جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » ثقافات


حكايات السيد كيرتيش


غيورغي مولدوفا
ترجمة / عادل العامل
سرَت شائعة في الحي تقول إن الخيّاط كيرتيش ذا الساق الواحدة قد حاز على لقب أستاذ الشطرنج برَمَّته في فرنسا . و جاءت المعلومة من المصدر الأكثر موثوقيةً ــ كيرتيش نفسه .
» غيورغي مولدوفا ترجمة / عادل العامل و عند الساعة الخامسة بعد الظهر تقريباً ، سيكون كيرتيش قد أغلق الدكَّان ، و لمَّع جزمته بعناية ( حتى الفردة التي بساقه الاصطناعية ) و وصل إلى المصاطب الاسمنتية و معه قطعة قماش مسَوَّاة و منمذجة على غرار لوحة الشطرنج و بيده كيسٌ فيه البيادق . و كانوا يلعبون في العادة للمال ، " ضاعفْ و امكثْ " ، مثل لاعبي القمار . لقد هزم كيرتيش جميع اللاعبين الذين كانوا يترددون على الميدان الأصغر ، مثل " مورفي " البقَّال ، و الطبَّاع " المبجَّل جداً " ، الذي كان يحمل صليباً و لوحة شطرنج في كيسه . لكن الأمر أثار، مع هذا ، لغطاً حين أعلن كيرتَيش أنه سوف يلاعب عن طيب خاطر ملك الشطرنج غير المتوَّج لميدان ( غيولا كوليتش ) ، بليندمان فرَيد . لم يعطِ أحدٌ من غواة اللعبة كيرتيش أقل فرصة للفوز. فقد كان فرَيد قد خاض المباريات الكبيرة حتى قبل الحرب ، و كان أيامَ عمله بائعاً للصحف اللوحة رقم 1 بالنسبة لموزّعي الصحف . قبل فرَيد التحدّي و حضر في الميدان الأصغر بعد أيام قليلة . و كان كيرتيش يلعب لعبةً مع شخصٍ ما . فألقى فرَيد نظرة سريعة إلى اللوحة من وراء عدساته السميكة جداً ، قائلاً : ــ " تُحب الشطرنج ؟ " ــ " بالطبع . " ــ إذن لماذا لا تتعلم كيف تلعب ؟ ! " لم يردّ عليه كيرتَيش ؛ كان يعرف أن هذه واحدة من ألاعيب فرَيد ، التي يحاول بها النَّيل من شجاعة خصمه بالقليل من الإهانات المختارة . و هكذا انتقلا إلى مصطبة أخرى ، و من دون أن يلاحظ أحد ، بسط كيرتَيش قماشتَي شطرنج ، واحدة فوق الأخرى بنفس الاستواء . ــ " ما هو الرهان ؟ عشرة ؟ " ــ " عشرة ؟ ! ما هذا ، يوم الأولاد في المعرض ؟ مئة كبداية ، و ضاعفْ و امكثْ . لكنّي سألعب لعبة واحدة معك . " ــ " كيف يكون هذا ؟ " ــ " لأني لا أريد أن اُفسد لعبي . فليس من السليم أن يتعود الواحد على الفوز السهل . " سمح كيرتَيش لفْْرَيد بأدب أن يقوم بالحركة الافتتاحية ، التي كانت مناورة الكابتن إيفانز الرومانسية المعروفة . و تحرَّك هو إلى الصف 4 و فرك راحتيه معاً . ــ " أقول لك ؟ تعال و بوس ... ! " قال الرجل البذيء ذلك . فتناول كيرتيش البيدق المضحَّى به . ــ " واوا ! " ــ " تأتي مرة أخرى ؟ " ــ " أضاعفك . " أعلن كيرتيش هذا ، ثم وضع قدَّاحته بجنب القماشة و هكذا لا يستطيع خصمه أن يروغ منها في ما بعد . تطلَّع بليندمان فرَيد مندهشاً ؛ على كيرتيش الآن أن يحقق فوزاً واضحاً ، و إلاّ فحتى في حالة قتل الشاه ، فإن فريد يشرع في الابتعاد بالمال . و هز كتفيه بلا مبالاة . ــ " تُضاعفْ ؟ شكراً على الازعاج . " أشعل فرَيد سيجارةً ، و رفعها فوق رأسه و راح ينفض الرماد . و سرعان ما كانت هناك كومة رمادية صغيرة على رأسه . كانت ستراتيجيته تقتضي القيام بهجوم على جهة الملك . و لكن كيرتيش ، و لم يكن استاذاً فرنسياً للا شيء ، كان دقيقاً و متَّزناً في دفاعه ، و هو يأخذ بيدقاً مقابلَ بيدق ، لكن بكلفة مقايضة القطع الأخرى واحدةً بواحدة . و هذا ما بسَّط اللعبة تماماً حتى لم يكن هناك غير الملكين و بيدق واحد لكلٍّ منهما . لكن الأفضلية كانت لفرَيد ، لأن بيدقه كان أقرب إلى الصف الثامن ، و هذا يعني أنه إذا وصل إليه ، فإن كل شيءٍ يمكن أن يكون منتهياً بحقٍّ بالنسبة لكيرتَيش . و راح فرَيد يفرك راحتيه معاً . ــ " هَيْ ، أنت يا متخلّف ، راقبْ طوربيدي ! كرِّر المضاعفة ! " و ما إن قال فرَيد ذلك ، حتى التقط القدَّاحة و وضعها عند طرفه من المصطبة ، إلاّ أن كيرتَيش اختطفها و أعادها إلى حيث كانت . ــ " ضاعفْ مرة أخرى ! " كان ذلك يعني ثمانية أضعاف المئة الأصلية زيادةً . نظر بليندمان فرَيد ، من دون أن يفهم في الأول ، إلى اللوحة ، ثم إلى كيرتَيش ، لكنه لم يزد الرهان و حرك بيدقه في الآخِر . استخدم كيرتَيش يده اليمنى ليقوم بنقلته بينما جرَّ نحوه خلسةً القماشة السفلى ، ليضيف بذلك صفّاً إضافياً لصفوف القماشة العليا . و كان هذا يعني بالطبع أن بيدق فرَيد يحتاج لنقلة إضافية قبل أن يتحول إلى ملكة عند وصوله إلى الصف الأخير . لم يلحظ اللاعب القصير النظر الخدعة ، بالرغم من أنه كان عليه في هذا الوقت أن يميل عبرَ المصطبة ليقوم بنقلة . أما غواة الشطرنج القريبون ، فإنهم لحظوا ذلك تماماً ، لكن قوانين الجماعة غير المكتوبة كانت تعني أن عليهم الاحتفاظ بالأمر لأنفسهم . و كان من اللازم أن يكرر كيرتَيش خدعته مرتين قبل أن يستطيع بيدقه قتل ملك فرَيد . و هكذا ، و قد فاز باللعبة ، جمع قطع الشطرنج بسرعة ، و طوى القماشتين ، و وضع نقود فرَيد في جيبه ، و أشعل سيجاراً . ــ " لقد فزتُ في ما مضى بلعبةً كهذه في فرنسا ضد الدكتور ألجيشتين . و لعلم الذين لا يتذكرونه ، فإنه كان بطل العالم آنذاك "! ( 2 ) كان من المسلَّم به في الميدان عموماً أن كيرتَيش ، الخياط الوحيد الساق ، أخرس كالثعلب . و في أحد الأيام ، دخلت دكّانه امرأة بملابس الحِداد تريد شراء بدلة سوداء لتدفن زوجها بها ؛ فأقنعها بشراء بدلة رياضية مع سروالٍ تحتي . و لم يكن كيرتيش ، في الخمسينات ، مجرد خيّاط ؛ فبما أنه كان يعيش خلف الدكّان ، كانت هناك حركة مرور دائبة من رجال غرباء حسني الملبس ، و سوَّاق شاحنات ، و فلاّحات من القطارت المتأخرة ، الذين كانوا جميعاً إمّا يصلون أو يرخلون و هم يحملون رزَماً منه . و لم يكن هناك صبغٌ أنيليني aniline يمكن الحصول عليه في البلد نظراً لكون حركة النقل قد أصبحت أصعب قبل سنوات . غير أن إشاعةً كانت قد انتشرت عن أن باستطاعة كيرتيش تدبير شيءٍ منه . و كان كل مَن يبحث عن سكَّرين ، أو شالات ، أو أفخاذ خنازير مدخَّنة ــ و هو ما لم يكن متيسّراً آنذاك ــ يمكنه أن يتحوّل نحو كيرتيش بكل ثقةٍ ليحصل على ما يريد . و كان الشغل سائراً غلى أحسن ما يُرام ، حين حدث أنْ تعرَّض أحد مجهّزي كيرتيش للإفلاس في حانة ، فحاول أن يدفع عن المجهّز ثمن الشمبانيا بسبيكة ذهب . فاستدعى المدير الشرطة ، و تلخبطت الأمور ، و جاءت سيارة ليموزين سوداء و توقفت أمام دكّان كيرتيش في تلك الليلة . و لدهشتهم الكبيرة ، فشل رجال الشرطة السرية في العثور على أية نقود أو مواد مهرَّبة هناك . فكيرتيش لم يكن بالمستجد ؛ و كان قد توقَّع غارةً في أي وقت . و مع هذا ، أُلقيَ القبض عليه ، و سُلِّم إلى " شعبة التجارة " ، و ظلُّوا يستجوبونه لمدة أسبوع ، لكنه تشبَّث بقصته : أن آخر مرة رأى فيها أيَّ ذهب كانت حين زارته جارته ( السيدة ذهب Mrs. Gold )! و في نهاية الأمر ، يئِس البوليس السري و حوَّلوا كيرتيش إلى جزَّار القسم الأكثر إثارةً للخوف ، " الهرّ أبو جزمة " . و كانت للهر طريقة وحيدة مجرَّّبة بشكلٍ جيد . فقد كان يمشي ، بجزمته ذات المسامير ، على قدم ضحيته و يدوس عليها بوزنه البالغ مئتي رطل أو ما يقرب من ذلك . و لم يكن هذا الإجراء يفشل في تحقيق النتائج المرجوَّة على الإطلاق . و كان كيرتيش قد علِم من نزلاء زنزانته بطريقة الهرّ للفوز ، فلم تطرف له عينٌ حين قيل له إنه سيقابله بعد قليل . فتناول الخيّاط كرسياً ، و كما لو كان لا يعرف أي شيء ، مدَّ قدمه الاصطناعية إلى الأمام . و راح الهرّ يدوس عليها ، و هو يبتسم ابتسامةً عريضة . فأخذ كيرتيش له نفَسَاً ، لكن ليس أكثر من هذا . نظر الهر إليه مندهشاً ــ كان متعوّداً على الصراخ و البكاء ، و راح يقفز على قدم الخيّاط بكلتا قدميه الآن ، نازلاً بهما عليه بشدة . و فكّر كيرتيش أن من الكياسة أن يقول " آخ " ، لكنه كان حريصاً على أن لا يبالغ بها لئلاّ يأخذها الهرّ على كونها علامة تشجيع . بعد ساعةٍ من ذلك ، و بعد أن قام اثنان من معاوني الهرّ المرهق تماماً آنذاك بمساعدته على الخروج من الغرفة ، تم إطلاق سراح الخيّاط من السجن . و ما إن صار في الشارع ، حتى توقّف ليتناول قطعة قماش من محفظته ، و راح ، و على وجهه سيماء الانزعاج ، يلمِّع فردة حذائه التي تعرّضت للدوس . ( 3 ) كان كيرتيش متزوجاً ، لكن أموره لم تكن على ما يُرام كثيراً مع زوجته . ففي أول زواجهما غمرته بغيرتها . فكانت في كل صباح تعقد شريطاً تحت قميصه ، و هي تحسب أنه لن يجرؤ على خلع ملابسه خلال النهار ، و في المساء كانت تتفحص العقدة للتأكد من ذلك . و راحت تتقصى أخباره بصورة تطفُّلية هنا و هناك ، و تستفهم منه عن مصروفه ، أما إذا تأخّر ، و لو نصف ساعة ، فإنها كانت تكلم الإسعاف ، و الشرطة ، و قسم الإطفاء . و سرعان ما تعبَ كيرتيش من هذا الروتين ، فاقترح عليها الطلاق . و كانت المرأة ترغب في الموافقة على ذلك لو فقط حصلت منه على ملكية الشقة و نفقة شهرية . و كان كيرتيش يرى أن هذا كثير . و هكذا استمرّا يعيشان معاَ ، و هما يكرهان بعضهما بعضاً و يبذلان قصارى جهدهما لجعل الحياة تعيسةً بالنسبة لكل واحد منهما . و كان هناك لغطٌ في الميدان في يوم من أيام تشرين الثاني 1956 عندما سرت شائعة مفادها أن كيرتيش قد اختفى . و تبيَّنَ سريعاً أنه قد ارتدَّ و لجأ إلى الغرب. فقد جلب سائق شاحن عاد لتوِه من فيينا رسالةً منه إلى زوجته . و قد قال فيها إنه التقى بعضَ زبائنه القدامى الذي دفعوا له ما عليهم من ديون و إنه سوف يبدأ في وقتٍ قريب عملاً تجارياً صغيراً هناك ، و لكنه يشعر بوحدة شديدة و يرجو منها الالتحاق به . و قال سائق الشاحنة إنه سيساعدها على عبور الحدود . فكَّرت السيدة كيرتيش في الأمر مليَّاً ، و قررت أن ذلك يستحق المحاولة ، فحزمت حقائبها ، و أقفلت الشقة ، و غادرت مع سائق الشاحنة . و في الليلة نفسها عبرت الحدود . و في صباح اليوم التالي ، ظهر كيرتَيش تحت الأشجار في الميدان لابساً حذاءً لامعاً بشكلٍ سليم . و كان يبحث عن عامل أقفال يعرفه ، كي يغيِّر له القفل الذي على باب الشقة . و كان الناس يحدّقون فيه ببلاهة و هو يمر بهم . ــ " إذاً أنتَ لم ترتدّ ، سيد كيرتَيش ؟ ! " ــ " مَن ، أنا ؟ لقد قضيت بضعة أيام مع أصدقاء لي في كيسبيست ، لكني أستطيع أن أفسّر كلَّ دقيقة . و أنا أسمع الآن أن زوجتي البائسة قد تملَّكتها هذه الرغبة الجنونية في المغامرة فرحلت . أصبحت خائنة لنظامنا الاشتراكي ، و إني حتى لو حدث أنْ عادت لن أدعها ترجع لتعيش في الشقة ــ و سوف تساندني المحاكم الهنغارية المستقلة في هذا " . و لم يكن باستطاعة كيرتَيش أن يُخفي ارتياحه إلا بالكاد . و ابتسم ، و هو يستأنف قائلاً : ــ " هناك فقط أمرٌ واحد آخر أودّ أن أقوله لكم ، يا سادة : أن يكون الواحد غبياً فشيءٌ لعين ، أسوأ له من الموت " .º عن / The Hungarian Digest



المشاركة السابقة : المشاركة التالية