جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » حوار


كولالة نوري : لم أتنازل عن قول الحقيقة واكتشفت أنّ اليد الواحدة لا تصفّق لتحقيق العدالة


أجراه: كنعان حاتم مراد
ثلاث ذرائع تجعلها دومًا في جبهة التحدّيات(الكتابة، والمبادئ، والأنوثة )كي لا تقع في سجن متحرّك كما تقول، لم تختر المرافئَ للسكينة، يكفيها ما تملك من هدوء وسلام في داخلها،يرفعها توّاقة للطيران، فحطت بين مدن وبلدان مختلفة,تلتقط ما يعزّز قوّتها، وهاجس الشعر، فكتبت لحظة ينام الدولفين1999،لن يخصّك هذا الضجيج2001،تقاويم الوحشة2005،حطب 2010، قبّعات مكسورة 2016، وتتنقّل مابين اللغات، فتترجم من الروسيّة  قصائد للشاعر فيستوفيسكي و متفرقات من الانكليزية.
هي تجد الشعر روحًا ثانية، تطبطب عليها حين تكون الأولى منهكة، تكتب لتتنفس حين تقترب الأحلام من الاختناق. وتخوض معترك القصّة أيضًا فتكتب مجموعة (أكاذيب برتقاليّة)، فضلّا عن تحويل صولاتها في الحياة إلى مقالات مختلفة في الفكر و الثقافة والمجتمع. وما زالت تجوب الدهشة وأماكن غريبة عليها،لتجهّز في مستقرّها الأخير مجموعتين شعريّتين ننتظرهما بشغف، كان من الشيّق أن يكون لي معها حوارنا الإنسانيّ الأدبيّ هذا:

● هل الكتابة مشروع حياة؟
الكتابة أحد المشاريع في الحياة.لا بدّ للأديب أن يكون لديه مشروع آخر يوفّر له متطلبات الحياة كي يحفظ كرامته طالما أنّ معظم الدول في المنطقة العربية لا يوجد فيها تأمين للكاتب أو  المواطن بصورة عامّة,مكاسب الكتب الأدبيّة آنيّة وغير مستقرّة.

● وماذا عن الترجمة ؟
ترجمة الكتب الأدبيّة أيضاً مكسب آني..لكن الترجمة ربما تأخذك من إبداعك الخاصّ.شخصيًّا أفضّل أن أهتمّ بإبداعي الخاصّ الآن. بالتاكيد الترجمة جهد كبير لكن في النهاية أنت تعيد كتابة ما كتبه الآخر.
● إن لم تكن الكتابة مشروع حياة فما هو إذن؟وكشاعرة ما تعريفك الخاص للشعر أو ما يوفره لك ؟
الكتابة درب لفهم نفسك والوجود. وروح فلسفيّة لرفض ما لا يوافق الروح المنطلقة بلا قيود فكرية لإضافة مسحة من الجمال والتوق نحو الأفضل ،وبالمنطق  الذي يحتاج الكثير من التدريب على تشذيب التداخلات. خاصة في المجتمع غير المجهز للحريات ومعرفة موقفك من الصراعات ما بين الواقع المتوفّر وما يفترض أن يكون عليه الكاتب . غير ذلك فالكتابة تتحول قناعاً يخفي ملامح مشوّهة لصورة الإنسان أو يكون تائهًا بين قناعه وصورته الحقيقيّة.
الكتابة ثرثرة على أو بين ضفّتين.وهي وسيلة  كي يشعر الكاتب بحواسّه كلّها, وحين أقول بأنّها ليست مشروع حياة كاملة, إنّما أقصد أنّه بجانب كلّ غايات الأدب النبيلة والمعنوية يجب أن يكون هناك في مطبخ الأديب ما يجده هو وعائلته. 
أما الشعر بشكل خاص هو  الروح الثانية  التي  تطبطب علَيّ حين تكون الروح الأولى منهكة أو وحيدة وتحب أن تشارك كل تلك الحالات مع كينونة أخرى.الشعر كان وما زال حارساً متيقظاً لي ليواجهني بأفكاري التي اقلق منها أو أخافها أو ما اؤكد على ديمومتها. الشعر مساحاتي التي افقدها هنا وهناك رغماً عني.الشعر يجدد قدرتي على الوضوح. 

● معرفة عدّة لغات معناها تعدّد الثقافات، وبالتالي معناها رحابة أكبر لقبول الآخر، مع ذلك تحتفظين بصداقات محدودة ومشروطة سواء في الحياة أو مواقع التواصل، ماهو السبب؟
قبول الآخر كان عندي قبل السفر إلى دول متعدّدة بلغاتها المتعددة لأنّني من كركوك المدينة المتعدّدة القوميّات أو الاثنيات, معظم الناس لديهم صداقات محدّدة بمعنى الصداقة، وفي الجانب العامّ  أتعامل مع جميع الناس  بروح لطيفة، أمّا  الالكترونيَ فلا أستطيع أن أكذب وأقول بأنّي أتواصل مع آلاف الاصدقاء.لدي ما لا يزيد عن 300 صديق في قائمة التواصل الاجتماعي أتابعهم بعناية, أمّا التواصل العامّ فإنّني أحبّذ نشر قصيدة في مواقع عامّة أو صحف أو مجلّات  أو كتابة مقالة. هكذا استطيع أن احترم صفة الصداقة أو المتابعة.

● هل لدينا نجوميّة أدبيّة في العراق؟
لا نجوميّة في الأدب العربيّ. النجوميّة تختلف عن أن تكون معروفاً, حتّى المعروفين في عالم الأدب العراقيّ لا يصل قراء نصوصه وفي أكثر الصحف انتشارًا سوى بضعة مئات قد يصل للألف ،تخيّل من 30 مليون نسمة أو أكثر، هذه ليست نجوميّة. لا أتحدّث هنا عن bloggers  الّذين يكتبون في شؤون عامّة سياسيّة, أتحدّث عن الأديب وعن إنجازه الأدبيّ فقط.
الأديب العربيّ الوحيد الّذي كان نجمًا حقًّا هو الشاعر محمود درويش حين حضرت قراءته في مسرح ضخم للمؤتمرات الكبيرة في عمّان وعن طريق بطاقة مدفوعة الثمن وبعضهم اشتراها في السوق السوداء لنفادها . كان بإمكان محمود درويش العيش على واردات كتبه الشعرية براحة تامة دون الحاجة لاي عمل.أو ما حضرته لروائيّ أمريكي من أصول مكسيكية يعيش من واردات كتبه ومحاضراته الأدبية فقط ، الى درجة الثراء. بينما لدينا يأتي نصف الحاضرين لأنّهم يعرفونك شخصيًّا, مع أنّ القاعة صغيرة والحضور مجاني.

● ماذا تقولين للفتاة الشابّة في الحياة ؟؟
لا ادري إن كان يحق لي القول للشابات ما أراه، طالما سألت ساقول لهن:
دلّلي زمنك واقتصدي في أيّامك وقدّسيها,لا تغيّري أو تفرّطي فيها من أجل رجل لا يكون مستعدّا أن يغيّر حياته من أجلك، لا تضعي الرجل الذي تحبّينه كأهمّ شخص في حياتك إذا لم تجديه يفضلّك على العالمين، نقطة نهاية السطر. الحياة مليئة بالفرص ودائماً هناك الشخص الّذي يناسبك في مكان ما. حين تستخدمين هذه القناعة لن تحتاجي لصرف  سنين ثمينة لا تعوّض فتنحّيك عن إيجاد ذلك الشعور بالأمان والاستقرار العاطفيّ.

● وإذا كانت شابّة وكاتبة في خطواتها الأولى على درب الإبداع ماذا تقولين لها؟:
أقول: استمتعي بالبدايات هذه فهي نقيّة كنتف الثلج, وهي لم تطأ الأرض بعد, احتفلي بالأفكار الّتي تدهشك ولا بأس من تنقيحها فهذا تمرّين، أمسكي برقبة الحياة وقبّليها كي لا تكون أقوى منك، على الكاتب أن يتفرّغ بين فترة وأخرى كأيّ ناسك للمطالعة فقط تجديداً لخلايا المخّ واللغة، تعلّمي لغة ثانية إذا سنحت لك الفرصة .الكتابة ممتعة لكن عيبها هو أنّها أحيانا تقفل بابها عليك فانزوِ لهواياتك الأخرى . صادقي الطبيعة ،الريف سهلًا وجبالًا.هذه ليست إنشاء عن الجغرافيا فالطبيعة أمّ الحياة، والحياة منبع الإبداع، الطبيعة تعيد توازنك الذهنيّ والنفسيّ أمام الأشياء المادّيّة في الحياة.سافري حتّى لو كان لمدينة أخرى.كوني دقيقة في اختيار الأصدقاء في الوسط الأدبيّ اختاري صداقات العمر أو لا تختاري أيّ صديق.ولا تنصدمي فالوسط الأدبيّ لا يختلف عن الأوساط الاجتماعيّة الأخرى ففيه الشرّير والطيّب والصادق والكاذب والحسود والمحبّ والمنتفخ والمتواضع وهناك الكاتب الإرهابي الّذي يكتب تقارير ويشجّع بكتاباته على القتل.وهناك الطائفيّ او المأزومين نفسيًّا .، من لا يستسيغك فقط لأنّك شابّة.وهناك الأقاويل والكمائن.كلامي هذا فقط كي لا تتخيّلي بأنّ الوسط الأدبيّ عالم مثاليّ. ليس هناك ما يدعو للغرور إذا كنت كاتبة ولديك كتاب أو كتابين. الكون مليء بملايين الكتب جدي لك موقع قدم هناك ليس بالمجاملات الانية الزائفة . هناك كتّاب تجار للمشاعر والكلمات،يصنع اسماً بلقاء حاكم جائر أو مسؤول متحكّم وكلّما تدور الدوائر تجدينهم مع الوجوه الجديدة. كوني نفسك التوّاقة للتجدّد وتحدّيها. في زوايا كثيرة في الحياة  شعر وإبداع ومواضيع كتابة.
●عندما تغضب أو تحزن كولالة نوري ماذا تفعل؟
قبلاً كنت أعمل حفلة كوكتيل اخلط فيها الماضي والحاضر والمستقبل. أو اقيم أيّام العزاء الثلاثة أسدل جميع ستائر البيت وأقفل الهاتف وأضع كلّ ما عرفته من الأغاني الحزينة وأبكي مثل نهر أو كنت أضع موسيقى كلاسيكية صاخبة الإيقاع ثم اكتب.الآن أمشي مع الموسيقى وأهرول وألعب تمارين رياضيّة لساعتين وأتامّل الطبيعة ثم اكتب. في الحالة الأولى كنت اربح الكتابة و أفقد من صحّتي في الحاليّة  أكسب صحّتي و أربح الكتابة.

● قلت إن الشعر رفيق لمخاوفك هل  تكتبين في الفرح ؟
طبعًا كتبت وأكتب حين أكون فرحة .الكتابة حمية لتنظيم التنفّس في الكوابيس والأحلام الجميلة .
ماذا أضافت الدكتوراه للشاعرة كولالة نوري؟
ساعدتني على أن أكون منظّمة أكثر.الفوضى ليست دائمًا خلّاقة, نظمت طريقة المطالعة الأهمّ ثمّ المهمّ و قدرتي على التحليل والتركيز وتعلّمت لغة جديدة.علّمتني احترام زمني في الحياة واحترام ما تبقّى لديّ من عمري. لكن الشهادات الاكاديمية ليست لها علاقة بجودة ما تكتبه من شعر.الشعر ابن الحياة.
ولهذا لا أراك تكتبين مع قصائدك صفة دكتورة ؟
الشعر هو الذي يضيف صفة لنا. كتبت الشعر قبل أن ادخل الجامعة.والشاعر الذي يكون فرحاً بدراسته الاكاديمية بامكانه أن يكتب في سيرته شهادته العلمية.مدى إبداع قصيدتك هو شهادتك في عالم الشعر.
الدكتوراه جهد كبير وسنين تأكل من عمرك لكنّك فعلت ذلك لأنّك تحبّ أن تفعل ذلك ولزيادة  فرصك للعمل،ولم تفعله من أجل إسعاد عامّة الناس.لا يختلف في نظري عن جهد عامل النظافة وهو يجعل الشارع نظيفًا ويعطي صورة حضاريّة للمكان.أوعامل البناء في القيظ والبرد كي يعيش بكرامة هو وأسرته.

● من يعرف تفاصيل حياتك وكتابات الشجن لا يمكن أن يفهم ابتسامتك الدائمة؟هل يمكنك الحديث عن هذا؟
ربّما لأنّني من عائلة كانت تحوّل المواقف الثقيلة في الحياة إلى نكتة والتي كانت الحلّ الوحيد المتوفّر في زخم الأسى. أنثر حزني كلّه في الكتابة قدر الإمكان . أترك الكاميرا حين أكون حزينة أحبّ أن أرى نفسي في صورة سعيدة.لا أواجه العالم بوجه حزين. صنع المرح من أصغر الأشياء كان سلاحي الوحيد لأنجو. حتى لو كان من ورقة مقطوعة مرميّة في شارع وهي تتحرّك وكأنّها ترقص مع الريح.

●الهاجس الشعريّ لديك هل يأتي بلغة معيّنة بكل مرة؟ أيّ اللغات يكون ثريًّا في مثل هذا المقام؟ كونك تكتبين بغير لغة الأمّ وهي الكورديّة ،إضافة لدراستك للانكليزيّة والروسيّة ؟
يأتي بالعربيّة في المقام الأول لأنّ مطالعاتي للأدب العربيّ بدأت منذ سنّ مبكّرة جدًّا ولكوني درست في مدراس عربيّة وليست كورديّة.ثم تأتي اللغات الأخرى أمّا حواراتي الذاتيّة وأفكاري غير الشعريّة فتأتي باللغات الأربع .حتّى أحلامي مختلطة اللغات.

●هل هناك حالات  تكرهين فيها نفسك؟؟
حين أضطرّ أحايين قليلة أن أسلخ دجاجة مذبوحة لأطبخها,أشعر كم أن الإنسان قاس ودمويّ.

●بعد هذه الأفكار التي تعرّفت فيها عليك أكثر،أتساءل كيف أمكنك العمل في أجواء لا تملك حسّاسيتك الإنسانية ؟
عانيت  طبعاً من الصعب أن تعمل مع عقول جاهلة أو فاسدين إداريًّا لكنّني لم أتنازل عن قول الحقيقة واكتشفت أنّ اليد الواحدة لا تصفّق لتحقيق العدالة، لكن على الأقلّ حين أواجه نفسي أشعر برضا وأنام هانئة, لكنّني أيضاً عملت في أماكن كنت أحسبها مثل بيتي.

●كيف تصفين سارقي النصوص أو المقلّدين ؟
التقليد كما يمثل الكلب اللاهث حركات مالكه، وفي ذهنه أنّهما متشابهان في إتيان الحركة نفسها ويمكن أن تستمتع بحركة الحيوان وتراها لطيفة ومبدعة,لكن في مجال الكتابة أو الإبداع فإنّها مكروهة، فتجارب الحياة والعلاقات الخاصّة مع الكون والناس ومراحل نضج التفكير والقراءات لا يمكن سرقتها لذلك يتلاشى النصّ المقلّد في حدود التصفيق للكلب الّذي يقلّد صاحبه.



المشاركة السابقة