جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


تاييس .. رواية الحب العذري العفيف


نذ سنوات بعيدات 1992 قرأت بامعان والتذاذ رواية (الآلهة عطاش) للأديب الفرنسي الكبير أناتول فرانس (1844 – 1924) قام بنقلها الى العربية المترجم الفلسطيني البارع عادل زعيتر، وتتحدث عن السنوات الاولى للثورة الفرنسية وقيام الجمهورية، وسقوط الباستيل وحكم الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت سنة 1789 والفوضى العارمة
مالتي ضربت الحياة الفرنسية والجوع الذي قتل الناس ووقوفهم ساعات عند افران الخبز الذي ما يلبث ان ينفد لقلة الطحين المجهز للافران والثوار يوغلون في حفلات الدم وقطع رؤوس الناس بحجة معاداتهم للثورة ونصرة الملكية وكان لهم فضل ابتكار الجلوتين، المقصلة يقطعون بها الرقاب!! وهو ما صوره – كذلك – فكتور هوكو في رائعته الروائية (قصة مدينتين) اي مدينة باريس ومدينة لندن حيث تجري احداث روايته، واذ حصلت على رواية اخرى من اعمال اناتول فرانس، قررت مطالعتها لوصل ما انفصل، فلقد جاء في قرار الاكاديمية السويدية الذي بموجبه منح أناتول فرانس جائزة نوبل للآداب سنة 1921 ما نصه انه (طَعَّمَ الادب بخيال جديد (...) وتقديرا لما كتبه ككاتب ونقاوة اسلوبه ولاحساسه النبيل بالانساني وكذلك لسحر روحه الفرنسية) وما أظن ان الاكاديمية السويدية وهي تصدر قرارها هذا، الا  وقد وضعت امامها رواية (تاييس) لا بل منحته الجائزة – كما احسب – عن جهده الروائي الرائع، الذي تجلى في كتابة هذه الرواية المدهشة التي زاوج فيها اناتول فرانس بين الماضي السحيق، ايام بدء انتشار الديانة المسيحية ورفع الحظر عنها، حتى بدايات القرن العشرين، حيث كتب روايته.
انها رواية الحب العفيف والعذري، لا بل المكابر، فهذا الراهب الزاهد المتبتل (بافنوس) الذي جعل كل همه ووكده انقاذ تاييس مما هي فيه غاطسة في حمأة الرذيلة، هذه الممثلة الراقصة باهرة الجمال يُصعِقُ مرآها الرجال، بائعة الجسد، انما كان يُكَتِّمُ حبا قد برى جسده، كما برى الكتمان جسد ابي الطيب المتنبي، كتمان حبه لخولة اخت سيف الدولة الحمداني، هو الصارخ بصمت الرجال الاشداء ومكابرتهم
مالي اكتم حبا قد برى جسدي – وتدعي حب سيف الدولة الامم
وما ارى المتنبي في هذا البيت الا قاصدا خولة اخت سيف الدولة لا سيف الدولة ذاته، ومكنيا عنها، واذ تموت خولة بعد سنوات من مغادرته لمجلس سيف الدولة في حلب الشهباء، اطلق آهاته المكابرة الاخرى في وجه الزمن:
طوى الجزيرة حق جاءني خبر – فَزِعتُ فيه بآمالي الى الكذب
حتى اذا لم يدع لي صدقُة املأ – شَرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
لقد منعه حياؤه، ولربما انفته ومكابرته ان يطلب يد خولة، لذا كتم حبها الذي برى جسده واضناه، لكن الراهب بافنوس، الذي تمنعه ديانته عن اتيان الجسد، نشدانا لطهارة الروح والسمو نحو اجواز الفضاء، كون الجسد مصدرا للتأثم، فابن الانسان مكون من العقل والروح والجسد، فاذ يتألق العقل ويسمو، فان تألقه يكون على حساب الجسد الذي يتركه حطاما، مثل قصر منيف تركه ساكنوه، لكن هؤلاء نسوا رغبات الروح وتناغمها مع متطلبات الجسد بصورتها الشرعية العفيفة، لذا دفع (بافنوس) ضريبة كبرى لانه ما استطاع إماتة رغبات الروح والجسد، التواق الى الآخر المكمل، الذي من دونه لن تمضي مسيرة الحياة، وصيرته في النهاية مجدفا لاعنا اقرب الى الجنون.
يضرب في المتاهات والصحارى متوجها نحو تاييس، التي كانت تقيم في (كهف العذارى) بمدينة الاسكندرية، كي يحاول انتشالها من الوهدة التي هي فيها وجعلها تعيش عيشة النسك والطهر والبتولية في دير الراهبة (البين) في الصحراء الليبية القريبة من مصر، لكن ما ان يلتقي بها حتى جعله جمالها الطاغي يكاد يترنح، مناجيا نفسه، حاثا اياها على الثبات مناجيا نفسه:
- اللهم لا تجعل وجه هذه المرأة سببا في غوايتي، بل سببا لهدايتي!! كانت نظرته الاولى قد اخذت بمجامع قلبه وعقدت آصرة علوية شفيفة بين روحه وروحها، فالعقل – غالبا – ما يتراجع امام ترانيم الروح وشغفها، ولنطوِ الان كشحا عن متطلبات الجسد، واذ يتمالك الراهب بافنوس نفسه ازاء هذا الجمال الصاعق، يواصل حديثه المكابر، الذي يحاول من خلاله تغطية ضعفه الانساني.
- تاييس! انني من سكان ارض سحيقة نائية، وقد قادني اليك صيت جمالك، قيل انك ابرع الممثلات واقدر النساء، وكأن قصص ثرائك وغرامك واهوائك من اساطير الاولين، تعيد الى الذهن ذكرى (رادوبيس) القديمة التي يحفظ ملاحو النيل تأريخها العجيب عن ظهر قلب، فاستولت عليَّ الرغبة في معرفتك ولعمري اني ارى الخَبَر يفوق الخُبر. انك اعلم واجمل الف مرة، مما ذاع عن علمك وجمالك، والان اذ اراك اقول لنفسي: يستحيل على المرء الاقتراب منها الا ويترنح ترنح السكارى) ص77
لقد قضي الامر فيه الذي تستفتيان، لقد هام بها حبا وانتهى الامر، وهل هناك اعتراف اصرح من هذا الاعتراف؟ انه يترنح اذ يقترب منها ترنح السكارى! ولن تصمد مكابرته ومحاولته ليَّ رغبات ذاته، سيدفع بافنوس ثمنه غاليا، حتى انه يفقد ايمانه ويطلق لسانا مُجَدِّفا، صارخا وهي تترنح بين يدي الموت في ذلك الدير الذي اودعها فيه
- لا تموتي! اني احبك فلا تموتي! اسمعيني يا حبيبتي تاييس، لقد خدعتك ومكرت بك وما كنت الا معتوها شقيا، ان الله والسموات ليست شيئا مذكورا، وما من شيء له وزن وهو حق، الا الحياة الدنيا متاع السرور والا الحب الجسدي! اني احبك فلا تموتي! لا تذعني للمنون (...) تعالي نتبادل الحب ونرشف كؤوسه (...) وقولي: سأعيش لاني راغبة في العيش، سوف أحيا، اني اريد الحياة، تاييس، تاييس، انهضي) ص196
واذ تحاول ان تغريه متظاهرة بالخوف منه جالسة على حافة سريرها، رافعة قميصها بعض الشيء، منتظرة قدومه اليها، بعد ان ما عادت ركبتاه تقويان على حمله ارتجافا، يقول لها:
- اتظنين انك اذا وهبت نفسك لي تخفي على الله؟
مجيبة اياه بما يشبه الاستفهام الانكاري على لغة النحاة.
- من ذا الذي يكرهه دائما على مراقبة كهف العذارى؟!
صارخا فيها، كي يخفف عن نفسه المأزق الذي يعيشه، مخفيا الضعف الانساني، او محاولا اخفاءه مكابرا.
- انا بافنوس، كاهن انصينا الاكبر، جئت  من الصحراء المقدسة (..) وانني اصيح بك: انهضي يا تاييس
قلت: لقد احبها، لا بل هام بها حبا وغراما، وما بقي سوى مغالاة ومكابرة، ولعل من  دلائل هذا العشق، ان الشاب شيرون، الذي كان في ضمن من يطارحونها الغرام، اقبل عليها متوسلا، بعد ان اوعز بافنوس باحراق مخدع تاييس (كهف العذارى) مذكرا اياها بحياة الغرام التي كانا بحيائها، غير ان بافنوس يحول بينهما صائحا.
- ايها الفاجر! اخشَ روعة الموت ان انت لمستها انها مقدسة! انها ملك الله!
وامسكها وضمها الى صدره ضمة طويلة وصاح!
- ايها الفجار! لا تحاولوا ان تختطفوا الحمامة من سرب الرب! ص133
لم استغرب والراهب بافنوس يحاول مكابرةً اخفاف صوت ترانيم الحب التي بدأت تعزف انغامها على اوتار روحه، هذه المعاملة الجافية القاسية لتاييس بعد ان اصبحا وحدهما سائرين على شاطئ البحر الابيض المتوسط وصولا الى الصحراء الليبية، حيث دير الرهبنة الذي سيودعها فيه، انه يحاول كبح ضعفه الانساني وقد خلا له الجو، لذا يخاطبها باقذع النعوت والصفات، وهي – وقد آمنت به تتقبل كل ذلك بقبول حَسَنٍ
- يا انجس من كلبة واشد رجسا من خنزيرة لقد ابحت للفحشاء مع الوثنيين والكافرين جسدا خلقه الصمد ليكون محرابا.
لم يكتف بذلك زيفا ومكابرة، فانه نظر اليها حتى اخترقت نظراته اعماق نفسها ثم بصق في وجهها، وهي الصابرة المحتسبة التي انتقلت من عالم الجسد الى عالم الروح مؤمنة بتعاليم بافنوس وتوجيهاته، الذي غادر عالمه ذاك عالم الروح الى عالم سيضج برغبات الجسد، وكأنه تبادل مواقع في الحياة، تمسح محياها بهدوء وانكسار دون ان تقف في سيرها لقد انتهى الامر لديها، لقد وهبت نفسها لعالم الطهر والتبتل، لذا فهذا الذي يحصل جزء من ضريبة الطهر وصولا الى عالم الملكوت.
واذ يرى قطرات دم تنزف من قدميها، بعد ان ادماها السير الطويل والنتوءات الصخرية يعود الى نفسه مخلفا المكابرة والغلو وراءه ظهريا، يعود الى انسانيته المجبولة بالضعف، هنا احس بطراءة انفاس مجهولة، تدخل قلبه المفجوع فبكى ثم جرى وخَرَّ راكعا امامها وقبل قدميها الداميتين. ص141
واذ يوصلها الى دير الراهبة (البين) ويودعها بيت الخلاص بين المريميات يصرخ مودعا:
- ما اجمل التي تسير على الصراط المستقيم، ما ابدع قدميها وما ابهى محياها. ص144
قلت اكثر من مرة ان الرواية ما عادت سردا وحكيا، بل دخلت فيها تقنيات جديدة واصبحت في بعض جوانبها رواية معارف، وعلوم وتاريخ، من يقرأ (شفرة دافنشي) للروائي دان براون يعجب لهذا الكم الهائل من المعارف عن الكنائس والاديرة ولوحة العشاء الاخير للسيد المسيح التي ابدعها الموهوب ليوناردو دافنشي والامر ينسحب على رواية (اسم الوردة) للحكّاء الايطالي الماهر امبرتو ايكو، فهي كذلك ابحار في عوالم الاديرة والكنائس والمخطوطات وكذلك العديد من روايات اللبناني امين المعلوف واعني بذلك روايته (ليون الافريقي).
ويوم كتبت مقالا عن رواية (العطر) لباتريك زوسكيند، قلت ما اكثر ما قرأ زوسكيند في عالم العطور قبل ان يكتب عمله الروائي المبهر هذا، واقول وانا اتحدث عن روايته (تاييس) الرائعة لاديب فرنسا الكبير أناتول فرانسوا تيبول المعروف بـ(أناتول فرانس).
ما اكثر قراءات اناتول في الفلسفة اليونانية القديمة، والتأريخ اليوناني القديم والفكر المسيحي، وارهاصات النشأة الاولى واباحة التدين بالعقيدة المسيحية على يد الامبراطور قسطنطين، التي صبها وهو يكتب الفصل الثالث الموسوم بـ(المأدبة) ففيه مناظرات فلسفية عالية المستوى، وحوار شيق شائق يحتاج الى قراءة متأنية متأملة متبصرة، كي تستطيع الابحار فيه والتحليق بجناحي نسر في اجوائه العالية، وهل جاء هذا الفصل الا نتيجة لقراءات جادة في الفلسفة؟
اذا اردنا التنويه بجهود كبار التراجمة في عالمنا العربي فلابد ان نذكر بكل الاكبار والاحترام والاجلال جهد الاستاذ احمد الصاوي محمد الذي ترجم لنا هذا العمل الروائي الشامخ (تاييس) لذا فإن (دار المدى) قد احسنت صنعا وهي تعهد اليه ترجمة هذا العمل الشيق، ليكون احمد الصاوي محمد علما من اعلام الترجمة الى جانب: عبد الواحد محمد مسلط، وعادل زعيتر وحسن محمود وعلي ادهم ومنير البعلبكي وبدر الدين عرودكي والدكتور سهيل ادريس صاحب مجلة الآداب والدكتور سامي الدروبي وغيرهم من اساطين الترجمة في وطننا العربي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية