جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


عبد الرحمن طهمازي والقصيدة المتلبثة


د. نادية هناوي
ليس الشعرُ سلعةً يقتنيها من يرغب بامتلاكها، ولا هو شفرة تُفك فيُعرف سرها، ولا هو هوية يحصل عليها طالبها ليكون من بعدها شاعراً. ولو كان الأمر كذلك لما اُشتهرت أسماء شعرية محدودة بينما تُنوسي كم كبير وطابور طويل من أسماء رجال ونساء أرادوا أن يكونوا شعراء وشواعر أو ما زالوا يأملون أن يكونوا كذلك، لكنهم سينضمون عما قريب أو بعيد إلى بعضهم بعضا مغمورين منسيين. فليس للصمود في الميدان الشعري من سبيل إلا عند من أخلص للشعر إخلاص النبي لدينه، وعندها فقط سيُخلص الشعر له إخلاص الحديد لداود.
ولأن مثل هذا الإخلاص للشعر والتولي نحوه نادر هذه الأيام للأسف، صار التميز في شعرنا العربي بهذا الاستعصاء والتعسر حتى شمله في الآونة الاخيرة بعض أو كثير من الركود والصنمية، فلم نعد نشهد بزوغ اسم شعري يُؤتى منه الكلم الخاطف، ولا نضوحَ قصيدةً منها تملأ دلاء النقد سوى بضعة أسماء لا تتعدى أصابع اليد، أسماء عرفت الإخلاص للشعر والولاء له وحده، فحفرت لها فيه مجداً.
وليس هذا بالغريب، فالشعر جزيرة فيها خُبئ الكنز المفقود، وخير الشعراء من استطاع بلوغ تلك الجزيرة والعثور على ذاك الكنز الذي بمجرد أن يعثر عليه الشاعر يكون قد انعزل عن العالم الأرضي واستقل في عالمه اليوتوبي حالماً وغنياً ومتفرداً في عزلةٍ حرةٍ وعفيفةٍ.
وما دام الكنز قد صار ملكه هو وحده، فإن بروق لمعانه وأضواء أنواره وشذرات التصافه ستتلبثُ خاطفةً الأنظار نحوها. ولعل هذا النوع من التلبث بالامتلاك له غرابته التي لا يعرفها عالمنا المتسارع بالشرور والعلل حتى لا مجال للشاعر أن يترافق لديه التلبث بالامتلاك ليعرف هل امتلك الشعرَ أم أنّ الشعرَ امتلكه ؟ وهل هو بهذا التلبث سعيد أم ضائع يبحث عن نأي، به يكون بعيداً بلا رقيب ولا حسيب؟.
هذا ما ينطبق على شاعر تلبثه الشعرُ فصار بهذا التلبث ترجماناً وقد استحوذ على ملكاته جميعها بما فيها ملكة النقد وملكة الترجمة وملكة الصحافة والثقافة وغيرها.
إنه عبد الرحمن طهمازي الذي سحره الشعر صبياً يافعاً ثم أغواه شاباً ناضجاً وملكه أخيراً حكيماً زاهداً نائياً في جزيرة الكنز الذي ما عاد مفقوداً، فهو الآن يملك شعره كما يملكه الشعر. ومثله شعراء كثيرون ظلوا طوال حياتهم يتلبثون بالشعر متطلعين إلى جزيرته لعلهم يجدون الكنز المفقود.
وقد تواءم شعر عبد الرحمن طهمازي في تلبثه هذا والألماني ريلكه الذي عنده الشعر ثمرة المعاينة بالفكر والإثارة بالأسئلة والسعة في التجربة وهو القائل:" ينبغي أن ننتظر ونراكم طيلة حياة طويلة إن أمكن ثم أخيراً بعد سنوات طوال قد نعرف أن نكتب أبياتنا العشرة الجيدة، فالأشعار ليست كما يحسب بعضهم مشاعر بل هي تجارب"( كتاب الساعات وقصائد أخرى، مقدمة المترجم كاظم جهاد).
والتواؤم كبير بين طهمازي وريلكه فكلاهما ابتدأ عالم الشعر متلبثا على مشوار يوتوبي، فانتهى على جزيرة الشعر وحيداً صامتاً وفيوض الشعر وأنواره تتكلم بدلاً عنه.
ولعلنا إذا ما بحثنا عن شاعر عربي آخر يوائم ريلكه في التلبث ولا أقول يتأثر به، فلن نجد مثل عبد الرحمن طهمازي، ليس لأن ريلكه شاعر اتخذ من الفكر ميداناً لتجربته الشعرية حسب، بل هو أيضا هذا الانغماس اللذيذ والشفيف بالتلبث في الفكر. وما هذا التواؤم ما بين طهمازي وريلكه سوى إيذان للمترجمين العرب أن يقلبوا بوصلة تعريبهم فلا يقتصروا على تعريب شعر الآخر إلينا فقط، فلدينا شعراء لهم من التجارب ما يجعلهم جديرين بأن تترجم قصائدهم إلى لغات عالمية.
وإذا كانت مرثية ريلكه الثامنة( شرطي الإنسان وكائن الطبيعة) هي التي أعلنت ولادة ريلكه من جديد في عالم يوتوبي وكان كتابه( الساعات) كتاب حياته الرهبانية التي ضمت صلواته العشقية، فإن ديواني عبد الرحمن طهمازي( ذكرى الحاضر) و (تقريظ الطبيعة) هما بذرة الشعر التي أعلنت ولادة طهمازي شاعراً مفكراً. أما مطولاته الشعرية القليلة التي كتبها في أزمان متباعدة فهي الشجرة الوارفة التي تلبثت تنمو على كنز الجزيرة النائية حتى ملك الشعرُ طهمازي مفكراً، فغدت القصيدة بين يديه متلبثة في مواسيقها ومرموزات أفكارها التي تصيخ له سمعاً وهو صامت، وتزخر بالمداليل وهو حالم، وتقدح شراراتها الماحات تتوهج فتنهمر فيوض الإلهام في شكل( متعة فكرية لذيذة) على حد وصف المفكر عزيز السيد جاسم في تقديمه لديوان( تقريظ الطبيعة).
والخلاص الفكري بالشعر دليل على أنّ الفكر هو إرادة القوة التي تمنح القصيدة المتلبثة الاستحكام والتنظيم والتفرد، فتغدو اللغة راكضة مع الحياة موحية تتحرك وتضحك وتبكي وتعصف ـ كما تقول نازك الملائكة ـ بلا موت أو تحنيط.
وهو ما نجده في المطولة الشعرية( المعزوفة) آخر عمل شعري منشور لعبد الرحمن طهمازي في جريدة الزمان البغدادية، وفيها يتشكل الفكر الشعري موتيفات بها تتحول القصيدة إلى متواليات هي عبارة عن وحدات صوتية دلالية تخضع لقانونين: الاول هو قانون التماثل من حيث التدوير فصلاً ووصلاً، والثاني هو قانون التجاوز من ناحية تعامد محور التجاور على محور التأليف كتشبيهات وتناصات واستعارات فيصير كل موتيف عبارة عن فونيم ومن مجموع الموتيفات تتناوب الفونيمات متموجة وارتجاعية كظاهرة لسانية في القصيدة المتلبثة التي تظل بلا معاضلة ولا غلو مهما طالت أسطرها.
ويظل تحقق الوظيفة الشعرية في القصيدة المتلبثة مرهوناً بالفكر الذي له فعل الملح في الطعام فقلته لا تفي وكثرته تضر، ولا بد من التوازن في توظيف الفكر بشكل دينامي فلا يكون مهيمنا على أي عنصر من عناصر القصيدة لكن غيابه يعني ضياع الشعر الذي به تفقد القصيدة وظيفتها.
فإلام كان طهمازي يتلبث ؟ وهل من أمر استلبثه فجعل القصيدة متلبثة ؟ وما الذي يقبع وراء استلباثاته ؟ أ هي متع خالصة أم هموم ثقال ؟
إن أهمية التلبث تتأتى من كون الفكر وسيلة جادة للمعرفة وأداة ناجعة في الاهتداء إلى الحقيقة التي فيها يتجسد جوهر الشعر. هكذا اصطرخ الشاعر متلبثا في مطولته( المعزوفة) متفكرا في العالم صوراً وذوات مستعيداً الذكريات، ومعه يفكر مفكرو العالم ومتصوفوه : الحلاج وابو تمام وابن عربي ورامبو وريلكه وابيلار ورامبرانت وملتن وكولنجود. وكل واحد قابع في جزيرته نائيا بعيدا لكن ما يجمع بينهم هو الباب الخلفي للطبيعة باب الأوهام السرمدية.. 
وللقصيدة المتلبثة وسائلها، ولعل أهمها المونتاج من خلال اقتران المتواليات في شكل لقطات تولد في ذهن القارئ أفكارا توحي من تلقاء نفسها بالمعنى الجمالي الذي به يزول الغموض والتنميط، وهو ما دللت عليه مطولة( المعزوفة) من أول متوالية افتتاحية فيها:
إلى:الشاهد والمشهود
كولنجود:التاريخ هو الحاضر
ها هي المعزوفة تفلت من الأسماع على حين غرَّة
وتستحوذ على صمتنا.
صرنا نتمرّن على التذكار من الصيوان إلى الطبل
ثم إلى الطبّال.
إنها لا تحتمل الفتق ولا الرتق .ارحموها رحمكم الله.
ومن الوسائل أيضا الإصاخة العقلية بالتساؤلات التي بها يترسخ الفكر في مطولات طهمازي رسوخ الجذمور ويتصلب صلابة الجلمود، فيتدفق الغضب الشعري اغترابا وصمتا في شكل معزوفة من أنغام هامسة تستغور نفس قارئها صادمة إياه بمفارقة زمانية صارخة ازاء عالم مزدرى بالشرور والموبقات:
المعزوفة تتسلل من الخلوة نحو الظل المتقافز تحت
أقدام الشعب،الشعب المسالم.
أين عقلة المستوفز، وأين أين البليبلان يا محيي
الدين يا ابن العربي، أين …؟
إنها الرمادة المترامية
تتبادل الحل والعقد.
من هو الذي اختطف وزن العيِار أيها الميزان
وجعلك كالشبح الذي تاه في الاتجاهات الستة؟
وإذا كانت قصيدة طهمازي متلبثة في طولها، فإن أهم صفة ينماز بها هذا الطول هو التدوير بالموتيفات المقطعية التي تتحرك جيئة وذهابا متجهة صوب عالم من الاختلاف والاستبدال ضمن لحظة متخيلة يلتقي فيها الشعر بالفكر:
ضعْ القافية عند أية فقرة واذهب لجمع الكلمات
المنكوبة بالحذف وضياع المعنى وأطلقْ ساقك للريح
قبل أن تلحق بك القافية . أسرعْ ايها النحويُّ
الى تخوم البصرة، فالأعراب دثَّروا الكسائيّ بالأجوبة
السياسية
...........
يا أوغاد : حين حمى الوطيس تلوذون بحبال السرّة
المقطوعة.
وإذا كانت القصيدة المتلبثة تعقلن المتعة الجمالية الخالصة بطهرانية الفكر المتحير والباحث عن الأجوبة، فإن الجناسات والطباقات أسلوب فني به تعزف القصيدة المتلبثة لحن التعقلن مستعيرة من المتصوفة والمناطقة بعض طرائق التواصل الذي معه لا يعود للغات أهمية ما دام المجهول واحدا:
متى تخيط الإبرة ثوبا لها وقد أعمى الخيط عينها الوحيدة
متى تعرف الدمعة لونها العذب
متى سأخرج من قبرك واراك سبقتني إلى الحرية
التي انتظرتْ تحيّتك.
ومن هذه التساؤلات ينبثق الشاعر حراً كطير أو سمكة ينوء بعبء مهمة تجعل منه شخصية ملتبسة كما يقول غادامير في( الحقيقة والمنهج) وليس للقارئ إلا أن يكون متسمراً عند تلابيب القصيدة وقد استحثه فكرها إن هو أحسن الإبصار فأدركته حرفة السؤال. وهكذا ينأى القارئ مع الشاعر وقد تجردا عن وعيهما ليعيشا هناءة المعرفة وربما العرفان تاركين وراءهما عالما من الدناسة وسوء الأقدار.
ومؤونة القارئ لا تنفك تتأتى من هذا الإمعان والمعاينة والتمعن في الفِكَر وقد تمرأى في القصيدة المتلبثة من لحظة الولادة/ إنتاج النص إلى لحظة التوليد إعادة الإنتاج بلهفة الإيحاءات والمفارقات وباعتمال الاستعارات والحوارات:
المواعيد، آه ، ليست في زمان ولا في مكان والسبّابةُ
لا تشير.
– أين وليتم بوجوهكم يا شعراء الأصقاع.
– شطر السجون الشاسعة.
– وانتن ايتها النوادب العربيات
– نحن نتناظر للفوز بجوائز الميّتين والله هو مولانا
وعليه التكلان.
والاستشراف والإطلال فواعل تهيمن على القصيدة المتلبثة وقد استودعت فيها أسرار الجمال التي تحيل الهزال متانة واليباس رويا وتجعل النافر منسجما والبليد بهيجا والميئوس مأمولا:
يا ابليس اقطع الحبل من وسطه وقاطعِ السياق واجعلِ
عاليه سافله. سأصعد لأعرض متاعي على
المتسوِّلين الحكماء . المشروع يفتح نهايته
على البداية الغرّاء للأسطورة . وسيتكفل الفشل
بحماية الأمل.
تلك هي المفارقة الجمالية التي تنض بها قصيدة طهمازي المتلبثة إن هي قُرئت بهوى من يفكر فيها ملتذا بتعرج مسارات فكرها تصوفا وسلطنة. لتكون هي الحكمة التي بدت هوى، وهي الثورة التي تجسدت صوتا، والمطولة التي دوزنت بلوغوس الانثيال:
ها نحن على الطريق من جديد
*خذ راحتك أيها الزمان واترك الأمر والنهي للمكان
العازب الدبق ، المكان المعقود عقدا وثيقا ، دعْ
المعزوفة تمرح وتسرح تحت الأمواج الجائشة التي
تتسلق الحيطان وترتطم بالألحان التي لم تقتسم الآلات
ولما كانت الطبيعة هي الجمال غدت القصيدة هي الطبيعة وكلما تعقدت القصيدة زاد جمال الطبيعة وكمنت أسرارها التي بها تحافظ على اتزانها. وهذه هي حكمة الطبيعة التي أغوت طهمازي فتفلسف بها من خلال بابها الخلفي الذي فيه أودعت قوانينها فوعاها في لا وعيه.
وليس لقارئ شعر طهمازي أن يقرأه وهو على وفاق مع ذاته بلا محنة أو صدمة أو جلبة أو جمرة أو دورة أو بهرة أو سكرة كما لا يمكنه أن يغادره منفكا من إساره من دون أعطية أو أخذة أو لفتة أو حمأة أو رقة. وهو ما يجعل طهمازي موصوفا بالتلبث الذي هو مغزى كل فيلسوف ومطلب كل عاشق يتطلع إلى فردوس من العزلة واللا اعتياد.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية