جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


كَدَمَاتِ الرُّوح النِّسائيَّة


رشا فاضل
بَعْدَ ثلاثةِ أعوام ٍمِن هِجرتي إلى بريطانيا وتجربة العَيشِ في بيئةٍ صِحيَّة ومُسالمة، بَدأتُ استعيد بِشكلٍ لا اراديّ تَجربة النِّساءِ اللَّواتي مَرَرَن فِي حياتي وتقاطعتُ مَعَهنَّ كصديقات، وجارات، وقريبات، وعابِرات، وعدوَّات وعاشقات مخذولات..
لا ابالغُ إذا قُلتُ إنَّ كدماتهن كانت تظهر على جِدار رُوحي بِشكل ٍيُنافي المنطق وأنا أعيش في المَلاذِ البريطانيِّ الآمِن وكُنتُ أحاول كعادتي أنْ افهَم سِرَّ هذا الظُهور مِن بَوَّابةِ عِلمِ النَّفْس والفَلسفات الرُّوحيَّة المُختلفة وَوَجَدْتُ أنَّ مَرحلة التشافي النَّفسيّ والرُّوحيّ لا تَتمّ الاَّ بِمُواجهة ذلك التَّاريخِ الطَّويل مِنَ الأسى.. وسأسميَّه الأسى النِّسائيِّ بامتياز احقاقاً لتجاربهنَّ القاسية التَّي ماتزال وستظلُّ تتمدَّد على خرائط ِالشَّرقِ الأوسط الَّذي يمتهنُ كرامة النِّساء بِكلِّ مَطَارقِ القانون وفُؤوس الأعراف والوِصايات الأبويَّة الَّتي لَمْ وَلَنْ تَبلغ سِنَّ الرُّشْد..
لِذا وجدتني اواجه كُلَّ يَوم ٍتِلك التجارب.. الحَكايا المختبئة في ادراج بوحِهنِّ السِّريَّة..
فتَحضُر أمامي تلك الصَّديقة المخذولة الَّتي لَمْ تشفع لها شَهادتها العُليا مِنَ الوُقوع فِي خَيبة ِالحُب لا لشيء إلا َّلأنَّ مَنْ احبَّته كان جباناً شرقيَّاً آخَر يعيش ازدواجيتَّه الموروثة بتصنيفه النساء إلى صنفين الأوَّل للحبيبات العاشقات المُترفات بالوعود والأوهام والأغنيات والرسائل والدموع والمواعيد المحمومة.. والأخر للزوجات البليدات المنذورات للوظيفة الزوجية وادارة ماكنة الانجاب والموكلات بحفظ النسل واسم العائلة وشرفها الورقي.

وتَتَوالى مشاهد الخُذلان في ذاكرتي..
ألَمُها العظيم الَّذي كُنتُ شاهدةً عليه وعاجزة ًعن وضعِ ضمَّادة صبرٍعلى جُرحها..
حيث لًمْ يكن لدَيّ سِوى الكلمات.. الشتائم العبثيَّة.. عِبارات العَزاء عِندَ كُلِّ كَبوة (سيندم صدِّقيني..)
نَعم سَيندم بَعدَ فَواتِ الأوان لَكنَّه لَنْ يُخبرها بذلك.. فَهذا جُزءٌ مِنْ تكوينه الغير سَويْ الَّذي نشأ عليه..
حاولت أنْ أحدثها عن النُّورِ في نهايةِ النفقِ.. وكُنتُ أُدرك مِثلها تماما ً أنَّ النًفق طًويل ولاضوء في نهايته..
فًهو نفقٌ محفوفٌ بالوصايا القبليَّة والتلفيقات الدينيَّة والأكاذيب التي تبدأ بالشَّرف الذي لمّ يكن أكثر من قشرة خارجيَّة تبدأ بحجاب الرأس وتنتهي بجوارب القدم خوفاَ من أنْ يطأ ناظرٌ قدميها حتى لو كانت مليئة بالشُقوق وكالحة جرَّاء خدمتها المنزليَّة لإثبات جدارتها بالفوز بصكِّ الزوجيَّة من ذلك المقدَّس في خطاياه.. وهو جزء من حسن السيرة والسلوك في أدائها الحياتيّ حتى يشاء الله، وتختارها احدى الامَّهات وفقاً لمقاييس الحشمة الظاهريَّة وقدرتها على الخدمة لتكون زوجة لِوَليِّ عهدها.
وإذا حالفها الحظّ سَتدخُل بَعدَ الفَوز بذلك الصكّ المُنتَظر إلى مَمْلَكَة الزَّوج الَّذي لا يحِقُّ لَها أنْ تقوم بِمُسائلتهِ عَنْ ماضيه واعتباره (غَير شريف) إذا كان لديه علاقات سابقة بّلْ إنَّ تِلك العِلاقات مَصدر فخرٍ لَهُ حتى وإنْ كانتْ مُختلقة وبَطَلتها تِلك المرأة الخياليَّة الموجودة في تاريخ كلِّ رَجُل والَّتي (قتلت روحها) لتِفوزَ بِهِ..

لَيس َمِن حقَّها أنْ تُطالبه بِشيء سِوى التَّوقيعِ على تِلك الورقة وَمِنْ ثمَّ اجادة أدائها الزوجيِّ بِخِدمَتهِ وخِدمَة عائلته جميعاً، ولا أنسى ابداً كُلَّما تحدَّثتُ مع احدى الصديقات أنْ نتذكر أحد الذين تقدَّموا لِخِطبتها حيث كان سؤاله الأوَّل لَها:
(هل لديكِ ماضٍ)؟
وأصبحتْ فيما بعد هذه الجملة موضع تندُّرنا وضحكنا كلَّما تحدَّثنا وعلى الرغم من مرور سنوات على هذه الواقعة إلاَّ إنِّي بَقيت ُاتذكَّرها تَماماً بأسى كُلِّ النِّساء اللَّواتي دفعنَّ ثَمن هذه التُهمة الشَّرقيَّة ظُلماً وبُهتانا.. لكنَّ صديقتي هذه كانت تمتلك شجاعة التخلِّي فتخلَّت عن ذلك المشروع ِالوهميّ مُنذُ بدايته واحتفظت بِكرامتها وقيمتها الانسانيَّة الَّتي لا يصنعها رجُل ولا صكّ زواج مبني على الحِيَل ولا انتظار حبل خلاص يأتي من الآخر مشروطاً بأحكام العُصور الحجريَّة..
على عكس صديقتي الأخرى التَّي مَضى عَلى زَواجها سَنوات طويلة اعتادت فيها على خيانات زوجها التَّي كانت تغظُّ النَّظر عنها لتِحتفظ بِمؤسَّسة زَواج مَنخورة مِن َالدَّاخل لأنَّها لَمْ تَكُنْ تمتلك شجاعة الاعتراف والمواجهة والتخلَّي ولا حتَّى ذرَّة كرامة إنسانيَّة..
وفي مَعرِضِ الحديثِ عن الكرامة تبقى صورة صديقة أخرى حاضرة بغرائبيتَّها الَّتي ابتسمُ لَهَا كُلَّما تذكَّرتُها في ذلك النهارِ الصَّيفيّ الَّذي زارتني بِهِ لتِستشيرني فِي قَرارها المصيريّ بِقُبول الزواج من رَجُلٍ أمِّيٍ مُتزوج ثلاث مرَّات وَيريدها أنْ تكون الرَّابعة مع منحها شَرَف أنْ يكونَ عادلاً بينهم، مُستعيناً بالرُخصة الدينيَّة الَّتي اجَازَت لَهُ هذا الامتياز، طبعا ًكنت اضحك عندما قالت لِي أنَّ المتقدِّم يحمل هذه الصفات حتى شَهِقْت ُبالصَّدمة وَهي تُخبرني انَّها سَتوافق عليه!!
صُدِمت وأنا أرى وَعيها وثَقافتها وتاَريخها الوَظيفيّ المشرِّف والكُتب الاكاديميَّة التَّي ألَّفتها تنهار امامي مرَّةً واحدة!
قالتْ لِي مُستدركة صَدمتي بأنَّها تنظر لِلموضوع مِن ْناحية ٍأخرى، وَتَعتبَره مَشروعاً نَفعيَّاً مُتبادلاً حَيثُ إنَّ هذا الأُمِّي سَيُغذَّي عُقدة النقص في داخله التَّي حدَّثها عنها مُسبقا ًلأنَّه لَم ْينهِ دراسته مِنْ بابِ أنَّ أصحاب الشَّهادات العُليا يعملون تحت إمرته، وسَيصبح زَوج الدُّكتورة وهو انتصار آخر لِفحولته، فِيما سَتعتبره هي (مُلقِّحاً شرعيَّاً) يُمكِّنها مِنْ أنْ تَكون أمَّاً خُصوصاً انَّها في نهاية الثلاثينات فيما يصغُرها هو بخمسة أعوام مِمَّا يمنحها فُرصاً انجابيَّة نوعيَّة (عاليَّة الجودة) انطلاقاً من نفس المعادلة الَّتي يتعامل بها الرِّجال مع النساء حيث يُفضِّلون النِّساء الصغيرات ليتمكَّنَّ من الخِدمة و الانجاب، وقالت عن مشروعها التجاريِّ هذا انَّها حالَما تَجني ثِمار هذا المشروع ستبُادر في الانفصال وَتعيش مُستقلَّة وَحُرَّة مَع طفلها أو طِفلتها خُصوصا ًانَّها تَمتلك الحريَّة الماليَّة الَّتي تحفظُّ كرامتها، وَوَجدتني اوافقها تماماً في هذا المشروع فبعيداً عن الصورة الرومانسيَّة للارتباط وفارس الخُيول البيضاء والاغنيات والرسائل المعطَّرة والهدايا، هنالك الكثير من النساء لا يحظين  بهذه التجربة لسببٍ أو لآخر وهو أمرٌ طبيعيّ حدث ويحدث على مرِّ التاريخ ولأسبابٍ مختلفة واحيانٍ كثيرة دون أيِّ سببٍ منطقيّ، وجدتني اهتف قائلةً أنَّ هذه الفكرة عبقريَّة!
ووجدتُ الفكرة ذاتها عند جارتي وصديقتي الخيَّاطة التي لَمْ تُكمل تعليمها وتزوَّجت برجل ٍعاطلٍ انجبت منه أربعة أولاد رائعين فيما تقوم هي بخدمتهم واعانتهم بينما يواصل هو استرخائه واستمتاعه بالأرباح التي يجنيها جرَّاء منحها صك ّالزواج مستهلكا ًصحَّتها وعمرها،
وعلى عكس خِطَّة صديقتي الدكتورة، فهي مُصرَّة على الاحتفاظ به انطلاقاً من مبدأ (ظلِّ رجل ولاظلِّ حيط) عِلماً أّنَّ الحائط سَنَد لا يُمارِس اذلالنا ولا امتهان كرامتنا..

نَعمْ ماتزال هذه الحَكايا وغيرها كُثر.. تطفو على سطح ذاكرتي..
مَا زِلت أتذكَّر ذلك الألم لأنَّه ما يزال قائما ًومُقيماً.. وماتزال صديقاتي يقاوِمنَّ بالكثيرِ من الصَّبرِ والقَهر والكَدَمات ِالرُّوحيَّة وبأقصى قَدْرٍ مِنَ الصَّمتِ في الوقت الَّذي يرغبنّ فيهِ بالصُّراخِ بِوَجهِ هذا الشَّرق الظَّالم والمظلوم الَّذي لا يعرف الشَّرف إلاَّ على أجسادِ النِّساء
ويتناسى أنَّ الكلمة شرف
وإنَّ صِيانة العهود شرف..
وأنَّ الصِّدق مِقياس الرُجُولة
والإخلاص مِقياس الإيمان والخُلُق الكَريم..



المشاركة السابقة : المشاركة التالية