جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


في اول طبعة عربية عن الإسبانية..ثلاثة نمور حزينة.. ليست رواية أنها مزحة كبيرة مكتوبة


المحرر

الفن الروائي شهد تحولات ارتبطت بالتجريب في الرواية، والذي برز مع روايات مثل  "البحث عن الزمن المفقود"  للروائي الفرنسي مارسيل بروست و"ويوليسيس"  للايرلندي جيمس جويس،  و"السيدة دلاواي"  للروائية الانكليزية فرجينيا وولف، والتي اعتمدت على استبطان شخصيات هذه الروايات، بتمظهراتها الوجودية والنفسية.
ولكن ما احدثته مجموعة من كتّاب الرواية الشباب في الستينيات في أمريكا اللاتينية  عندما وضعوا من خلال أعمالهم نهجاً عُرف بـ "البوووووم"، سرعان ما اتسع نطاقُه وتعددت صورُه وألوانُه حتّى أحدث ثورة وانقلاباً في الرواية الحديثة.
فقد قام غارثيا ماركيز الكولومبي وبارغاس يوسا البيروفي وكورتاثار الأرجنتيني وكارلوس فونتيس المكسيكي وسواهم ثورة في عالم الرواية، موجّهة إلى لغتها ومضمونها وهيكليتها. فما عاد الأمر يتعلق بالقواعد الأرسطية من بداية وعقدة وحلّ، بل لقد تمردت على هذه القواعد، فلم يعد سرداً خالصاً، بل صرنا نسمع عن خيال سحري وتاريخي وميتافيزيقيا وفنتازيا. ويُجمع الكثير أن الثورة الكوبية عام  1959، كانت الحجر الذي حرك سكون الرواية، بكلّ ما مثلته من انقلاب على الواقع السياسي والاجتماعي والفكري في كوبا وفي أمريكا اللاتينية.
لكن غيرمو كابريرا إنفانته في روايته "ثلاثة نمور حزينة" ، الصادرة مؤخراً عن دار المدى، بترجمة عربية أولى عن الإسبانية، للمترجم العراقي بسام البزاز، قد تجاوز في انقلابه كلّ انقلاب، وتخطى في تجديده كلّ حدود البوووم.
فالرواية التي مُنعت حين صدورها من قبل الحكومة الإسبانية، ولم تجد طريقها إلى النّشر إلا في عام 1967، والتي اجبرت كاتبها على العيش منفياً في لندن، تعد واحدة من أهم أعمال كابريرا، التي توجته روائياً  أصيلاً، حيث قدم عملاً غير محتكم لتقاليد الرواية الأوروبية، يقوم على رسائل ويوميات خاصة، واعترافات وبعض المونولوجات.
مهّد المترجم للرواية بمقدمة طويلة، فنصُ كهذا، كما يرى المترجم ،لا بدّ من أن يتحوّل المترجم فيه إلى شارح ومفسر. وهو مافعله المترجم بسام البزاز، "ولم يفعله ذلك المترجم الفرنسي والمترجمة الأمريكية إلا لماماً"، كما يقول البزاز، ويضيف: راعيتُ، في ما عدا ما ذكرتُ بشأن رؤيتي في معالجة الإشارات، أسلوب المؤلف وقواعده في الكتابة والتنظيم والقطع. "واحترمتُ تنقله بين اللغات، واجتهدتُ في رسم أجوائه وعكس روح أبطاله. ونظرتُ في الكثير من المقالات النقدية وكتب الأدب التي تحدثت عن الرواية والمؤلف، وقد أشرتُ إلى بعضها في الهوامش، وقد ساعدتني في فهم العديد من النقاط الغامضة وفي توسيع دائرة تصوّري للعمل ولمراد كاتبه".
عدها النقاد الاميركيين تحفة، فهي من أكثر الكتب المرحة التي تصل إلى الولايات المتحدة من كوبا كما يقول النقاد. فالرواية مليئة بالتورية والتلاعب بالألفاظ، وباعتبارها أكثر حداثة وأكثر جاذبية وأكثر مرحًا. وهي تعتمد على ذكريات رجل منفصل عن بلده وشبابه، ورؤية ساحرة للحياة عن العديد من الشخصيات الموجودة في مجتمع هافانا المليء بالحيوية قبل كاسترو.
اختلف النقاد في تقيم الرواية، فمنهم من يضع الكتاب في قائمة ما يُعرف بالنصّ المفتوح على كلّ احتمال وباب، المفتوح على كلّ نافذة ودرب، ومن هنا انقطاع حبل التواصل بين المؤلف والقارئ، ومن هنا دعوة المؤلف القارئ أن يدلو بدلوه في بناء مفتوح يجدَ القارئ فيه نفسه وحيدا أمام النص. ومن هنا أنّ يكون النصّ حمّال أوجه وتفسيرات ورؤى.
تنطوي هذه الرواية ، المصنفة على أنها "يوليسيس" الكوبي ، مجموعة من التقنيات الأدبية لتصوير مكان يتحلل ، "لأن الجمال وعمر العشرين والجوع الشامل يمثلون الكثير ساعة التنافس على حيازة هافانا." (ص 189) ). لدينا رواية بضمير المخاطب الأول والثالث ، وألعاب كلمات ، وصفحات فارغة وسوداء تمامًا ، وسلسلة من الحكايات كتبها كتّاب متخيلون عن اغتيال تروتسكي ، وجمل مفردة تغطي العديد من الصفحات .
وابتداءً من العنوان كما يقول المترجم: يبدأ اللعب واللعبة، فثلاثة نمور حزينة "هي، في حقيقتها، الجزء الأول من جملة مصنوعة، مجردة من كلّ معنى، بناء لا يقصد لمعناه بل لكلماته التي تمثّل، بتتابعها وقراءتها قراءة سريعة، تحديا لفظياً يصعب على المرء تنفيذه واجتيازه بسبب تقارب مخارج الأصوات التي تؤلف كلماته."
مع ذلك فإنّ الكتاب يستند إلى بعض العناصر السردية، فنحن أمام ثلاثة أبطال أو أربعة يتحركون في هافانا 1958، عشيّة الثورة، في باراتها ونواديها الليلية وأجوائها الضبابيّة، يحيون حياة بوهيمية قوامها الموسيقى والغناء والعربدة والكلام. خصوصاً الكلام، الذي يحاكون فيه نهجاً اختطه لهم من يدعونه (بوستروفيدون)، وهو نهج يعتمد تحريف الكلمات وتقليب الكلام واللعب به. وهم: سلفستري: الكاتب، أرسنيو كوي: الممثل التلفزيوني والمثقف الفوضوي، كوداك: المصوّر الذي يجوب الكباريهات لتصوير الفنانين والاستعراضات، إريبو: عازف الطبلة. بالإضافة إلى مجموعة من النساء اللائي يمثلن الأدوار المكمّلة بإزاء مجموعة الأبطال الذكور.
فالرواية تتبع أساسًا الممثل ، الموسيقي ، الكاتب و المصور ، كلهم يطاردون الفن ، يطاردون الإيقاع النهائي ، الكلمة المفقودة ، الصورة الحاسمة. فإلى جانب هذه الشخصيات الأربعة "الأساسية" التي تحضر بشكل كبير في الرواية ، لكن هؤلاء ليسوا اللاعبين الوحيدين هنا ، فهذه رواية مليئة بشخصيات محلية غنية ، فبوتقة هافانا تتسع لكل هؤلاء.
ومن قال إنّ "النمور الحزينة الثلاثة" رواية؟ يتساءل النقاد: حيث يصفونها إنّها رواية مجزأة أو رواية كولاج. بينما ينفي المؤلف عن الكتاب صفة الرواية: " إنّ تصنيف هذا الكتاب على أنّه  "رواية" هو من فعل الناشرين. أنا لا أشعر بالارتياح، حين أتعامل مع هذا النوع من الكتب على أنّها روايات..  أتمنّى أن ينظر القارئ إلى هذا "الكتاب" بوصفه "مزحة كبيرة مكتوبة، مزحة تقع في 500 صفحة".



المشاركة السابقة : المشاركة التالية