جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


في استعادة عوني كرومي.. 3 صور للفنان في شبابه


علي عبدالأمير عجام

خلال هذه الأيام وتحديداً في 26 أيار/ مايو الجاري، تكون مرّت 15 عاماً على رحيل وسيم المسرح العراقي والعربي، عوني كرومي، الذي غادر عالمنا في برلين في مثل هذا اليوم من العام 2006، وهو يجهد في لم شتات عقله وروحه وشظايا وطنه وتجربته الثقافية والانسانية.
وفي حين كان عمل الروائي الشهير جيمس جويس يحمل عنوان "صورة الفنان في شبابه"، فأنني أستعير ذلك العنوان المثير الذي لطالما داعب خيالي مبكرا، لأجعله عنواناً لهذه الكتابة الاستعادية عن الهادر في وعيه وفكرته وثقافته، عن المولود في مدينة الموصل 1945، عن الذي عرف التجارب العريقة للفرجة المسرحية في بلده والعالم (انطلاقاً من دراسته العليا للمسرح في برلين 1972-1977)، عن ابن ستينيات الثورة والغضب والتمرد وسبعينيات المعرفة والحرية والبناء.
إلى برلين جاء متزوداً بعروض المسرح العراقي المدهشة ليجد أنه امتداد لمنهج برتولد بريشت حتى قبل أن يكون في مداره دراسة وتجربة كما في "برلينير إنسامبل". وإلى مسارحها ومعرفتها جاء كرومي شاباً وعى التمرد بوصفه طريقاً نحو حرية العقل والخيال، حرية بدونها لا فن مدهشاً يزعزع الوعي الراكد اجتماعياً وفكرياً.
ولأنه ابن العراق الحقيقي، لذا كان رصيده من الأسى والخيبة حقيقياً وعظيماً، فلا بغداد المعاصرة التي كسرت الحروب ظهرها، كانت رحيمة به، ولا اقامته المؤقتة في الأردن (1992-1997) حيث عمل استاذاً للفنون المسرحية بجامعة اليرموك، بدت متوافقة مع وعيه الذي كان يزداد هديراً وغضباً، حتى قرر اللجوء إلى ألمانيا والإقامة فيها.

بريشت عراقي؟
في الصورة الأولى نتعرف على عوني كرومي الشاب (انهى للتو دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد 1969) إلى جانب "برشيته" الشخصي، معلمه الفني الكبير جعفر السعدي. هنا إشارة بأكثر من دلالة: التواصل المعرفي بين جيل وآخر، الدرس والتعلم، التقدير العالي للخبرة، مثلما هي إشارة عن وعي الشاب لجهة أن روح التمرد والرفض فيه لم تكن إلا تقاطعاً مع الراكد والمحافظ والرسمي العابس في الثقافة العراقية، بل هي روح الاتصال، حتى في توقها المطلق للتجديد، مع العميق من التجربة والإنجاز.

مخالفة السائد الثقافي والاجتماعي
أما في الصورة الثانية فنتعرف على عوني كرومي العائد إلى بغداد من دراسته العليا في ألمانيا 1977. صورة الفنان في شبابه، بل في قمة شباب وعيه وحسه العميق بقدرة الفن على التغيير، ومسؤولية المسرح في هزّ السائد ثقافياً واجتماعياً، كانت البيئة الاكاديمية (حيث عمل استاذا) والفنية ( مخرجاً مسرحياً) بل وحتى السياسية لم تكن قد تعرضت بعد للتخريب البعثي الكلي، وهو ما عنى لكرومي فسحة ممكنة لمعاينة الوقائع المحلية على ضوء المغايرة والتجديد.

"ترنيمة" العراق الأخيرة
في الصورة الثالثة نتوقف عند عوني كرومي في الكرسي الهزّاز، العلامة الأبرز والاسم في عرضه المسرحي المبهر "ترنيمة الكرسي الهزّاز" الذي ضجت به أوساط بغداد وقرطاج المسرحية والثقافية في العام 1986. عرض، جاء بعد آخر ناجح هو "الإنسان الطيب"، يكاد لفرط صدق مخرجه وعمق إدراكه أن يكون نبوءة لما ستؤول إليه البلاد، لما سينتهي إليه العراق من حروب وخوف ورعب وتدمير منهجي. هي إن شئت "ترنيمة" العراق الأخيرة لجهة الوعي الحاد لمخرجها بالفناء الذي بات وشيكاً لبناء من المعاني والقيم والأفكار والمصائر الإنسانية. هو عمل لم يقع في أسر فكرة الرفض الضمني للحرب، مع قيمة تلك الفكرة وحيويتها، انما ذهب في نهايات مفتوحة تجعل الباب العراقي موارباً على الكثير من الأوجاع والمخاوف والفقد.
هنا إنتمى عوني كرومي الصاخب المتمرد الجميل إلى فكرة جوهرية تبدو الثقافة العراقية اليوم وغداً بأمسّ الحاجة إليها، فكرة عمادها تأصيل الحداثة، أي جعل الحداثة (الغربية على وجه الخصوص) بملامح محلية كي تؤتي ثمارها في تغيير العقول والأرواح، فعمله بدا حديثاً في نبضه وإيقاعه وتشكيله البصري، لكنه ابن بيئته المحلية بامتياز، بل هو تعبير عميق عن هواجسها وانشغالات إنسانها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية