما كابدوه فيما بعد من مضايقات أمنية وملاحقات أو استدعاءات للتحقيق دون أن يأخذوا جزءاً من حقوقهم التي وعدوهم بها. نقل المرزوقي سيرته حرفياً إلى صفحات روايته ليكون شاهداً حياً على ما جرى لهم في المعتقل الرهيب. جعل من روايته عملاً توثيقياً لما عاشوه تحت الأرض، وكان بنقله للواقع الأليم أكثر وضوحاً وواقعية، فسر كثير من الأحداث التي كانت مبهمة في رواية الطاهر بن جلون، ولأنه أراد التوثيق أكثر من أي أمر آخر فقد أعطى الشخصيات أسماءها الحقيقية وقسم كل فئة على حدة، فجعل فصلاً للجلادين، فأنزل عقوبته عليهم بما نعتهم به من أوصاف يستحقونها، كما امتدح السجانين الخيرين الذين لم يتوانوا عن مساعدتهم. عدّدهم وأعطى كل منهم فسحة من الرواية لكيل الشكر لهم بعد شرح أحوالهم. كتب أسماء كل المعتقلين مع سني محكوميتهم وسبب اعتقالهم ظلماً. كما أفرد فصلاً للانقلابات وآخر لثكنة أهرمومو. أفرد فصلاً لحالات الوفيات وفصلاً لكلبة تزممارت وفصلاً للحمامة. لم يبكني أحمد المرزوقي كما فعل ابن جلون، ولكنه سلّط لي الكثير من الضوء على تلك العتمة الباهرة، فاتضحت الصورة بشكل جلي وشربت كأس الحزن حتى الثمالة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية