جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


نــــوارس


إرادة الجبوري

أمضت الظهيرة عند النهر. وقفت على الجسر تتابع أيادي الأطفال والكبار، وهم يُطعمون النوارس قطع خبز يرمونها عالياً فترتفع النوارس لتلتقطها بمهارة. لم تصطحب أحفادها لمهرجان السعادة هذا كما كانت تسميه: الدفء المجاني الذي تبعثه شمس شباط وأصوات الأطفال الضاحكة المرتعشة إثارةً وحماساً، سعادات الأهالي وهم يرون حبور أطفالهم، والعشاق الذين يقفون خارج إطار الرقابة يتهامسون متظاهرين بمراقبة الطيور؛ التي تواصل تحليقها لاهية تحت سماء صافية.
غادرت بيت ولدها من دون أن تخبر أحداً بوجهتها مثل كل مرة. لم تعرف كيف وجدت نفسها هناك. اعتادت أن تفعل ذلك مع الأبناء قبل أن يكبروا ويتخلوا عن رفقتها ويتركوها لصحبة الأحفاد.
لم تفعل ذلك السنة الماضية. واليوم هنا عند جسر الجادرية تقف وحدها. لم تكن تعرف أنها ستجرؤ على فعل ذلك. كانت تتابع حركة الطيور بطريقة بدت وكأنها تنتظر معجزة ما. كانت تؤمن بالمعجزات التي تنتظر وقوعها بطريقة أقرب إلى السذاجة. سألتها حفيدتها مرة:
,وين تروح النوارس من الدنيا تمطر ؟
صمتت طويلاً قبل أن تجيب : تحت الجسر ، يمكن؟
كان تساؤلاً أكثر منه إجابة!
كيف للنوارس أن تترك ترافة الضوء، فكرت أنها لم تر جثة نورس من قبل! كانت تخشى أن تطرح عليها السؤال الذي فكرت به مرات عدة؛ هل تشق طريقها إلى السماء مباشرة من غير حاجة إلى وسيط؟! وماذا لو انهارت قبل الوصول إلى اللاجاذبية!
بدت النوارس جذلة مع شمس شباط وريح مشاغبة باغتت مهرجان الفرح، فرفعت فساتين الفتيات وتنوراتهن الملونة مثل مناطيد صغيرة ومعها انبثقت قهقهات المباغتة وخجل المراهقات اللائي أسرعن للاختباء خلف الأمهات هرباً من مشاكسات الريح.
شمس شباط تمضي سريعاً مثل إغفاءة. لم تكن تحمل أرغفة الخبز الطازجة التي كانت تشتريها باهتمام وتضعها في كيس ورقي. وقفت طويلاً من دون أن تتنبه لابتعاد الشمس. شعرت ببرودة الجو. نظرت إلى المكان: بدا يخلو من المتجمهرين. لم يكن على الجسر غير رجل وامرأة يتهامسان ويحاولان بصعوبة كتم ضحكات، بدا الرجل وكأنه يخبر المرأة بأمر مضحك. كانت المرأة تجد صعوبة في التحكم بضحكة أفلتت منها. تظاهرت بعدم رؤيتهما. التفتت إلى عربة صغيرة يقف عندها رجل خمسيني يلف رأسه بيشماغ أحمر و يرتدي  قمصلة مطرية وبنطال جينز وبسطال عسكري. بدت عليه آثار تعب يوم طويل. كان يعرض أكياس شرائح بطاطس مقلية، يبيعها للراغبين بإطعام النوارس. كان يقاتل التعب والضجر بالاستماع إلى أغنية من هاتفه النقال. حاولت أن تلتقط لحن الأغنية. وكأنه حدس ما كانت تحاول معرفته، فردد بصوت حرص على أن يجعله واضحاً "بس تعالوا  لأن صرتوا مستحيل، لا تجونا لا نهار ولا ليل". كان الرجل يردد الأغنية بمرح لا يتناسب وإيقاع الأغنية وكلماتها الحزينة.
غربت الشمس وبدأ الرجل يحزم بضاعته مستعداً لترك الجسر. كان الرجل والمرأة ما زالا يتهامسان غير مكترثين بقطرات المطر التي حملتها الريح على حياء. كان الجو يوحي بليلة باردة بعد ظهيرة دافئة. كانت ترتدي بلوزة خريفية سوداء مع شال صوفي ذهبي موشى بخيوط حرير قرمزية لفت به عنقها. شعرت برطوبة وببرودة مقعد السيارة. أحكمت وضع الشال على عنقها وقادت سيارتها ببطء. على غير العادة كانت الطرق غير مزدحمة والطريق سالكاً إلى بيتها. لم تكن تريد الوصول إلى مكان ما. تركت نوافذ السيارة مفتوحة وتجاهلت رذاذ المطر المتسلل إلى السيارة بهدوء. مشاعر حزن عزّزها تسرب النوارس في وهلة من الزمن دون أن تنتبه ! لا تتذكر  كيف شرد ذهنها وبماذا كانت تفكر حينها !
رغبت في أن تبقى عالقة في اللامكان إلى ما لانهاية.. نظرت إلى مؤشر الوقود؛ لديها قرابة 30 لتراً. فكرت ..لن تتوقف حتى يستقر مؤشر الوقود على اللون الأحمر. قررت السير في شوارع وأحياء لا تعرفها من قبل؛ أن تبقى ضائعة حتى تتعب من قيادة السيارة. تشعر بحزن جارف يجتاحها، لا تعرف سبباً مباشراً له أو ما أثاره على هذه الشاكلة. رغبت بشدة في أن لا تصل إلى أي مكان وأن تبقى هائمة من دون وجهة محددة.
دخلت زقاقاً ذا نهاية مغلقة، وعندما استدارت أشار لها رجل يقف في باب داره كان يدخن ويتحدث بهاتفه النقال. أنزل الهاتف عن أذنه من دون أن ينهي المكالمة متسائلا إن كانت تقصد مكاناً معيناً. خمنت أن وجود امرأة تقود سيارة في مكان يبدو أن الناس يعرفون فيه بعضهم بعضاً ليس بالأمر المناسب في بلد فقد السلام منذ عقود. ومن دون تخطيط أو تفكير  تظاهرت بعدم قدرتها على الكلام
سأل الرجل: أختي أنت تريدين بيت معين؟
أشارت برأسها نافية
قال : عندك مشكلة؟ تحتاجين مساعدة؟
أشارت نافية
أنت عراقية؟
هزت رأسها في إشارة نعم .
شعرت أن الرجل قد فكر أنها ربما تكون تعاني من مشكلة ما تمنعها من الكلام، ربما ظنَّ أنها خرساء.
أشار بيده أن تتبعه حتى تخرج من الزقاق،
تبعته. سار عبر منعطف قادها إلى زقاق صغير مواصلاً حديثه بالهاتف، وحين لاح الشارع العام أشار لها أن تخرج. واصلت طريقها فرأته عبر المرآة الجانبية وهو يستدير عائداً بخطوات سريعة يحمي بيده اليسرى رأسه من المطر الذي عاد إلى التساقط، متجنباً برك المياه التي غطت أجزاءً كبيرة من أسفلت الشارع الزاخر بالحفر والمطبات الصناعية ويضغط بجهد بيده اليمنى على الهاتف لسماع مايقوله من كان على الطرف الآخر في المكالمة.
كانت تلك اللحظات كفيلة بأن تفتح باب الذاكرة على سنوات بعيدة، بعيدة جداً؛ عندما كانت شابة ممتلئة حياةً وحيويةً ومرحاً. كانت تضحك بإفراط كما هي الآن تحزن بإفراط! يا الله كم بدت بعيدة عن تلك الفتاة التي لم تكن تكف عن المزاح ! أعادتها اللحظة إلى عامها الأول في الجامعة؛ حين كانت تخرج مع صديقتها وسن إلى مكتبة المجلس الثقافي البريطاني في الوزيرية تستعير الكتب وأشرطة دروس اللغة الإنجليزية، وتتبادلان الحديث بلغة لايفهمها سواهما. تجلسان في تلك الحديقة الصغيرة وتشربان القهوة بالحليب مكتفيتين بتبادل الابتسامات بدلاً عن الكلام. كانتا تطلقان على تلك الرحلة "الشوبنك" في إشارة للكتب وأشرطة اللغة والموسيقى. تتقاسمان ترجمة الكتب المبسطة والأغاني اللاتي كانتا تستعيرانها من المكتبة في سباق جميل مع الزمن: الأسرع بإنهاء النص تكون لها الأولوية في اتخاذ قرار خطة طريق العودة إلى البيت وأسلوب التعاطي مع الناس في الباص والشارع. كانت صديقتها مهووسة بالترجمة بينما كانت هي تفضل الاستمتاع بالقراءة وتسجيل ملاحظاتها على ما تقرأ، لذا كان اختيار طريق العودة  على الأغلب من نصيب وسن؛ لم تكن تعترض لكنها كانت تجد طريقة ما لجعل الطريق يأخذ مساراً آخر يخرجه عن تقليديته. كانت تتظاهر بأنها لا تتكلم العربية وأنها طالبة إسبانية أتت لدراسة اللغة العربية.  لم تكن بحاجة لبذل الكثير من الجهد لاثبات ذلك .فشعرها الطويل الاسود المنسدل بلا تشذيب وبشرتها القمحية الشاحبة وجسدها النحيل و تنورتها الطويلة الواسعة المشابهة لتنورة راقصة فلامنكو والصندل الذي تفضل لبسه معظم أيام العام يجعلها تبدو كذلك . لم تكن تكترث لملاحظات أمها وخالاتها وصديقاتها وهن يحثنها على الاهتمام بملابسها وتسريحة شعرها ووضع القليل من المكياج  وارتداء حذاء بكعب ولو بين حين وآخر .. كانت ترد بابتسامة أو  تقول: "إنني مرتاحة بشكلي هذا".
كانت تحسن لفظ بعض الكلمات الإسبانية وتتصنع لفظ الكلمات العربية بصعوبة وتمعن في اختيار تلك التي يكون فيها حرف حاء  لتلفظه خاء! ترددها  منتظرة ابتسامة من يسمعها. وقد تذهب بعيداً في مشاكسة صديقتها فتوجه لجابي الباص كلمات هي خليط من  الإنجليزية والإسبانية والفرنسية، تشعر وسن بالإرباك، فتضطر لمسايرتها والعمل مترجمة لها فتسرع للتدخل شارحة أن صديقتها تسأل عن الطريق أو عن مشهد ما في الشارع. تبتسم حين ترى صديقتها وقد احمرّت وجنتاها مع نظرات جانبية متوعدة بالرد في مناسبة أخرى. كانت تتجاهل غضب وسن و تهز رأسها حين يتكلم الجابي أو يتطوع أحد الركاب للشرح وتقوم وسن بترجمة ما يقال باللغة الإنجليزية مع فواصل من الشتائم بلغة لا يعرفها أحد سواهما. أكثر ما كان يثير صديقتها هو عنصر المباغتة، إذ لم تكن قادرة دائماً على توقع الشكل الذي تقرر أن تكون عليه صديقتها حين تكونان مع غرباء في الشارع أو الباص أو حتى الجامعة !
ابتسمت ابتسامة شابها حزن عميق؛ وكأنها توشك على البكاء. يالله ما الذي حدث لنا! لي ولها ولكل من نعرف ومن بقي على قيد الحياة أو في البلاد!! شعرت أنها وحيدة تقود سيارتها في شوارع شبه مهجورة؛ وحيدة تماما. اشتد المطر لكنها لم تفكر بالعودة إلى البيت. كانت تريد أن تكون مع ذاتها فقط؛ ليس أن تكون وحيدة حسب بل منفردة كليا مع ذاتها، أن لا ترسم إبتسامة أو تتظاهر بالتعب كي لا تضطر لشرح ما لا يشرح ! أن لا تجيب عن السؤال اليومي لزوجها: خو ماكو شيء؟. فتجيب ماكو شيء بس شوية تعب !
تذكرت صوت وسن التي مات طليقها وحيدا بالغربة ولم تعرف بموته إلا بعد أكثر من عام. أخبرتها أنها كانت تصحو كل صباح متوقعة أنها سوف تقرأ خبر موته ما أن تفتح الفيسبوك.
" كنت اشعر بالخجل من مشاعري تلك، بل وأشعر بالذنب من حملي تلك المشاعر !"، حاولت الإبقاء على صوت وسن وهي تكلمها بصوت عميق عبر الهاتف.صوت حمل رائحة فجيعة قديمة لم تعد تصلح لذرف الدموع .
قالت إنها لم تشعر بغضب أو حزن حين عرفت الخبر من عمة طليقها التي التقتها  مصادفة في سوق  مولوي في السليمانية، و أخبرتها أن نوبة قلبية داهمته في شقته في مالمو .كان يتحدث مع صديق له على الهاتف حين سقط على الأرض فجأة. تدفق الذكريات لم يوقف صدى كلمات الأغنية التي استمرت تتردد داخل روحها "بس تعالوا  صرتوا بس ذكرى عزيزة  ما تغيب .. صرتوا بس جروح بينا ما تطيب"؛صوت وسن يخبو مبتعدا والأغنية لا تتوقف. صوت الهاتف النقال يرن في حقيبتها. تنتظر أن يتوقف لكنه يواصل الرنين من دون توقف؛ اتصال بعد آخر .
تعرف أنه يتصل ليطمئن عليها. غادرت بيت ولدها منذ أربع ساعات. لكنها لا تجد العزيمة للرد والكلام. لا تريد سوى  أن تترك لوحدها؛ أن ينسوها ليومٍ واحدٍ، وأن يكفوا عن القلق عليها.
احتاجت إلى وقت طويل لتعرف أنها في كمب سارة. كان بمقدورها تصور ابتسامتها التي تظهر فجاة من أقبية الروح لانتشالها من نوبة الصراخ غضبا أو الانهيار ألماً.  على مقربة من كراج الأمانة شاهدت شابا يعرض أنواع السجائر ويقف تحت مظلة باص مهجورة. وقفت قربه وقالت: "أنطيني أقوى نوع".
ناولها علبة سكائر مارلبورو. انطلقت قبل أن يفلت سؤالها :"هل تنتظر زبائن في المطر ؟".
على الجانب الأيمن من الخط السريع لشارع "محمد القاسم" كان صدى الأغنية يدفعها إلى أن تدخن في السيارة،  وهو ما لم تفعله من قبل: أن تدخن في  السيارة أو بمكان مغلق . لقد تركت التدخين منذ ثلاثين عاما حين حملت بابنها البكر.
زاحمها على الممر شباب يقودون دراجات نارية. كان عددهم كبيرا .فكرت ...إلى أين يتجهون في هذا الجو الممطر؟! شعرت بالخوف عليهم ومنهم في الوقت ذاته!    كانوا بأعمار أولئك الذين افترشوا الطريق بضعة أيام تحت البرد والمطر منذ عام مضى لحمل الحكومة على الاستقالة. فكرت: ربما  من نجا منهم من بين هؤلاء الذين يقودون دراجاتهم الآن!
لاحت لها من بعيد النشرات الضوئية لمرقد الشيخ عبد القادر الگيلاني. فكرت أنه نداء المكان ؛ "هل بمقدوري الدخول، ربما ينقطع سيل الحزن هذا ويتوقف صدى الأغنية! قد تكف روحي عن الجزع وأكون "قادرة على الإمساك بزمام قلبي و"أن أكون بوابة على باب قلبي!". *  ابتسمت من سذاجتها. في هذا الوقت المتاخر! لم يمنعها هذا من المرور ببطء شديد قرب المكان. لم يكن الشارع خاليا من المارة برغم المطر.؛ رجال ونساء وقف بعضهم لصق الجدار يحمل ما يأكله وآخرون كانوا يسيرون يغطون رؤوسهم بقطع نايلون، في حين كانت بضع سيارات نقل عام صغيرة تقف منتظرةً ركاب نهاية يوم كان صباحه باردا ونهاره مشمسا ومساؤه ممطرا !
كانت ساحة الخلاني تنتصب وحيدة مهجورة، دارت حولها مرتين. كانت تريد كسب مزيدٍ من الوقت لتقرر ما تفعل. إنها المرة الأولى لها في هذا المكان منذ أشهر طويلة. كانت تترك سيارتها عند خيمة مسعفين شباب  خلف ثانوية العقيدة للبنات، كانوا من طلاب وطالبات المجموعة الطبية يتناوبون على إسعاف الجرحى والمصابين من جراء الغازات المسيلة للدموع، التي تطلق من وراء الحاجز الذي يفصل بين المتظاهرين وقوات الأمن على جسر الجمهورية.  كانت تجلب إليهم بعض مستلزمات الإسعافات الأولية وأحيانا بعض الأطعمة الجافة لتقديمها لخيم شباب أتى بعضهم من الديوانية ومن الناصرية والسماوة والعمارة واتخذوا من سور المدرسة ومن ضفة نهر دجلة في شارع أبي نؤاس مستقرا لهم بعد أن اكتظت ساحة التحرير وتفرعاتها بمئات الخيم .تترك سيارتها عندهم وتشق طريقها بصعوبة بين الحشود وعربات "التكتك" المسرعة لنقل المصابين. تصل عند نصب جواد سليم فترى وجوها تعرفها وأخرى صارت مألوفة لديها، تعمل بجد لتنظيف المكان وأخرى تعد الطعام؛ في حين كانت مجاميع تنظم حركة سير المواكب القادمة من ساحة النصر ومن ساحة الخلاني ومن  تقاطع النضال وهي تحمل أعلامًا عراقية ويافطات حملت مطالب "التغيير" وصور الشهداء الذين يزداد عددهم يوما بعد اخر . 
كانت ساحة الخلاني شبه خالية من السيارات. لم تر أحدا يسير في المكان. مرت أمام فرع مصرف الرافدين في الباب الشرقي. تذكرت حين زارت المكان لأول مرة في الصباح، رأتهم ملتفين ببطانيات تبرع بها أناس لا يعرفونهم. كانوا  ينامون لصق جدار المصرف لحمايته من التخريب والسرقة. ما زالت تتذكر اليوم جيدا. كان ذلك في التاسع  والعشرين من تشرين الثاني. النعاس يلف العيون بعد ليلة ملؤها الدخان والرصاص وحركة "التكاتك" المسرعة لحمل جرحى الرصاص الحي والمختنقين بالغازات المسيلة للدموع. حصدت القنابل المسيلة للدموع رؤوس شباب اكتظت بهم مستشفى الجملة العصبية. قوات مكافحة الشعب يتناولون  فطورهم بهدوء على جسر الجمهورية. بعض الشباب نائمون،  وآخرون ذهبوا لتوديع من قتل إلى النجف. كان "صفاء ابن ثنوة "فجيعتهم العصية على النسيان.
كانت تتفقدهم صباحا في الأيام التي لا يكون لديها عمل في الصباح و تمر عليهم بين انتهاء ساعات العمل والعودة إلى البيت. كانا يتناوبان على تفقدهم هي وزوجها من دون أن يخبر أحدهما الآخر بما يفعل. كان يُخبئ عنها زياراته اليومية لهم محملا بعلب الكمامات و صناديق الكولا للتخفيف من آثار القنابل المسيلة للدموع. أخفى عنها سبب ضيق تنفسه. لم يخبرها بالدخان الذي استنشقه وأصاب رئتيه. كان يُخبئ دموعه بصعوبة وهو يتابع أخبار الشباب في ساحة التحرير وفي الحبوبي ومجسر ساحة العشرين والساعة وفلكة التربية والبحرية ووو ... وكانت تتنقل في أرجاء البيت حاملة الهاتف النقال لمتابعة الأخبار . حفظت الأسماء والوجوه والأراجيز والهتافات والشعارات والنكات، ما قالته الأمهات والآباء المفجوعون بأطفالهم القتلى في المستشفيات وباحات الطب العدلي ووو...
سألتها حفيدتها تلك الأيام: شوكت نروح ننطي خبز للنوارس؟
-ماكو نوارس هذه السنة!
- زعلانين من عدنا؟
-لا حبيبتي بس انتقلوا لغير جسور.
-انت مو تعرفين كل الجسور ؟! خلينا نروح وراهم .. ناخذلهم خبز
-راحوا بعيد .. بعيد جدا..
- بيبي أكو عدنا غير هذا النهر بالعراق؟
تنفست بعمق لسماع سؤال حفيدتها فقد وجدت فيه حبل إنقاذ للخروج من مأزق  اللحظة – إي حبيبتي عدنا  نهر ثاني اسمه الفرات .
- الفرات بعيد عن بغداد؟
- لا، مو بعيد . من يجي بابا اطلبي رسمة كوللش حلوة بيها طريق دجلة والفرات .
لم تكد تشعر بالارتياح لتغير الموضوع حتى احكمت حفيدتها الطوق عليها حين قالت : إذا الفرات مو بعيد خلينا نروح للنوارس. يجوز راحت لهناك؟
أجهزالجزع عليها وهي ترد : "مانكدر نشوفها ..  راحت بعيد ومحد يگدر يوصل لمكانها".
الشعور بالذنب يحاصرها؛ لماذا أخبرت حفيدتها بأن لا أحد يستطيع الوصول إليها /إليهم! 
بدت بناية المطعم التركي مجرد خربة صماء خالية من ضجيجهم وضحكاتهم ومناكافاتهم لقوات الشغب التي تحرس جسر الجمهورية بحرص وحماس لم تشهده حتى حدود البلاد في أصعب الأوقات. اختفت الأعلام واليافطات والأغاني والأناشيد والبيانات المنبعثة من مكبرات الصوت المثبتة على منصة المطعم؛ صمت لايضاهيه في الانكسار غير وجوم دجلة بجسوره المثقلة بالإهمال والحواجز الكونكريتية والجنود.
اختفت يافطة "جبل أُحد"من أعلى بناية المطعم التركي وحلّت محلها يافطة كبيرة كتب عليها  "متحف تشرين"! رددت مع نفسها:صاروا متحفا!
صرخ بها من بعيد جندي يحمل كوب شاي ورقي: "ارجعي .. الجسر باتجاه واحد".
لم يكن في نيتها عبور جسر الجمهورية. استدارت حول ساحة التحرير. لم تنظر إلى نصب جواد سليم. كانت لا تريد رؤية اليافطات والصور التي ازدحمت بها باحة النصب والخيم التي زرعت في حديقة الأمة. تجنبت أصوات طلاب وطالبات الجامعات بقمصانهم البيض وحناجرهم تهدر خارجة من النفق: "هذه شبابك ياوطن هاية" هذه بناتك ياوطن هاية.
نموت عشرة نموت مية أني قافل عل القضية".
دخلت شارع الرشيد لا تعرف كيف تخرج من المكان الذي لم تجرؤ على أن تكون فيه منذ آذار 2020. عاد الهاتف النقال إلى رنينه. وقفت على مقربة من  نقابة الفنانين. نظرت إلى بقايا صور رسمت على جدار قبالة بناية النقابة، رأت يوما فتيات بزيهن المدرسي وهن ينظفن الجدار ويعدّدنه للرسم.
ما زال يواصل تكرار محاولات اتصاله. تخيلت وجهه وهو يحاول السيطرة على قلقه وغضبه. ودّت لو أنها نسيت الهاتف في بيت ابنها كي تجنبه وتجنب نفسها صعوبة اللحظات هذه. خافت من أن تنهار باكية حالما تسمع صوته !
شارع الرشيد موحش.  لو أنها لم تستجب لنداء الشيخ " أن تكون بوابة لباب قلبها" وواصلت طريقها على جسر محمد القاسم إلى الوزيرية ! لربما كانت ستنشغل بتخيل انعكاس أشعة الشمس في الصباح الباكر على الشواهد المرمرية في مقبرة الجنود البريطانين  ومنظر الطلبة الذين يغذون الخطى باتجاه مجمع الكليات في باب المعظم وأولئك الذين يقطعون الشارع باتجاه أكاديمية الفنون الجميلة.
لم تعد قادرة على تحمل رنين الهاتف والقلق الذي تسببه له. عبرت جسر الأحرار وحين وصلت منطقة العلاوي اتصلت به: "أنا بالطريق.."
سأل بقلق واضح: "شبيه صوتج؟ خو ماكو شيء"
-"لا ماكو شيء . بس شوية تعب".

بغداد 8 اذار 2021



المشاركة السابقة