الأزرق، الأزرق ، الأزرق
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2601
الكاتب: luay


 حرر في الأحد 29-08-2021 11:26 مساء

المستمع بقى ساكناً خلال الحديث دون تعابير وانفعالات. لم يف للصمت زخمه. كيف ؟ لقد حكم الصمت حياتنا طوال خمس وثلاثين عاما، لا ننطق الكلمات وهي على طرف اللسان. اكتشف فجأة أن كل شيء صاخب، صاخب حد الملل. الغضب فقد معناه الفلسفي في الصراخ. الحركات عنيفة وفضفاضة.
وسط التمرين صرخ:
-كفى!
وشدّ شعره باصابعه. لم يفسر سبب غضبه، بل اكتفى بالصمت وحمل معطفه وغادر القاعة تاركا ممثليه في صمت مربك. عكس ولعه السابق بالكلمات الكبيرة والإشارات المسرحية الواسعة، صار الصمت بعد الحدث شاغله الدائم. به يقيس قيمة الأشياء وحديث المتحدثين.

«فليسقط الكلام»! قالها لنفسه كأنه يخطب في جمع. وفي الحقيقة قالها لنفسه وهو يسفهها. لم يكن جاداً في أحاديثه ولم تكن الكلمات تعني ما فكر فيه. كأنه يمثل على مسرح. يقف على طوله حين يقاطع المتحدثين ويصرخ:
-مستحيل!
فيسحب السين والياء على امتدادهما. حين يصمتون يدرك مباشرة أن ليس لديه اعتراضاً جدياً. يريد فقط أن يفرض هيبة الكلمات.
بين الكل يعترض الروائي وحده:
-لا ترفع صوتك، نحن نسمعك!
يقولها عمداً وبصوت خفيض ليريه عري صوته.

«فليسقط الكلام»! كل الكلام، مهما ارتفع أو انخفض، لا يضاهي لحظة،لحظة واحدة من ذلك الصمت الذي حل بعد أن ألقى الصبي قنبلته المغشوشة. كم من الحقائق الكبيرة قالتها لحظات الصمت تلك. ازدحم راسه بأشياء ووقائع مبتورة ولا توافيه الكلمات. لم ير وجه الصبي وهو يدخل. حين التفت إلى الخلف كان الصبي قد غادر مع ان صوته مازال يتردد في القاعة. حين قالها نديم « إنها بين قدمي» كان ينظر إلى كفيه وقد تقاربتا على الطاولة. هل ارتجفنا؟ دمه كان يصطخب. والصمت حوله بكثافة الاسمنت. أول ما رآه حين رفع راسه وجه وليد وقد التصق بالحائط الأزرق.

انقطعت الصور فجأة حين وصل باب العمارة. على الباب الرمادي شطب أحدهم خطأً حادا. لم؟ نفس السؤال ولا ينطقه.  صعد إلى شقته في الطابق الثالث في زقاق فرعي مرشوش بالماء، صعد مختنقًا بضجة الشارع. في الدرج شم رائحة الرز والبصل المقلي: «إذن هي هنا». حين فتح الباب وجدها كما توقع، جالسه قرب السرير والكتاب بين يديها. مهيأة لخيانة عطيل وقد تأهب شعر صدرها للعناق و...
لا اعتراض لديه، لكنه أراد أن يتم كل شئ بصمت.
-بلا كلمات!
قال لها وتركها تنزع عنه ملابسه. صدرها كان ينبض بقوه وهي تنزع عنه حذائه وجواربه. بجسدها أرادت أن تهدئ روحه حين غادر المسرح غاضباً.
لم يكن لديها ما تقوله في المسرح حين صاح عطيل :
-المندييييل!؟
لم تفعلها، لكنها سكتت. الخيانة لم تتحقق، لكنها كامنة فيها.
بعد جولتين على السرير نام وكفه مفروشة على عش اللذة ثم استيقظ بعد نومة عميقة فوجدها انسلت مثل حيّة تاركة طبعة من جسدها على السرير.
-المندييييل؟!
رنت صرخة عطيل في ذهنه،فنفاها وهو صامت(إخرسسس) ما معنى ذلك؟ ما قيمة الغيرة في بلد يمشي على الحافة بين انفجارين. عاوده الصمت وهو يسمع صوت السيارات في الشارع البعيد. « الصمت سيكون موضوعي، لذلك قرر أن يعمل مسرحية عن الصمت.
-مسرحية دونما حوار.
قال لوليد.
-...؟
-من أولها إلى آخرها دونما حوار...مشهد واحد من الهلع بانتظار الانفجار الذي لن يحدث. تكات الساعة هي الصوت الوحيد. تك ،تك، تك،تك...يتابع تكات الساعة فتتصاعد ضرباتها دون أن يحدث الذي سيحدث...أريد أن أعطي للصمت فرصة كاملة كي يتحدث. لن يكون هناك متحدث ومتلقي، الكل يتحدث في الصمت.
-هل لك أن تخفف حدة صوتك لأسمعك؟
يمسك الروائي رأسه باصابعه العشرة:
-هذا الصندوق الخاوي يرن ولا يسمع أو ينتج كلمات!
-منذ الحادث أدركت أن الكلمات تخفي أكثر مما تفصح. سابقا كنت أحب الكلام.. كلامي مع الآخرين وحتى مع نفسي كان يعطيني شرارات أكثر مما تعطيني الكتب. بالكلام أعرف ما أردت أن أقوله. لكن قدسية الكلام سقطت منذ الحادث وصرت أقدس الصمت حتى وإن غابت عني معانيه.

الكلمات الجهورية الرنانة لممثل المسرح صارت تضايقه فيأمر نفسه كلما صعدت نحو صدره:صمت! بدأ يمرن نفسه على هذا الصمت الذي يدوي في داخله.
يمشي على خط متعرج بين زحمة الناس في سوق الكرّادة وأزقتها الخلفية. في كل منعطف يوشك أن يتوقف مع إحساسه بغفلة الناس عن انفجار محتمل. ستنفجر سيارة الهونداي الوقفه أمام باعة المخضرات، سيضغط سائقها الذي يتلفت و إصبعه على زر التفجير، أو سيارة الحمل المغلقة هذه وسط زحمة المتبضعين وربما هذه السيارة التي اسمع شحطة عادمها  وقد توقفت خلفي... احتمال الانفجار في أية لحظة يذكره بلا جدوى الحياة وعاداتها. يدوخ وهو يرى ما يلي الانفجار، الاشياء ممزقة ومبعثرة ، تصرخ وهي ساكنة. من هنا تبدأ المسرحية.
حدث الانفجار. بعده مباشرة تبدأ المسرحية. ينهض القتلى وقد تمزقوا وتغطو بتراب البارود.. كل واحد منهم يعيد تمثيل حياته في اللحظات التي سبقت الانفجار. يعيد الموظف راسه المقطوع وينفض التراب عن ملابسه، يبحث عن تلفونه النقال وهو يرن بين الركام:
-أنا في الطريق. لا ، لن أنسى: خيار ولبن!
ثم يواصل السير كان شيئاً لم يحدث.
بائع الخضار يلمُّ برتقالاته من بين الجثث ويصرخ فورا:
-برتقال ديالى، مي وشكر.
كل ما يحصل يبدو واقعيا وواهماً وسط دخان الانفجار.
كل عبث الحياة اليومية يكشفها الانفجار. عابر يمرّ قرب الجثة يأخذ تلفون القتيل و يدسه في جيبه. يبقى التلفون يرن فيخرجه ليرد على الجانب الثاني:
-لن يرد، مشغول.
أريد أن يضحك الجمهور ثم يصفن ذاهلاً. هذه فعلا حياتنا!
يمشي بخطوات بطيئة كأنه يدوس الهواء وهو صامت. يرى حزمة من المتظاهرين الشباب يسيرون باتجاه ساحة التحرير براياتهم وهتافهم :
-بالروح، بالدم، نفديك يا عراق!
يواصل سيره محتفظاً بمسافة خطوات عن المتظاهرين. هل ينصحهم بالصمت؟ أجدى. السلطة تترك الكلام على عواهنه ليحل محل الأفعال. ما يخيفها هو الصمت، وبالأحرى الغموض الكامن فيه. ماذا يختزن، و كيف سينفجر؟

جلس في المقهى في الوقت الرخي قبل قدوم الرواد، ومن وراء الزجاج راقب حركات الناس و إشاراتهم دون أن  يسمع أصواتهم. يجد في الصمت لغة ثرية عما لا يمكن الإفصاح عنه. وبصمته كان يكتب النص ويخرجه:المسرح بنقاطه، ورموزه، وبياضه وسواده…يبدأ ابطال المسرحية بهذيان متقطع، ومتسارع، كل واحد يريد أن يقول قولاً لم يقله ويكشف سرا لا يعرفه أحد.. آنذاك يدخل الصبي من باب القاعة الخلفي و يدحرج القنبلة نحو المساحة الفارغة بين المسرح والمتفرجين. تترك القنبلة في مسارها خطأً احمر يكسر زرقة المسرح وحاجز الوهم: صمت صمت صمت. صمتي أنا، صمت الممثلين على المسرح وصمت الجمهور في القاعة. توقف دقائق عند هذا الصمت في القاعة، ثم ماذا؟ بعد الحادث والصمت الذي تلاه بدا له أن أوضح الأسباب، وهو الحادث، ليس أقواها، وإنما التجريد الكامن في ذلك الصمت الذي تبع سقوط القنبلة.
تصاعدت دقات الساعة في المسرح بتواتر ترقباً ل...»بلا شئ، فليبق الصمت وحده».
حين دخل وليد وأراد أن يسلم وضع ابراهيم إصبعه على شفتيه:
-إشششش!...أنا أستمع للصمت.
مالذي يلي هذا الصمت المتوتر؟لا بد بعد الانتظار أن تأتي المفاجأة؟
يبقى المشاهدون في أماكنهم بعد أن ينتهي العرض كجملة مبتورة.
-ما معنى هذا؟
لن يجيبه احد» هذا هو المعنى»!

من رواية تصدر قريباً

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009