جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » ثقافات


حينما تدسُ المهنة أنفها في الكتابة..مقاربة ثقافيّة بين القاضي الجرجاني وفؤاد التكرليّ


د. عبّاس آل مسافر
هل خطر في بالنا سؤال عن دور المهنة أو الحرفة التي يمارسها الإنسان بحياته اليوميّة . . دورفي كتاباته وآرائه النقديّة إن كان ممن يشتغلون بحقل الثقافة؟
سؤال قد لا نتعرض له دائمًا، لكن لا بدّ للبحث عن إجابة عنه، ولا بدّ من أدلّة واقعيّة تقنع القارئ بوجود هذا التأثير، فقد تعرّض الباحثون مثلاً إلى أثر النشأة والتربية في ما ينتجه الكاتب من نصوص إبداعيّة، أو مايسطره وما يرسمه ويتخيله سواء في لوحات رسم أم نحت أم موسيقى وغناء وغيرها من الفنون، البعض الآخر درس أثر البيئة والمكان على المؤلف،
وربط بين عشق بعضهم لألوان محدّدة دون أخرى وأرجعها إلى طبيعة البيئة التي فتح عيناها عليها أول الأمر، ثم أثر البيئات الأخر التي شاهدها تكرارًا وبصور مختلفة، لكن لم ينتبه أحد إلى أثر المهنة التي يمارسها الكاتب على ما ينتجه من نصوص أو ما يدلي به من آراء نقديّة.

هناك الكثير من الوظائف و المهن والحرف التي نجد لها تأثيرًا كبيرًا على الأعمال الأدبيّة وربّما لم تكن مصادفة بأن عدد من الروائيين عملوا في الصحافة أو في سلك التعليم أو السياسة أو مهن أقل شأنًا ودرجة من تلك مثل ساعي بريد أو موزع صحف أو جابي مصلحة عامة وغيرها الكثير،  فبوسعنا أن نجد هناك خيوطاً يمكننا الاستدلال به على ذلك النزوع الفطري والانسياب غير المحسوس والتسلل الهادئ من الواقع المعاش إلى سطور الكتابة أو لوحة الرسم أو النوطة الموسيقيّة، ألم نجد ذلك عند عزيز السيد جاسم مثلًا عند بدر السالم أو عند العازف نصير شمه أو عند رفعت الجادرجي والتشكيلي الراحل فائق حسن وبلاسم محمد غيرهم الكثير من المبدعين وعند ميسلون هادي وإنعام كجه جي أو الراحلة نوال السعداويّ. وأن تكن تلك الخطوط غير واضحة للوهلة الأولى.
إنّ الأمثلة حول تأثير العمل الذي يمتهنه الكاتب كثيرة جدًا ولا حصرَ لها لكنني سوف انتقي مثلين فقط مختلفين بالزمن لكن تربطهما طبيعة مهنة واحدة وهو القضاء ، الأول ينحدر من مؤسسة النقد القديم وهو القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني 392 هـ، والذي استوزره الصاحب بن عباد وبلغ المكانة عنده درجة عالية، فولاه قضاء جُرجان، ثم ولاه القضاء بالرِّيّ، ثم ارتقى به إلى رئاسة القضاء، واستمر في هذا المنصب إلى وفاته، وقد انعكست ممارسة هذه المهنة على آرائه النقديّة وهذا بيّن من خلال العنوانات التي اختارها لمؤلفاته والتي إلينا منها وهو (الوساطة بين المتنبي وخصومه) والذي هو رد على رسالة للصاحب حول مساوئ المتنبي، فانتفض هذا الرجل بحكم عمله لبيان وجوه الحق، فيقول الدكتور أحمد محمد بدوي عن هذا المؤلف (وقد بينا أن ظهور مثل هذا الكتاب طبيعي في العصر الذي ألّف فيه ، وأن مؤلفه قاض يريد أن يبين ويستبين مواطن الحق فيما يقوله الخصوم والأنصار) فيبدو بأن الجرجاني قد نصّب نفسه قاضيًا من أجل الوقوف على اسباب الخصومة بين هذا الشاعر العظيم وبين خصومه وأنصاره المغالين فيه، ويريد تحكيم العقل أولًا فيما يقوله، وقد أبدع في تقعيد مصطلح السرقات الشعريّة وإيجاد التبريرات للمتنبي والتماس الأعذار له فيما يجدونه الخصوم خطأً. وقام كتابه على افتراض أن المتنبي شاعر كسائر الشعراء يخطئ ويصيب، لكن علينا أن نغفر سيئاته لحسناته، وألا نجعل السيئات تُذْهِب الحسنات، مستفيدًا من معرفته بالتراث النقدي، فجوانب السلب عند بعض الشعراء الجاهليين، مثلا، لم تجعل النقاد يغفلون جوانب الجودة عندهم. فالوساطة كتاب في النقد التطبيقي، وإن لم يخلُ أيضًا من معالجة بعض القضايا النظرية مثل مفهوم الشعر وأدواته، وتمثله لعمود الشعر، ورأيه في العلاقة بين الدين والشعر، وفي السرقات الشعرية والمقاييس النقدية وجدواها. ويقف مؤرخو النقد عند رأيه في هذه القضايا، ويميزونه عن آراء غيره من السابقين أو المعاصرين له. كلُّ هذه الأشياء نجدها صدى لمهنة القضاء التي مارسها الكاتب سواء من خلال استعمال المصطلحات التي تمت للقضاء بصلة أم من خلال الأسلوب القضائي للتعامل مع القضايا الأدبيّة البحتة كالتعامل مع الدعاوى القضائية التي تحدث بسبب النزاعات بين بني بشر يوميًا، فمثلاً يستحوي من مبدائ العدالة المساواة بين الخصوم وعدم تقديم أحدهم على الآخر إلّا بما يؤهله نفسه للتقديم، فقد ساوى بين أكثر مصطلحين أثارا جدلًا نقديًا في الزمن السابق وهما، الصراع بين القديم والحديث ومرجعيات هذا الصراع بين النقاد، فعنده كلاهما القديم والمحدث هو مقدّم مادام يوجد في كل منهما عنصر الإبداع وعنصر الرؤى الواعية للزمن، من دون ترجيح كفة أحدهما على الآخر، فهو ينظر لهذه المسائل بعين ميزان التحكيم والعدل. وليس تقديم القديم لأنه قديم أي أسبق زمنًا وتأخير المحدث لأنه لاحق. كما نجده أدلى ببعض الآراء حول كتاب الآمدي والذي كان عنوانه "الموازنة بين الطائيين" واستحسن ميل المؤلف إلى الإصغاء لرأي كل خصم ثمّ تفصيل القول فيه.
  النموذج الثاني والذي يقارب كثيراً النموذج الأول، هو الروائي المعاصر فؤاد التكرلي رائد الرواية العراقية الكلاسيكيّة، والذي تخرّج من كلية الحقوق عام  1949م، ثم عمل كاتب تحقيق وبعدها محامياً، ثم قاضياً، وتولى عدة مناصب في الدولة ومنها في القضاء العراقي حيث تم تعيينه قاضياً في محكمة بداءة بغداد عام 1964، ففي رواياته نجد الكثير من ملامح مهنة القضاء والمحاماة، وتقمص دور المحامي والقاضي، كما نجد بصمات الجرائم منتشرة بين ثنايا كتابته الروائية، لاسيما روايته العتيدة (الرجع البعيد) وقد اختص بالإشارة دائمًا إلى مسألة اجتماعيّة انتشرت في سبيعينيات القرن المنصرم كثيرًا في المحاكم العراقيّة وهي "زنا المحارم" بسبب تفكك بعض العوائل ، فوظّف هذه الثيمة في روايته المذكورة، أيضًا نجد أنعكاسًا لمهنة المحاماة في مجموعاته القصصية مثل مجموعته الأخيرة "حديث الأشجار" وتحديداً قصته " الاختيار" التي تحكي قصة محامي من محلّة "باب الشيخ" وهي مسقط رأس الكاتب الحقيقيّة، يقوم بطل القصة بفتح مكتب للمحاماة له في منطقته المذكورة بعد أن أصبح محاميًا مشهورًا وانتقل محل سكنه إلى منطقة راقية في أحياء بغداد السكنية، يقوم بالترافع عن فقراء محلته مجاناً وفاءً منه، ونتلمس بأن هذا الروائي غالبًا ما يعالج في كتاباته مسائل اجتماعيّة هي إفرازات المحاكم من طلاق أو زواج القاصرات أو الزواج غير المتكافئ أو التحديات التي تواجه العوائل بعد فقد المعيل، فيعرضها بروح المحقق الذي تمرُّ عليه يوميًا عشرات النزاعات والدعاوى.



المشاركة السابقة