الفوتوغرافية الفلسطينية فدوى روحانا تحول الواقع الى سحنة (سطح مشغول بقصدية)
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2620
الكاتب: luay


 حرر في الأربعاء 24-11-2021 06:04 مساء

وتلك معرفة مختلفة عن أنماط المعرفة الأخرى، انها نمط من (العاطفة) المختلفة عن المعرفة التي تستحصل من السرديات اللغوية، او من المنطقيات، او المعادلات الرياضية، او غيرها، لذلك تبدو لي تجربتها الفوتوغرافية وكأنها ناتج عقلية تفهم الفوتوغراف كونه طريقة في تحويل تجاربنا الحياتية الى طريقة في رؤية العالم بشكل مختلف، بل كأنها لا تكتفي بهذا التحويل للواقع انما تطمح الى تحويله الى (سطح)، وتحديدا الى سطح مشغول ليكون قادرا على التحول الى سحنة تقنيّة، وهو ما نراه جليا في تصويرها لـ: تضاريس الأرض، وللشوارع والحيطان، بل وتحويل الحياة المعيشة، والناس بمختلف حالاتهم وشؤونهم الحياتية الى صور، وبذلك فهي  تبدو لنا مؤمنة بان كل اللحظات الحياتية تقف على قدم المساواة في الأهمية، وكل الأشخاص يقفون على نفس القدر من الجدارة في التصوير، وهو ما يعطي الفوتوغراف نمطا من الدمقرطة في النظر الى كل صور العالم والحياة بجدارتها بالتحول الى صور، صور غالبا ما تلتقطها بالأسود والأبيض وتبدو مكتظة بالشاعرية رغم الاختزال اللوني وهيمنة الكونتراست، وهو ما يجعلنا نتلمس درجة عشقها لهذا النمط من التصوير حينما نرى صورها بالاسود والأبيض لأسواق الملابس النسائية، وملابس الأطفال المكتظة بالألوان اساسا، والتي يفترض ان تُصور ملونةً لتظهر تفاصيلها؛ الا ان عشقها للتصوير بالأسود والأبيض قادها الى الانغماس بتصوير تضاريس الأرض، ووهادها، وجبالها، وسحنتها، وكأنها تكبير ميكروسكوبي لمقطع من جلد بشري، مما يضفي على تلك اللقطات أنسنة تذكرنا بتحول الصخور والحصى بيد النحاتين: هنري مور وايف تانجي الى مشخصات من الجسد البشري.
2
تقوم فدوى روحانا بتركيب الصور، صورة فوق صورة؛ فتنخلق ملمسية نعتقدها (سحنة)، او (سطحا مشغولا بقصدية)؛ فتطمس ملامح الاشياء والعناصر، وتندغم بعضها ببعض فلا يتبقى منها الا سحنتها المشغولة بقصدية مهما انطوت على مراحل هيمنت الصدفة فيها كخطوة أولية لخلق حقل متعرجات مهم في قيادة التحولات اللاحقة في انشاء ومعالجة الصورة واختيارها للنشر أخيرا، وهو، أي تراكب شريحتين فوق بعضها، شريحة داكنة حبرية فد تكون أحيانا داكنة سوداء، وشريحة لونية، يتخذه استراتيجا مهما ثلاثة رسامين عراقيين الان وهم: فاخر محمد، وصدر الدين امين، وهاشم حنون في رسمه للمدن والموانئ الكندية حيث ترافق الألوان الثرية خطوط مستقلة داكنة قد تشكل بنية هيكلية تستند الصورة اليها في بنائها الداخلي، وسعدي الرحال في اعماله الأخيرة التي اطلعت عليها، وهي اعمال اعدها نموذجا مهما في تراكب الشرائح على سطح واحد. 
3
يتحول الفوتوغراف عند فدوى روحانا الى (طريقة في الرؤية)، وهو تعبير استعرته من عنوان كتاب لاندريه مالرو، وقد تكون (طريقة) بالمعنى الصوفي كذلك، تقدم لمتلقين مدمنين على رؤية الصور، فاذا كانت ثقافات العصور السابقة تحول تجارب البشر الى كتب، فنحن الان نحول تجاربنا الى صور، وهو ما توسعت به الزا غودار في كتابها (انا اوسيفي اذن انا موجود)، ففدوى روحانا لا تدعنا نعيش تجاربها الحياتية في رؤية العالم انما تدعونا ان نتلقاها صورا مشغولة بأرقى تقنية فوتوغرافية تصور تجاربها الحياتية؛ فتشكل خطوات في المسعى الذي انغمست فيه البشرية الان حينما لم يعد البشر يعيشون لحظاتهم وتجاربهم، بل يحولونها الى صور، بل سيول من مليارات الصور التي تشكل ليس (تجاربنا) بذاتها، انما ما تخلف عنها من صور تحديدا. 
4
ان اية شروحات لصور روحانا انما هي براينا سرديات، لا تلامس الا هامش الواقعة المادية للفوتوغراف، و تأتي هذه الشروحات، استجابة للرغبة المكبوتة بالحكي والسرد ولا تمس الواقعة المادية للفوتوغرافيا، لان المعرفة التي تقدمها صورها هي نمط من الرؤية تنبع من الوسيط المادي ذاته وليست من خارجه، وهذه الشروحات ليست الا نمطا من (العاطفة المفرطة)، حسب سوزان سونتاغ، او ربما مظهرا (خارجـ/ـبصريـ)ـا للمعرفة، او قل مظهرا خارجيا لحكمة مازلنا نبحث عنها ولا اعتقد اننا سنجدها.

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009