جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


إلين شوالتر وتحقيب النقد الأنثوي


د. نادية هناوي

إلين شوالتر Elaine Showalter إحدى منظرات الأنثوية النسوية في أمريكا وهي صاحبة خط في النقد النسوي، فيه يتجلى منظورها الى الأنثوية كنظرية نقدية وسمة اصطلاحية دالة على معنى بايوـ جينالوجي. أما النقد النسوي feminist criticism  فيدل على خصائص وقيم أخرى ثقافية وإيديولوجية جديدة تصب في صالح المرأة.
ولقد اتخذت شوالتر من التخصص بالأنوثةwoman hood    منظورا لنسوية تضاف إلى منظورات نسوية أخرى كثيرة. وفي الوقت الذي لاقى منظورها هذا اهتماما بحثيا، فإن انتقادات مختلفة وجهت إليه.
ومعلوم أن المرحلة التي انتمت إليها شوالتر كانت قد انتمت إليها باحثات نسويات أخريات ولكنهن ذوات منهجيات نسوية مختلفة، ومنهن الناقدة الفرنسية لوسي ايريجاري التي تميزت بمنهجها في التحليل النفسي متأثرة بجاك لاكان وطروحاته الفلسفية حول المرأة وخصوبتها، ومنهن أيضا الفيلسوفة الأمريكية ساندرا هاردنج صاحبة منهج فلسفة العلم، والباحثة النسوية ليندا جين شيبيرد صاحبة منهج أنثوية العلم والداعية إلى نسوية ميثودولوجية وغير ذلك كثير.
بيد أن الذي ميز الين شوالتر عن غيرها من النسويات هو تركيزها على الأنثوية كجينالوجية جنوسية مستندة إلى تاريخ الطب الذي ساعدها على تعزيز نقدها للاختلافات الجنسية بين الرجل والمرأة.
وهو ما تمثل في النقد الأُنثوي Gynocriticism وقد استعملته لأول مرة عام 1979 في مقالها "نحو شعرية نسوية". للدلالة على النقد الذي يهتم بجينالوجية الدراسة النسوية للأدب الذي تكتبه المرأة وبناء إطار أنثوي لتحليل هذا الأدب ودراسة ما فيه من موضوعات ووعي داخلي يكشف عن الثقافة الفرعية الأنثوية وكيفية تطوير نماذج جديدة تستند إلى دراسة تجربة الإناث عن كثب بالتركيز على الجنس الأنثوي كألفاظ وأفعال وصور وتجارب أيديولوجية وتاريخية وتقاليد أدبية في الكتابة النسوية مع متابعة الجديد مما يتعلق بالنساء ذوات البشرة الملونة على غرار تركيز سيغموند فرويد على الجنس والذكورة والشذوذ الجنسي.
والنقد الأنثوي مشروع يرسخ النزعة الجينية في النسوية ويجعل أدب المرأة منتجا للمعنى كجندر ولغة وأمراض وتاريخ وتقاليد. وهذا النقد بمثابة رد فعل على صرامة البنيوية وتجريبية العلم وكمفتاح معرفي لسبر النسوية بآفاقها الإستراتيجية وبروتوكلاتها الإبداعية وأبعادها في تنمية الذات والمجتمع.
وتتبعت شوالتر تاريخ النقد الأنثوي فوجدته يدين بالكثير لفرجينيا وولف بمقالها(A Room of One's Own 1929) ، وفيه قدمت وولف العديد من الموضوعات التي أصبحت حيوية للنقاد النسويين. ومنها أن الفن ليس نشاطا فرديا وشخصيا، بل هو منتج جماعي تتم صياغته بشكل رومانسي فيدمج مجازيا "الغرفة" التي هي مكان أنثوي وملاذ اجتماعي بالمرأة التي هي كيان له إمكاناته أو ذات يستبطن النقد مشاكلها التي تواجهها في حياتها المهنية. وهو ما نجده منعكسا في خطابات النساء بدءا من روائيات القرن التاسع عشر كجورج إليوت وشارلوت برونتي وجين أوستن واستمرارا إلى اليوم.
ونقلت شوالتر عن وولف مجادلاتها حول اللغة وأن الكاتبة يجب أن تكتب على أنها كاتبة وكامرأة لها جنسها. وحاولت جاهدة أن تكون على دراية بالآثار المنفردة والقمعية للأساطير التي دارت حول النساء وبالشكل الذي يمكن من اكتشاف مفهوم جماعي للذات من شأنه أن يبرز بنيات الهوية التي هي سمة من سمات الكتابة النسوية والاهتمام بالغربة الناتجة عن قمع المرأة واضطهادها داخل المجتمع الذكوري.
ومن بعد وولف تأتي سيمون دي بوفوار التي استكشفت العديد من الطرق التي يتم من خلالها معرفة المرأة، ووقفت شوالتر عند أهم أعمالها هو( The Second Sex 1949). وتؤكد دي بوفوار أن التقييد والمنع لا يمكن تجنبه في ثقافة يسيطر عليها الذكور. وهي ترى أن المجتمع الغربي عمومًا هو مجتمع أبوي، يحرم المرأة من حرية التعبير. فتغدو المرأة أخرى، ولا يُنظر إليها على حقيقتها بل يُنظر إليها بحسب احتياجات الذكور وتوقعاتهم وحتى النساء اللواتي يُنظر إليهن على أنهن "مستقلات" ما زلن يتأثرن سلبًا بأفكار المجتمع الذكوري وعلاقاته.
والاختلاف الذي درسته دي بوفوار وغيرها من الكتّاب النسويين يكمن في المرأة كهوية تتسم بالانفصال. ومن ثم تتشكل المرأة من خلال نظرة الرجل إليها جسدا. وتحتل هذه النظرة مكانة في تقاليد الفلسفة الغربية. ووجدت شوالتر أن نهج دي بوفوار ينحو منحى النموذج الماركسي في تأكيده على النظام الطبقي الاقتصادي والسياسي الذي يميز النساء في الأدب على أساس جنسي كانعكاس للقمع الاجتماعي والاقتصادي العام للمرأة. ولأن الفن محاكاة يغدو الأدب النسوي انعكاسا لما في المجتمع من تمييز جنسي للمرأة تسود فيه ثقافيًا الرؤى الذكورية.
والمفكرون الغربيون ـ وهم عادة من الذكور ـ يعبرون عن مواقفهم الفلسفية من منطلق اعتبار الذكورة أساسية وعالمية ومركزية.
ورأت الين شوالتر أن ما حاولته كل من وولف ودي بوفوار هو مركزة النقد النسوي والفلسفة النسوية تحديا للفضائل الذكورية النمطية من خلال إستراتيجيات يتبناها العديد من النقاد النسويين وهي إستراتيجية تحدد موقع الرجال والنساء ضمن سياق أكبر مختلف إلى حد كبير لكنه مترابط. على الرغم من أن الرجال هم السادة بموجب قواعد الجنس، إلا أنهم ليسوا أحرارًا ، لأنهم مثل النساء يظلون تحت قواعد النوع الاجتماعي.
ومن بعد وولف ودي بوفوار حدثت في سبعينيات القرن الماضي حركة نسوية نحو التحليل النفسي وقراءة المرأة للرجل والمرأة للمرأة داخل الحركة. وقد تجسدت هذه الحركة ـ كما ترى شوالتر ـ في كتابات بعض النسويات مثل ماري جاكوبس وجين جالوب وجولييت ريتشاردسون.
وتم الكشف عن قيود النظريات التقليدية التي حاولت تفسير أصول الاضطهاد، وأصبح الكتاب في السبعينيات مهتمين جدًا بوضع المرأة في الخطابات الجنسية والسياسية القمعية وتأسيس الهوية بالانفصال والاتصال. من هنا وجدت شوالتر ضرورة وضع نظرية غير نمطية فطرحت النقد الأُنثوي Gynocriticism رافضة التحليل النفسي الفرويدي حول نقص المرأة مؤكدة أن الأنثى لا تعاني من نقص نفسي سببه الذكر، ولا هي تضمر له الحسد بصورة لا واعية، ولا هي تشعر بالدونية الفكرية.
وقد تابعت شوالتر في تبني منظورها نسويات أمريكيات متأثرات بكتابها "أدبًا خاصًا بهن" من ناحية نضال الإناث من أجل الهوية والبناء الاجتماعي للجنس بوصفه أيديولوجية غير محددة ومرنة بطبيعتها، وحددت حقب تاريخ النقد الأنثوي وهي:
الحقبة الأولى/ تقليدية راديكالية تتكوّن من صور أنثوية وقيم مثالية، نشأت من جراء الاضطهاد الأبوي الذي سعى إلى تعريف المرأة على أنها "أخرى". وتعد اللغة من الصور الانثوية التي بها تؤثر على أدوار المرأة في الثقافة وتربط الكتابة بجسد الأنثى وقمع المتعة الجنسية بقمع الإبداع الأنثوي بشكل عام.
وترتبط هذه الصورة بالنسوية الفرنسية ممثلة بجوليا كريستيفا وآني لوكلير وزافيير غوتييه ومارغريت دوراس وتنتقد شوالتر هذه المدرسة لأنها تميز الذكر من خلال تعزيز القيم التي تقدرها الثقافة الذكورية وتصر على أن المرأة بمجرد أن تتعلم كيف تفهم وتعبر عن حياتها الجنسية، فإنها ستكون قادرة على التقدم نحو المستقبل. وذهبت هيلين سيكسوس ولوس يريجاراي وغيرهما من النسويات الى دراسة الاختلافات النفسية الأساسية بين الرجال والنساء.. وخلصن إلى أن النساء يتأثرن أكثر بتجربة ما قبل أوديب وأن الفتاة تحتفظ بهوية أولية مع والدتها، بحيث تكون العلاقة بين الأم والابنة أقل قمعًا من علاقة الأم والابن.
الحقبة الثانية/ أيديولوجية وفيها احتجت الحركة النسوية على النظام الأبوي رافضة اعتبار الرجل هو المثل الأعلى للمرأة وإنما هي الضغوط الأبوية والتأثير الثقافي الذي يجبرها على التصرف وفقًا لهذه الصورة. وهو ما عبرت عنه نسويات هذه المرحلة بالدعوة إلى المساواة بين الجنسين بحثا عن هوية أنثوية منها هوية القارئ الأنثى وهوية الذات المتعددة غير المبنية على الجنس ولا محددة برؤية ذات بعد واحد للأنثى.
ونقلا عن روبن لاكوف فأن هناك ما هو أكثر من التحدث مثل المرأة من خلال فحص الأنماط التركيبية للأنثى النموذجية وتقييم تكرار استخدام النساء لأسئلة العلامات، وأن في لغة المرأة تنعكس العديد من جوانب عجزها التقليدي في المجتمع الغربي ومن ثم لا بد من المساواة اللغوية والاجتماعية مثل حمل النساء أسماء آبائهن عند الولادة وأسماء أزواجهن عند الزواج. وفي هذا الصراع بين خطاب الذكر والأنثى قد تكون الكتابة تجربة علاجية استباقية للتحرر.
الحقبة الثالثة/ نقدية إذ لم تعد المساواة بين الجنسين مشكلة، فصارت النظرية النسوية تهتم بدراسة التشابهات والاختلافات داخل الجنس الأنثوي بغية الحفاظ على التاريخ النسوي وإعادة اكتشاف الكاتبات المجهولات أو المهملات. وتنتمي شوالتر إلى هذه المرحلة، واجدة في الكتابة النسوية شكلا من أشكال التجربة العامة لثقافة الأقليات التي فيها يتساوى الرجال والنساء في التهميش من حيث العرق والجنس كما يسمح التعارض بين النسوية والذكورية بالاهتمام بالسلوك المخنث وسطًا بين الاثنين الذكر والأنثى. ومصطلحها النقد الأُنثوي  Gynocriticismهو بمثابة نظرية أدبية جديدة نسبيًا وفيها يتم تجاوز المرحلتين الراديكالية والأيديولوجية من خلال الاهتمام بطبيعة النشاط الأنثوي وعلاقة الجنس بالكتابة وأهمية الاختلافات بين النساء أنفسهن من ناحية اللون والعرق وتأثيرات القرابة والتنظيمات العائلية. وأن من الخطأ افتراض وجود تجربة أنثوية عالمية واحدة أو كتابة واحدة من دون فهم دلالات المعرفة والجنس والقوة والكتابة.
أما اعتبار الحياة الجنسية للمرأة السوداء طبيعية وبدائية وخالية من الموانع الثقافية التقليدية فتراها شوالتر مجرد تذرع لتبرير الاعتداء الجنسي على النساء السود وعدم احترام خصوصيتهن واجدة في التعامل العنصري مع النساء ذوات البشرة الملونة صورة متجذرة بعمق في التاريخ الاستعماري للحضارة الغربية.
ومن ثم لا يمكن للنساء البيض المشاركة في حوار مثمر مع النساء ذوات البشرة الملونة حين يتجاهلن هذه الصورة من التعامل العنصري.
ويضاف إلى هذه الصور صورة أخرى داخل الحركة النسوية، يهتم بها النقد الأُنثوي تتعلق بالنساء الشاذات جنسيا اللواتي يعتبرن أنفسهن مستعبدات تماما مثل النساء ذوات البشرة الملونة، ليس فقط من قبل فئة الذكور البيض المهيمنة لكن أيضًا من قبل فئة الإناث البيض.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية