قضيبٌ مجنون هنري ميلر
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2618
الكاتب: luay


 حرر في الأربعاء 24-11-2021 06:02 مساء

مرّ الوقت لكنه لم يتحرّك قيد أنملة. صدرهُ فارغ، وأطرافه مصفوفة كما لو أنه نفّذ الايماءة الأخيرة، غط في نوم سرمديّ عميق. هل كان الأمر على هذا النحو، إذن، في النهاية، عندما ارتدّت العيون المحدقة الزجاجية وكل أصوات الأرض؟ امتدّت ظلال الليل وتناثرت على الحائط في حزنٍ خياليّ. ثبَّت عليها عينيه الكبيرتين الحزينتين، ارتجفت وشرعت كل الغرفة ترقص بخفّة. عبارات مألوفة دفقَت من بين شفتيه - الاسم الجيد أفضل من المرهم الثمين، ويوم موت الإنسان أفضل من يوم ميلاده. . . . لا يعلم الموتى شيئا ولا اجر يكافَؤون به بعد اليوم. ذكراهم منسية. فكر في بوب إنجرسول واقفاً عند قبر نابليون وسيل من الكلمات على شفتيه؛ فكر في كل الكفار الذين ارتدوا على فراش الموت وسمع صوتًا في أذنيه يقول: كيف يموت الحكيم؟ كالأحمق”.
قفزت العبارات من دماغه في سحابة مرتبكة، كما لو أن كل صباحات أيام الأحد التي قضاها في الكنيسة قد اتّحدت في حلم متشابك، لم يبق منه سوى صوت مشيخي عالٍ ينبعث من فضيلةٍ قديمة. ملأت رائحة ماء الكولونيا منخريه وشعر مرة أخرى بشارب سلكي مضغوط على شفتيه. همس له صوت معسول ومحبوب، لكنه لم ينظر، لأن منظر حلق الرجل العجوز كان مثل قبر مفتوح. وقف أمام النافذة المفتوحة وعرّض نفسه للانفجارات الرّاجفة. كان الوقت شتاءً وكان كل شيء ميتًا. نوم عميق لا ألمَ فيه. في الفناء انتصَبت شجرة هزيلة عارية. ظنّ أن الأمر سيكون مضحكًا لو رأت هيلدريد صباحًا وهي تتجه صوب النافذة، جسده المتجمد مثبتًا مثل لعنة تواجه السماء. لكن، صباحًا، ماذا سيعني لهم كيف وجدوه، وأين؟ بحلول الصباح، كان قد انضم إلى كل الصباحات السابقة. دخل فراشه وشد الأغطية فوقه.
انتشر خدر في أطرافه. بدأ يتوهج، يحترق. هل خصصت له دقائق أم ثوان فقط؟ على الأقل يجب عليه أن يترك رسالة — فالمرء يترك رسالة دائمًا في النهاية. قفز من السرير مرة أخرى وبحث بجهد عن قلم وورقة. تسابقت الكلمات كما لو كانت مدفوعة بكرباج، ملطّخةً السطح الأبيض الناعم في خط متواصل وغير منتظم. عندما انتهى، مر فوقه نفس رطب بارد بمذاق القبر. سقط قلم الرصاص من يده، وعندما سقطت الأغطية الثقيلة على عينيه، وسرح في زمن آخر، في عالم لا نهاية له، فراغ متجمد خَنخن مع النغمات العذبة لقيثارة حديدية. فوق حافة الفراغ المتجمدة ارتفعت كرة نارية أمطرت أنهارًا من  اللون القرمزيّ.
لقد عرف الآن أنّه آن أوان النهاية، وأنه لم يكن هناك تراجع من دائرة العذاب المشتعلة هذه. كان على ركبتيه، ورأسه مدفون في النفاية السوداء. وفجأة أمسكته يد من مؤخرة عنقه وألقته إلى الوراء في الوحل. كانت ذراعاه مكبّلتين. فوقه عجوز عارية، تحفر ركبتيها العظميين في صدره. قبلته بشفتيها المتسختين وأنفاسها ساخنة كأنفاس عروس. شعر أن ذراعيها العظميتين تتقلصان حوله، وتدفعه إلى خصرها. خصرها يكبر وينعم، وبطنها أبيض ممتلئ؛ استلقت عليه مثل زهرة ثقيلة، بتلتا فمها افترقتا على نحو داعر. فجأة، في قبضتها التي تشبه المخلب، لمع نصل؛ نزل النصل وسيل الدم على رقبته وفي عينيه. شعر بطبلتيه تنفجران والفيضان يتدفق من فمه. خفضت رأسها وفركت شفتيها المتقشرتين على خديه.
رفعت وجهها المضرَّج بالدّم، ومرة ​​أخرى هوى النصل، وانزلق على طول جانب وجهه، وسقط في حلقه وفتح المريء. بسرعة وبدقة قطعت فصوص أذنيه. كانت السماء نهرًا عظيمًا من اللون القرمزيّ يتماوج بالبجع والحيتان الفضية. ملأ صوت أجوف ساخر الفراغ وطار البجع الذي اهتزت أعناقه الطويلة مثل الأوتار المشدودة. . . . سُمِعَ دوي وفُتح الباب. سمع اسمه. استدار وتنهد بعمق. ألقت هيلدريد بنفسها على السرير. “توني، ماذا فعلت؟” أخذته بين ذراعيها وهزته إلى الأمام والخلف. كان الأمر أشبه بنهر يغرق في البحر. لقد عادتا من جديد، كما كان الحال على الدوام، كما سيكون الحال على الدوام. لا شيء يمكن أن يفرّق بينهما مرة أخرى. ثم سُمعت طرقة شديدة على الباب. ارتجفت هيلدريد، وارتعشت في قبضته. “لا تتحركي!” همس إليها وطوّقها بذراعيه. مرة أخرى صوت طرقٍ على الباب، بصوت أعلى هذه المرة، حتميّ ومهدّد. تدخل فانيا. . . على طريقة موجيسكا. تستعرض المشهد بلمحة استيعاب رائعة. تقف بجانب السرير وتنظر إلى الشخصية المستلقية وكأنها أيقونة لسيّدنا عمانوئيل.
تتحدث إلى هيلدريد بصوت منخفض وحميم، وأثناء حديثها ترفع عينيها ببطء عن السرير وتركزهما على شيء غير مرئي بعيدًا، ما وراء الجدران.
تنحني هيلدريد عليه باهتمام شديد. تقول “فانيا تريد أن تعرف ما إذا كان يمكنها أن تفعل شيئًا لأجلك”. يشدّها قريبا إليه. يقول هامسًا: “قولي لها أن ترحل”. تشد هيلدريد نفسها إلى الخلف وتنظر إلى فانيا بِحَيرَة. تقول: “ يريد أن يرتاح”. “هذا هو يا توني، استلق واسترح. سنتركك لبعض الوقت. سنعود قريبا”. كانت فانيا قد خرجت. نزلت عن الدرج. “ستعودين وحدك؟” قال. أجابت هيلدريد: “نعم ، سأعود لوحدي”. “إذن، خذي هذا” قال وهو يحشو الصفحات المجعدة في يدها.

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009