جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


ورد جوري


لانا عبد الستار
نظرت بحزن هادىء الى الورد الجوري الاحمر الذي ملأ الفازة الكريستال على مكتبها. العناية البالغة التي رص بها الورد المتفتح وخزت روحها. قلبت بيد مرتجفة بطاقة انيقة مكتوب عليها كلمة آسف. اغلقتها بعصبية واتجهت نحو الباب دون ان تلقي نظرة معاينة الى المكتب. تركت المكان وهي تتفوه بكلمات فهمت منها السكرتيرة
انها ستذهب في مشوار خاص. لم تحمل تلفونها وخرجت غير مبالية لتساؤلات سكرتيرتها عما يجب ان تفعله في حال جاء احد العملاء للمكتب ومتى ستعود واسئلة كثيرة بقيت تطرحها دون رد. كان المطر يهطل بغزارة. قررت ان تمشي رغم احساسها بضيق وألم في صدرها استيقظت عليه بعد ليلة قضتها وهي تبكي بمرارة وحرقة. اوجعها ألا تستطيع الاستمتاع بالمطر الذي تعشق. كانت تنتظر المطر بشغف لا تسمو عليه رغبة اخرى، وها هو يهطل لاول مرة هذا التشرين دون احساس منها برائحة التراب الذي تحب.
مرت امامها فتاتان بدا لها انهما خادمتان آسيويتان، كانتا تركضان وهما تضحكان. تذكرت الخادمات اللواتي مررن على بيتها على مر السنوات الماضية وكيف ان احداهن اكتشفت ان زوجها قد تزوج عليها هناك في اندونيسيا من النقود التي كانت ترسلها اليه والذي طوال الوقت كان يوهمها انه اشترى بها ارضا وانه يبني لهما بيتا جميلا في قريتهما البعيدة. المرارة التي عاشتها تلك الخادمة جعلتها تعوضها نقودا بدلا من تلك التي ذهبت هباء. كرست وقتا لتعلمها فنون الطبخ بعد ان لمست فيها اهتماما فائقا وشهوة انيقة للروائح. ادخلت برأسها فكرة ان تفتح مطعما صغيرا عندما تعود لبلادها، وان تستقل بعمل خاص بها، وان تترك زوجها، وتبدأ حياة جديدة حرة. كانت تتمنى ان تعرف ماذا حصل مع " سيتي " وكانت احيانا تتخيلها سعيدة بمطعمها الذي يشع نظافة وجمالا وبحياتها الوردية، واحيانا تتخيلها في دولة خليجية تنظف الصحون، وتدعك الارض وترسل النقود لزوجها آخر كل شهر كي يكذب عليها مجددا.
احست بألم صدرها يزداد، وبتسارع مؤلم في نبضات قلبها. مرت من امام مكتبة الامير العتيقة وفي لحظة صفّت في مخيلتها الكتب التي تهاداها فيما سبق. رأت اغلفة متلاحقة لكتب غادة السمان واحلام مستغانمي وعبد الرحمن منيف وغسان كنفاني وغابيتو وكويللو واللندي. اول كتاب اهدته اياه كان الحب في زمن الكوليرا. كان ذلك في بداية تعارفهما، وأول كتاب اهداها اياه كان رسائل غسان كنفاني لغادة السمان. وفي اوقات كثيرة من حياتهما تشاركا بلذة قراءة الكثير من الروايات والسير الذاتية والمذكرات لأدباء عرب ولاتينيين واوروبيين وشرق اسيويين. اشتما معا عرق الغانيات الصغيرات ولاحقا معا علامات كويللو وتمتعا بالمشي على جسور قسنطينة في ثلاثية مستغانمي. اخرجها من الذكريات شاب كان يحمل مظلة ويمشي بسرعة. اصطدم بها وقال وهو يبتعد مسرعا:
ـ المعذرة أنا آسف.
كان انيقا للغاية وعطر الفهرنهايت يتبعثر منه في الشارع. اشتمت منه رائحة موعد غرامي. يا ترى ماذا سيقول للفتاة التي يواعدها؟. ودت ان تلحق به حيث يذهب وتختبىء في مكان قريب منهما لتستمع لما سيقوله لها. كم من الاكاذيب سيروي لها وكم من قصور سيبني وكم ستكون الفتاة مسترخية بسذاجة وهي تسمع عن الحب والاخلاص والوفاء.
البرد يزداد وخطواتها تتسارع اكثر والألم يتوغل في حجرات قلبها في الوقت الذي دهمت رائحة الكستناء المشوية انفها. كان البخار يتصاعد من الحبات المنفلقة بخجل امام كل هذا المطر. كان يرغب الكستناء كثيرا في الشتاء. هل نسي في لحظة حرقة اصابعها وهي تقشر له الحبات الساخنة بكل حب؟. جاء تحت لسانها طعم السحلب بماء الزهر والشوكولاتة الساخنة. قهوتهما السادة معا وشايهما الايرل جريل المفضل. كيف لكل تلك الاشياء الكثيرة التي بينهما ان تنهار؟.
كيف لاحلامهما التي استماتا من اجلها ان تتساقط في خريف مستعجل امام عينيها وهي ساهية؟. وكيف لكل ذلك البياض الذي يغلف القلب ان يغدو ثقوبا يكحلها السواد. كانت الطعنات التي تتوالى لتؤلم صدرها تزداد تعمقا وهي تتذكر كيف غفرت له المرة الاولى وتقبلت ان تكون نزوة عابرة خالية من المشاعر. فكرت ان ذلك كان جرحا لا يستع له لحمها لكنها لم تدرك انها فرطت حتى بالالم. في كل مرة كان يكررها كان الوجع اكبر والمرارة اشد. رغم البرد الذي ابتدأ يفترس مفاصلها فتحت معطفها البيج لتضرب الرياح صدرها علها تنسيها الوخز الذي يطعن كبرياءها.
اكثر شيء كان يثير شجونها المعلبة في الذكرى هو تخيلها كلمات الحب التي بات من المؤكد لها انه كان يستعملها مع هدفه الانثوي الجديد كي يجتذبه لاحضانه دون ان يبتكر شيئا يليق بالخيانة. هل مفردات الحب مناديل ورقية سهلة الهتك؟. يوما ما قالت له ان كلمة الحب تعني بالنسبة لها الالتزام المطلق. التزام حقيقي مع الآخر لا كلمات تتبعثر بين رسائل الموبايل والمكالمات السرية واللقاءات.
الفلوجة هيروشيما ثانية. مانشيت قرأته وهي تسير يقابله مانشييت اخر هل تعتزل فيروز الغناء؟. حاولت الربط بين بغداد وفيروز وهي تسير بخطوات سريعة نحو اللاهدف.
لم تعد استرحاماته واستغفاراته ودموعه تعنيها. ولم تعد تثير شفقة قلبها تجاهه. لقد قسى قلبها عليه. اكتشفت انها دخلت السوق القديم بلا وعي منها. تلامعت امام عينيها الاقمشة المختلفة وانتبهت لحظتها انها منذ زمن طويل لم تعد ترتاد هذا السوق، وانها اصبحت تفضل الملابس الجاهزة لضيق الوقت ولانشغالها الدائم. قادتها قدماها حيث محل الاقمشة الذي كانت والدتها زبونة عنده، وكانت تصطحبها في صغرها اليه. اشتمت رائحة والدتها وهي تلج الدكان الذي بقي على حاله كباقي الدكاكين في السوق العتيق. صعدت درجتين في داخل الدكان ونظرت للاقمشة فيما  بدأت ذكريات الطفولة تتراكض امام عينيها. استنشقت رائحة الاعياد، وبداية المدارس، والمناسبات الخاصة حيث يلزم ثوبا جديدا تخيطه لها والدتها بعد ان تجلب القماش من دكان ابو الاسعد. ابتسمت لاول مرة منذ الصباح وهي تستعرض فساتين طفولتها الملونة ومراييل مدرستها. اخرجها من ذكرياتها صوت شاب يقول لها :
ـ تفضلي يا ست.
ارتبكت قليلا لانها لم تكن تنوي الشراء واجابت بلا تفكير :
ـ اريد قماشا يصلح لعمل تنورة .
بدأ يعرض لها الكريب جورجيت والبنما والموسلين والمخمل. اختارت قماشا مخملا كحليا به تقليمات رفيعة كانت تسمع من والدتها انه يسمى " كورودروي" وانه قماش جميل. احست بحزن مجددا يطفو على قلبها وهي تنظر لصورة ابي الاسعد المعلقة على حائط الدكان مزينة بشريط اسود. سألت الشاب اين من الممكن ان تجد خياطا ماهرا . وصفها بكل حماس خياطا شاميا بعد زقاقين .
خرجت من الدكان. صورة ابي الاسعد كانت ترتسم امامها على حجارة السوق المرصوفة وتراصت صور كثيرة لاناس  تعرفهم عبروا الحياة. اهتدت الى الخياط بيسر. كان من النوع الذي لا يحب ان تلبس تنورة واعتادت ان تلبس البنطال الواسع ارضاء لرغبته. فكرت في موديل التنورة التي ستخيطها اليوم وهي تدخل عند الخياط وتقول في نفسها سأعيش منذ اليوم على طريقتي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية