هوية مزيفة
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2599
الكاتب: luay


 حرر في الأحد 29-08-2021 11:23 مساء

كرة بيضاء ملوثة بالدماء، اصوات انين دون ملامح واضحة من حولي، ادير بصري في لفائف الشاش على الاسرة، كل من هنا مثقل بعاهة خطرة وغريبة، فقدان يد، فقدان ساق، حروق في انحاء الجسد، وجه دون ملامح، بطن مفغورة، صور مشوهة تكاد ان تنخر روحي وتخرجها، اتساءل عن علتي التي جاءت بي الى هنا، انتبه، واتفقد جسدي، فأجدني بنصف علوي لاغير.
كان احساس مفجع من دون ساقين، يقودني فأصل مرعوبا الى احساس اخر متضخم كان بساقين هذه المرة، ساقين ممتدتين على طول الغرفة، يمكنني القيام والركض والهرب بهما ايضا، انظر فلا ارى لوجودهما اثر.
انا رجل دون قدمين الان اذن، ماذا سيطلق علي، لن احصل على لقب “الاعرج” حتى، “مقعد” لا يعرف مدى ماتبقى من ساقيه في جسده، ما جاء في فزعي تلك اللحظة ايضا، لم يكن من هول فقدان ساقي او الوجع الذي بدأ بالتصاعد في جسدي فحسب، بل كان ذلك الرعب الحقيقي الذي تمادي في دماغي، في فقداني رجولتي، وهل من الممكن ان يسلم شيء في ذلك المكان دون ان يمس او يشوه او يجرح، هل اتمكن من الحياة مرة اخرى، كل مافي جزئي الاسفل واقع تحت كتلة شاش كبيرة، لا استطيع تبين شيء من اعضائي تحتها، ماهي الحركة التي ساجيدها ان نجوت، ماهو الاحساس الذي سيلازمني طوال عمري في هذه الحال، تساؤلات مفروكة بالالم المر صارت تدور في ما تبقى مني، من جسدي، واحاسيس موجعة ناقصة الحركة اضحت تردد ذاتها مثل الانين الذي صار يلازم اذني وقلبي.
كان الانين يتصاعد بينما احاول تحمل الام جسدي التي اقتربت من تفجير رأسي،أئن فتختلط في دماغي الافكار القديمة، بمناظر باهتة، وصور مشوهة، بآهات على صفحات ازمان قديمة،تعود ذاكرتي الى حقب لم اعاصرها، اوجاع رجل تحت التعذيب، محاربين مقطعي الاوصال من القرون الوسطى، نساء في محارق عملاقة، صور مركبة لأنات مضخمة ترتفع، تصعد وتصعد حتى تصل الى السماء،  توقفها يد ما عن التسامي، تبقى معلقة على مشاجب التيه السماوي، يسحق اصحابها، تضيع صرخاتهم في الفراغ، تقطع الرؤوس، تفصل الاطراف، تختلط الصرخات بالانات، تشق البطون، ولكنها في النهاية آلام متبخرة لا يكابدها سوى اصحابها، لاتخص احدا سوى اجسادهم المعذبة، افتح عيني من حلم يحاكي الرعب من حولي، افهم بأن دماغي يحاول ان يجد لي مادة توازن لارتباكي.
كنت كالمسخ في تلك الرواية الشهيرة  الحائر في جسده المكور، مرتعبا ومكتئبا وفاغرا غرابته امام لحظات لا يتذكر وقتها، كل ما يدور في ذهني من تلك الصور المشوشة، اكياس اكل منزلي، انتظار الباص في الكراج، عاصفة ترابية محمومة، ضحكات خالد ونكاته، جثة دون رأس، جيب خاكي وقطعة خبز، ماهي تراتبية كل هذه الاحداث ومتى كانت، لا اتذكر، ما يجول في دماغي انها كانت في يوم ما من عالمي الفارغ، في ساعة ضائعة من لوحتي المتشظية، مشاهد حلم، او فيلم غاب في تلافيف الايام الهاربة، رجال من حرب، وحرب من رجال، يتحركون مصبوبين في بزات خاكية واسلحة داكنة، الدبابات تقدم عرضا مرعبا، السماء تفور بقنابل دويها صاعق، تسقط فتتناثر الاشلاء مثل نافورة للاعضاء البشرية، موضع او جحر تحت الارض، جوع يدب بين الجنود لليال متتالية، عراك على كسرة خبز، قبضتي تهشم وجه احدهم، اخطف خبزة يابسة واضعها في فمي مثل حيوان مفجوع، يسحب خالد قطعة من فمي ويأكلها بسرعة، انظر الى وجهه الاصفر وهو يلوك الخبزة اليابسة، اجده كهوية مزيفة عنه، بملامح تشبهه، لكنها تفتقد تلك النظرة الانسانية الوادعة، تلوح في ذهني جملة لا اتذكر اين سمعتها او قرأتها «الم الاجساد يبدل طبائعها”.
كان خالد مستعدا اكثر مني للموت، عرفت ذلك حين جلس على الرابية اعلى الموضع، كان منتظرا قدره، وكان يريد التخلص من عبء هذا الحيوان الذي تحفز في داخله، من المخالب التي نمت على اصابعه، وبينما كنت انا مستعدا للقتل من اجل شربة ماء، دون الاحساس بالذنب، كان هو يكابد المفترس الذي لم يعتده في طباعه وهو يتعاظم امام انسانيته، «أن تكون ذئبا، خير لك من ان تكون جيفة فأر» قلت له وانا اطارد نظرته الزائغة في الفضاء، «انت متصالح مع الحيوان في داخلك منذ قرون، ولربما بعد حرب او اثنين، غارة او غارتين، موت او نهاية، سأكون مثلك”
امام خيالاتي التي تستطيل في الفراغ، كان ظل رجل احاول تبين ملامحه يستطيل امامي في البياض، كانت ملامح خالد على وجهه، وحاولت ان اتبين موضع الجرح الذي فصل رأسه فوق الموضع، لكنه كان يبتسم وينظر في ساعته ويكتب في الورقة ويتحدث معي، وضع يده على جسدي وقرب سماعة ما من نبضي، قال بأني نجوت باعجوبة من موت محقق، وان حياتي المتبقية في الجزء العلوي مني هي معجزة الهية، “الله يريدني ان احيا اذن دون ساقين، ان اعيش حيوانا  زاحفا، ليس كذئب، ولا حتى كفأر» تبسمت لهذا الخاطر الذي راود دماغي الشيطاني، بينما رحت ارتب ملامح الرجل التي بدأت تتكوم امامي من دون دائرة وجهه، فكرت لوهلة باني الان ناقص الخلقة، بأعضاء غير متكاملة العدد، كيف اذن سأعود للحياة، بعد الموت، بقدمين جديدتين، ام اني سأعود زاحفا كما انا الان، وهل سيرتبني الاله كما افعل بملامح هذا الوجه امامي ام لا؟
  أمن الممكن ان نكون في مكانين منفصلين وان نعيش حياتين مختلفتين ولو لوقت قصير؟
تخيلتني في قصة ما، تبعدني عما آلفه وأعرفه، حالة مرتبكة تفصلني عني ,اغادرني  وادخل حياة لا انتمي لها، باب صغير مثل افلام قصص الكارتون ،انت تصغر وتصغر، تدخل من الباب بكومة شاش وساقين مختفيتين , وجسد زاحف، قصة سأعيشها دون ان تكون قصتي اذن، تتحول الحدود، تتحرك الجهات، حكاية وحسب، ليست مأساة حياتية تنتظرني.
ـ “الدخول الى الحرب، هو الخروج من حياة والدخول في حياة اخرى» نظر خالد الى السماء، وقال وهو يتابع ذلك الشعاع المنطلق فوق رأسه، ولمحت نظرته الاخيرة، كانت نظرة ذئب حقيقي، زحفت نحوه، قلبت الجسد الذي فقد رأسه، وكان هنالك قطعة خبز في الجيوب الخاكية، وكان قلبي مثقلا  بوجع الخيانة والخذلان..

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009