أرنست هاينِغَر: «صباح الخير، أيها العالم»
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2604
الكاتب: luay


 حرر في الأحد 29-08-2021 11:29 مساء

لا تتوفر سوى آثارٍ قليلة من طفولة هاينِغَر الذي ولد في الرابع من أغسطس من العام 1909 في “أنغفانغ” بكانتون “تورغاو”. تُظهر صورةٌ في كتابٍ صدر بمناسبة المعرضرابط خارجي، عائلته المزارعة بعد وقتٍ قصير من انتقالها إلى “أوردورف” في منخفض “ليمات” في زيورخ. لا أحد في هذه الصورة يعطي انطباعًا بأنه سعيدٌ جدًّا.
لم يقتنِ هاينغر حذاءً إلا عندما بلغ العاشرة، قبل ذلك كان يسير حافيًا. وعلى الرغم من مرضه الرئوي كان والده يشغّله في حظيرة الخيول لساعاتٍ طويلة. عندما أعرب أمام والده عن أمنيته بأن يكون فنانًا، تلقى جوابًا على ذلك عقوبةً بالضرب على مؤخرته. وليس مما يثير الاستغراب بأن أرنست الشاب قد بنى علاقةً عميقةً مع الخيول سترافقه طوال حياته القادمة.
في السادسة عشرة من عمره غادر القرية إلى زيورخ المدينة وأصبحت طفولته التعيسة بمثابة محركٍ دائم ليتركَ ما يعانيه في بيت الأهل من ضيق، وما يرتبط بذلك من عوائق. في المدينة بدأ دراسة مهنية كمنقّح صور، لكنه ترك الدراسة قبل إتمامها. إلى جانب ذلك كان يدرس في الصفوف المسائية لمعهد الفنون التطبيقية في زيورخ بغرض الحصول على تعليمٍ متقدم. لكن سرعان ما أصبح من المؤلم له أن يستمر في تنقيح ما يلتقطه الآخرون من صور سيئة وإجراء “الرتوش” عليها، ورأى أنه من الأفضل أن يقوم بالتقاط الصور بنفسه، وهكذا أصبح مصوِّرًا فوتوغرافيا.
بلا ريب كانت هنالك أسبابٌ مالية وراء توجه المنقِّح نحو التصوير الفوتوغرافي، فمجال التصوير كان جديدًا والصناعة الإعلانية كانت ناشئة معه للتو. في الوقت ذاته، كان التصوير الفوتوغرافي يُثير انبهاره كمسألة تقنية. وبذلك، كان لدى هذا “العصامي” الذي يُعلّم نفسه بنفسه، التحدي الذي كان يبحث عنه. وما كان للجمع بين هذين الاهتمامين إلّا أن يحفّز هاينِغر دائمًا من جديد. كمصور فوتوغرافي ومصمم، كان مهتمًّا فوق ذلك بجماليات الواقعية الجديدة وجماليات الطليعة العالمية في عصره، وهكذا، سرعان ما أصبح أحد رواد التصوير الفوتوغرافي الجديد في سويسرا.
من المرجح جدًّا بأن المعرض الروسي الذي أقيم في متحف زيورخ للفنون الزخرفية في العام 1929 كان مصدر إلهامِ مهمٍّ لـِهاينِغَر. كانت أعمال “ألـ-ليسيتسكي” الزخرفية ومصوّرات “الكسندر رودشنكو” الفوتوغرافية هي ما دفعه بداية الثلاثينيات إلى القيام برحلة دراسية إلى الاتحاد السوفياتي التقى خلالها أيَضًا بالمخرج المثير لإعجابه “سيرغي أم آيزِنشتاين”. بعد عودته بفترة وجيزة، أسّس في العام 1934 مع شريك له في زيورخ ورشة للتصوير والفنون الزخرفية وأدارها بنجاح لسنوات تلت.
في هذا الوقت أيضًا (1936) صدر له أولُ كتابٍ مصوَّر وفيه مقالةٌ وصورٌ عن خيول بوستا. ثم تبع ذلك كتبٌ أخرى: “معرض البلاد” (1939) و”تسين” (1941) و”ذوات الآلاف الأربعة” (1942). في الأربعينيات حصل أيضًا على طلباتٍ أولى لإنجاز أفلامٍ وثائقية ودعائية.
في العام 1952، أصبح هاينِغَر واحدًا من الأشخاص الرئيسيين المسؤولين عن المعرض العالمي للتصوير الفوتوغرافي الذي أقيم في لوتسيرن، فقد صمم ملصق المعرض وأخذ على عاتقه مسؤولية قسم العرض، إضافة إلى كونه كان مُشاركًا ببعض الصور، واغتنم المناسبة لنشر مجلّده الخاص، حيث انتقى لذلك اثنين وخمسين صورة من أحسن صوره وجمعها تحت عنوانٍ غيرِ متواضعٍ تمامًا: “روائع التصوير الفوتوغرافي”.
هذه الطريقة غير السويسرية في تسويق الذات أظهرت تأثيرًا لدى طرفٍ اعتاد عليها في بلاده: والت ديزني. بناءً على دعوة منه، التقى هاينغر مع ديزني في فندق بالاس في لوتسيرن ونتج عن هذا اللقاء فورًا توظيفه كمصور لأحد مشاريع ديزني القادمة. حدثٌ لم أجد له سبيلًا إلا عبر كلمات قليلة في ملاحظاته عن سيرته الذاتية: “لوتسيرن- فندق بالاس- لقاءٌ مع والت ديزني”.
خلال مشروعه السينمائي الأول لديزني في سويسرا تعاون هاينغر مع “جين فيستر”، المُساعدة القادمة من الولايات المتحدة، فتصادق الاثنان وسرعان ما تزوجا. طلبٌ آخر قاد الزوجين إلى اليابان التي قطعا إليها مسافة خمسين ألف كيلومتر بسيارة “شيفروليه” مستعملة، فبقيا هناك ما يقارب عامين.
بين عامي 1953 و1958 عمل في عدة مشاريع سينمائية لشركة ديزني. وفاز فيلماه “فتيات آما” (Ama  Girls) و “الأخدود العظيم” (Grand Canyon) بجائزة أوسكار، الأول في العام 1957 كأحسن فيلم وثائقي، والثاني في العام 1958 كأحسن فيلم قصير.
مبكّرًا، بدأ هاينغر المهتم بالتقنيات يعمل على تطوير نظام “سيركاراما” الذي أطلقته شركة ديزني. ذلك أن إمكانية قيام مسرح سينمائي دائري وعرض بـ 360 درجة كانا يبهرانه. بفضل هذه التقنية، أعدّ فيلمًا لفائدة الشركة الفدرالية للسكك الحديدية (SBB) بعنوان: “حول السكك الحديدية والعجلات”، في سياق مشاركتها في المعرض الوطني السويسري “إكسبو 64” في لوزان. وبالفعل، كان نجاحًا كبيرًا ووصفته الشركة بــ “أكثر أفلام سويسرا مشاهدةً”، حيث شاهده، وفقًا لها، حوالي أربعة ملايين زائر.
استمرار تطوير تقنية العرض بـ 360 درجة ظل يشغل هاينغر حتى نهاية الثمانينيات. لكنّ أفكاره للتحسينات التقنية في نظامه “سويس-أوراما” اصطدم في أوروبا بتشكيك ملحوظ. في العام 1986، باع “سويس-أوراما” في الولايات المتحدة، حيث جرى هناك تسويق النظام من جديد تحت اسم “تصوير 360”.
فيلمه الأخير، “الوجهة برلين”، كان ينبغي أن يُعرض في دار سينما دائرية بنيت في شارع “كورفُرْستَن-دام” خصيصًا لهذا الغرض، ولتكون معلمًا سياحيًّا جاذبًا، لكن التاريخ تجاوز المشروع، فمع إعادة توحيد المدينة الألمانية صار ينقص الفيلم فجأةً نصفها الآخر وغاب عنه الزوار.

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009