رسائل فنسنت فان خوخ
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2615
الكاتب: luay


 حرر في الأربعاء 24-11-2021 05:57 مساء

فلعل ذلك يجعل وضعي أفضل، فلنضع هذا الإحتمال ايضاً نصب أعيننا، ربما تكون هذه الفكرة جيدة، رغم عدم إيماني بالكثير من التفاصيل التي تتعلق بالعسكرية، وكما كتبتُ لأختنا قبل فترة قصيرة أخبرها بأني كنت طوال حياتي أبحث عن نداء خاص بداخلي يدفعني للمضي الى أمام مع الرسم، وقلت لها موضحاً بأني لا أومن ولا أريد لنفسي أن أكون شهيداً يقتل بكل بساطة، لأن ليس بقدرتي لعب هذا الدور، كذلك لشعوري أيضاً بأني قد خُلقتُ لشيء آخر غير ذلك. هذا لا يعني بأني لا أحترم الشهداء أو أعجب بهم، لكن أُنظر لمن يضحون بأنفسهم في (بوفار وجوشيه)*! فهل خُلقنا لهذه المهمة فقط؟ نحن موجودون لأجل غرض آخر يا أخي. عموماً أنا منشغل الآن بحزم حقيبتي، وربما سيصحبني السيد سال الى سانت ريمي، إن كان بإستطاعته فعل ذلك طبعاً.
من ناحية أخرى، أرى أن ما قلته عن ديلاكروا وبوفي هو حقيقة واضحة. لأنهم جعلونا نعرف فعلاً ما هي الخطوات الحقيقية التي يمكن للرسم أن يمضي من خلالها الى الأمام. لكن مع ذلك دعنا لا نخلط الأمور وننظر لمسألة الرسم من جميع جوانبها. فأنا كرسام مثلاً ليست لي أهمية تذكر ولم أحقق أي نجاح كرسام، أشعر بذلك من نظرات الآخرين للوحاتي، لكن لو إفترضنا جدلاً بأن بيئتي ونشأتي وحتى شخصيتي  كانت مختلفة، ألا يغيِّر ذلك من مكانتي وأهميتي كرسام؟ هل ترَ كم نحن إيجابيون لدرجة نلوم أنفسنا على الفشل ونتناسى كونَ السبب الحقيقي لذلك هي الظروف القاسية التي تنهشنا؟ هل تعرف بأني أندم أحياناً لأني تخليتُ عن الباليت الهولندي وأنا أرسم لوحاتي. نعم أندمُ لأني تركتُ التدرجات الرماديات وتناغماتها الشاحبة مع البني، أو أن أرسم دون فرشاة، هكذا أمسك القلم المصنوع من القصب وأغمسه بالحبر وأُحَلِّقَ مع التخطيطات، مثلما فعلتُ السنة الماضية برسم مشاهد من مونمارتر، أشعر بمتعة كبيرة مع هذه الرسومات التي لا تكلفني الكثير. رسمتُ اليوم واحداً من هذه التخطيطات، وكان معتماً مقارنة بوقت الربيع الذي نحن فيه، المهم في الأمر ان هذا يمنحني متعة، وربما سيكون شيئاً نافعاً يعود بمردود مادي ذات يوم. عموماً، لا أعتقد بأن ضيق اليد سيؤثر علينا أكثر مما فعله في الايام الماضية، وها قد وصلنا الى يومنا هذا بعد جهد ومعاناة، وأنت كنت قد  بدأت العمل قبلي في شركة غوبيل*، فمن سيعوضك عن تلك الأيام الشاقة التي قضيتها هناك، رغم أنك عملت بأمانة وحماس، وكان ذلك بسبب والدنا الذي كان يستجيب لضغوطات العائلة والأعمام، وفي النهاية كنتَ أنت المضحي تحت وطأة تلك الظروف. لقد إسترجعتُ في ساعات مرضي كل تلك الأيام. لكن رغم كل ما مَرَّ بنا بقينا متحدين معاً، ولم يؤثر أي شيء على علاقتنا.
لديَّ طموح أن أعود لعملي بشكل جديد، أعود للرسم حتى وأنا في المصحة ، لا أود العيش في باريس لأن حياتي ستكون مصطنعة، فهناك نوع من البرية في داخلي تجعلني أمضي وأنسجم مع الطبيعة أكثر. تعاستي أحياناً حين أفكر بأن جسدي يعمل بشكل جيد، لكن طاقتي الذهنية لا تستجيب لما يريده الجسد في كثير من الأحيان. سأكون بحاجة كبيرة للقاء بيير بانغلوس، فهو يمنحني محبة كبيرة، وبالنسبة للكحول والتبغ فهما موجودان سواء كان ذلك جيداً أو سيئاً، لكنهما في كثير من الأحيان ضروريان لمن يعمل في الرسم. وبكل الأحوال، علينا أن لا نتخلى عن الدعابة. فأنا لا أريد من الخصال الطيبة ودماثة الخلق أن يأخذاني الى مناطق لا أستطيع الأعلان فيها عن أهوائي، لا أريد أن يكون شغفي قليل، بينما رجاحة عقلي كبيرة. لا أتكلم عن الشغف العابر والبسيط، والأمر يتعلق أيضاً بطريقة العيش والتعامل مع الآخرين. وبهذه المناسبة كيف هي أحوال العم تانغي*؟ أرجو أن تبلغه سلامي ومحبتي. 
قرأتُ في الصحف عن أشياء رائعة وجميلة في الصالون*، نصيحتي لك هي أن لا تقف في مساحة الانطباعية فقط، ولا تتردد بالحصول على أية لوحة تراها جميلة. أعرف أن الانطباعيين يعرفون اللون جيداً وهذا هو ما يساعدهم أحياناً حتى حين ينتجون أعمالاً أقل قيمة، لكني بكل الأحوال أرى أن ديلاكروا أكثر إكتمالاً وجمالاً منهم، أما ميليه، فياإلهي كم هو مذهل، رغم أن ألوانه قليلة، ياله من رسام عظيم. لست نادماً كوني لا أعرف الكثير عن نظريات الألوان بشكلها التقليدي، لكننا نحن الفنانون مثل القلادة التي تكتمل بمجموعة من الخرز الملون، وسواء توصلت لشيء أم لا، فغايتي أن أكون جزءً من هذه القلادة. لقد قرأت إنطباعاً جيداً حول لوحة في الصالون عبارة عن غرفة خضراء وإمرأة بذات اللون أيضاً، كذلك يثنون على بورتريت لماتي وعمل لبينار رسم فيه حورية البحر، كذلك هناك إعجاباً كبيراً برسام يدعى زورن، لكنهم لم يكتبوا تفاصيل عن أعماله، ويقولون أن لوحة كارلوس دوران (إنتصار باخوس) ليست جيدة بما فيه الكفاية، علماً أن لوحته (السيدة صاحبة القفاز) في معرض لكسمبرغ كانت مذهلة. وله لوحات أخرى أحببتها، أعرف أنه حين يعكس رؤيته بشكل واضح وحقيقي فسيقدم عندها أعمالاً رائعة. هل تعرف، جميل أن نرسم الناس كما يرسم مونيه الطبيعة، وبما أن مونيه هو مركز الانطباعيين، لذا أرى أن ديلاكروا وميليه وبضعة فنانين آخرين قد أنجزوا أعمالاً أجمل من أعمال الانطباعيين بشكل عام. لقد تجاوزنا الآن عمر الشباب، فلنفكر برجاحة اذن، وان ما أحببناه وانتمينا له في سنوات ماضية مثل اعمال ديلاكروا وميليه وبريتون وإزرائيل وويسلر وليز، هو ما يمكن أن يدفعنا ايضاً للمستقبل، فأنا لا أثق بسيرنا فقط مع الانطباعيين كي نرى مستقبل الرسم… ليس لي ثقة بذلك… ولا رغبة ايضاً. لكن من ناحية أخرى نحن كفنانين لا يمكننا أن نضع الناس دائماً في القوالب التي نريدها ونفرض عليهم خياراتنا، لكن الظروف مع الأسف هي التي تجعلنا نتلائم مع ما يريده العامة من الناس، وها أنا أخرج من هذه المصحة لأهيء نفسي للذهاب الى مصحة أخرى في سانت ريمي، رغم شعوري بأن الناس هناك سيرفضونني، لأنهم لا يعرفون طباعي، فالناس هنا في آرل يعرفون على أقل تقدير من أنا وعلى دراية بالأحداث التي حصلت لي، رغم مبالغتهم بوصفها. أشعر بأني أفضل من السابق جسدياً لذا فلنفكر لاحقاً بإحتمال ذهابي للعسكرية.
والآن، قبل ذهابي الى سانت ريمي، أصافحك بحرارة، ولا تنسـي سلامي لزوجتك العزيزة.
أخوك المخلص فنسنت.
آآه… إسمع، حين أخبرتك بأن علينا أن نقدر الأعمال الجيدة عند غير الانطباعيين، لم يكن قصدي أن (أحثك) على المبالغة بالاعجاب بأعمال الصالون، لكن فقط لأجل الإنتباه لبعض الرسامين مثل جوردان الذي توفى هذه الأيام في أفينيون، كذلك الرسامين أمثال أنتينيا وفيين بيران، هؤلاء الذين أعجبنا بأعمالهم حين كنا أصغر عمراً، لماذا لا نمنحهم الآن ذات التقدير الذي نمنحه للاخرين؟ أليس دوبيني وكوست وجيانين ملونين رائعين؟ وفي ذات الوقت أليست هناك هَنّات كثيرة في الحلول والتناغمات الانطباعية؟ سنبقى نحب الانطباعية دون شك، لكني أحاول أيضاً العودة لرؤيتي للرسم قبل مجيئي لباريس.
ها أنت قد تزوجت الآن، لذا ربما من الافضل أن لا نشغل أنفسنا بالتفاصيل الكبيرة، ولنركز على التفاصيل والافكار الصغيرة، فهذا سيكون مريحاً أكثر. عندي في الغرفة الآن بورتريت الرجل الذي تتذكره (الحفر على الخشب)، وبورتريت إمرأة صينية وعود العشب، اللتان رسمهما مونورو (طبعتان من مجموعة بينغ) والأم المنتحبة لمايكل أنجلو، كذلك لوحة السامري الطيب لديلاكروا، وقاريء مسيونيه، وأيضاً تخطيطان بقلم القصب والحبر. أقرأ في هذه الساعات كتاب بلزاك (طبيب المعسكر) وهو مدهش، وواحدة من شخصياته إمرأة لا يمكن القول بأنها مجنونة، لكن لديها حساسية عالية، وهي شخصية روائية ساحرة. سأرسل لك الكتاب عند انتهائي من قراءته. أخبرك ايضاً بأن ويل كتبت لي رسالة لطيفة، وهي تمضي مع حياتها بهدوء وإتزان.
هل تعرف هنا في المستشفى لديهم مساحة واسعة لا يشغلها شيء، وهي تكفي لبناء ثلاثين مرسماً تقريباً. لا أعرف لمَ يصاب الكثير من الفنانين بالجنون! ربما هذا بسبب طبيعة الهموم والمشاكل التي تحيطهم، بالنسبة لي حتى وأن إنغمرتُ بالرسم، وبدا ذلك جيداً لي، سيظل شبح الجنون يطاردني. وربما لو قُدِّرَ لي الالتحاق بالجيش لخمس سنوات، فلعلي سأتعافى تماماً وأستطيع التحكم بنفسي أكثر، والآن ربما لا يهم ذلك كثيراً ، وسأمضي مع الخيارات التي تحت يدي. أتمنى حقاً أن تكون بين مجموعة اللوحات التي أرسلتها لك، واحدة تمنحك سعادة ورضا. وأنا لو قيضَ لي الاستمرار مع الرسم فسأرى باريس عاجلاً أم آجلاً من جديد، وسأهيء نفسي لإتمام عدة لوحات قديمة وغير مكتملة. أردتُ أن أسألك ايضاً عن غوغان، ماذا يفعل الآن؟ مازلتُ أتفادى الكتابة إليه، حتى يتحسن وضعي. لكني لا أتوقف عن التفكير فيه، وأرجو ان يكون بخير. وسينياك. هل عاد الى باريس؟. لو لم يحدث ما حدث واحتفظت بالمرسم، لكنتُ قد أنهيت اللوحات التي أرسلتها لك بشكل آخر، نعم بما أني أرسم بكثافة لونية على شكل عجائن، لذا فاللوحات تحتاج الى وقت طويل للجفاف كي أعود من جديد وأكمل بعض التفاصيل. أطلب منك أن تنظر الى تعبير المرأتين، ألا تتفق معي ان هذا التعبير يختلف عن التعبير الذي تراه في باريس؟

إضافات المترجم:
* بوفار وجوشيه : رواية للكاتب الفرنسي بلزاك، تدور حول صديقين يقرران العيش في بيت وسط الفلاحين، ويتعرضان للكثير من المشاكل بسبب أفكارهما وتطلعاتهما التي بدت غريبة للآخرين.
* شركة غوبيل : وهي الشركة التي كان العم سنت (عم فنسنت فان خوخ) يملك جزء كبير منها، وهو الذي جلب في وقت سابق فنسنت وتَيّو للعمل فيها. والشركة متخصصة بتجارة اللوحات الفنية ومواد الرسم.
* العم تانغي : وهو بيير تانغي صاحب متجر بيع الألوان في باريس، والذي ساعد فنسنت كثيراً، وقد رسم له فنسنت واحداً من أعظم البورتريهات التي رسمها في حياته.
الصالون: هو صالون الخريف الذي يقام سنوياً في باريس، وتعرض فيه لوحات أهم الفنانين في فرنسا في ذلك الوقت.

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009