جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


«الدم يورث الدم» Blood will have blood


صلاح نيازي

بيقين ثابت، وحرص غيور، يشترط آبن قتيبة – من بين ما يشترط -على الكتّاب الناشئة
أن يتمعنوا في “أيّام العرب”، وإلا فصناعتهم الكتابية لا تستقيم أدواتها. كذلك يفعل عبد الحميد الكاتب وآبن الأثير الجزري.
أيّام العرب المدوّنة ذات حدّيْن فعلاً. فالكاتب الناشئ إنْ لم يتدرّع بالأمصال واللقاحات، فسيتعرّض
إلى الإصابة بعدم التقزّز من الدم. لا مراء قد يجد بعض الكتبة الكلاسيكيين، طرفة أدبية أو أملوحة
هنا وأفكوهة هناك، أو أنشودة شعرية مؤثرة، ولكنْ تحت ركامات من العنف العشوائي، والثأر المبيّت.
الغدر أخسّ أنواع القتل. تُدعى إلى خوان في خيمة، ثمّ تُطعم السيف من الخلف. تُكرّم بفنجان قهوة، فيشتعل جسدك بالسمّ، أو تُترك لتنام ليلتك، فتصبح فإذا بك فريسة مطعونة بعدة ثقوب فاغرة تشخب.
هرب أحد المسلمين من الاضطهاد إلى الجبل لينام آمناً. التقى برجل كريم العين كان يغني بالضدّ.
لم يُعلن عن هويّته، لم يُماره. صبر عليه إلى أنْ نام فغرز رمحه في العين السليمة. هكذا تنتهي
الحكاية، بلا تهوّع ولا أرق، وما للضمير من أثر.
مرّتْ شعوب أخرى بتأريخ دموي كهذا، وما تزال. وما إلياذة هوميروس، إلاّ أكبر دلتا دموية
في تأريخ التأليف. غير أن تمجيد الطرفة الأدبية، والمقطوعة الشعرية، لا يختلف كثيراً عن
ابتهاج لصّ بخاتم ثمين بمعزل عن الإصبع التي بترها. وهل يختلف كثيراً عن صدق التمثيل،
ومهارة حركة الكاميرا، في أفلام رعاة البقر؟
إدمان قراءة أدب كهذا، كالإدمان على مشاهدة أفلام رعاة البقر، سواء بسواء، أقلّ شروره
تبليد بشرية الإنسان، بحيث يصبح الدم المطلول، منظراً متكرّراً، وبالتكرار تفقد الأشياء طاقتها
على الاستفزاز والإثارة، أو كما يقول أوسكار وايلد:»المنظر المتكرر لا يثير الآنتباه».
الغريب في هذا التبلّد، ان الأمة تتواطن عليه، فيصبح وكأنْ من حيثيّتها وأعرافها وجبلّتها، لذا
فهو من أشدّ أنواع التحجر «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه»، لدرجة أن أحد السياسيين العراقيين، وكانت له اليد الطولى في إدارة دفة الأدب قبل ثورة عام 58 بالعراق وبعدها وسم شاعراً عراقيّاً بأنه:”رسول العراق للإنسانية”. وهذا الشاعر بعينه كان قد قال عندما اشتدّت الخلافات
بين مصر والعراق: «إنا سنجعل من جماجمهم منافض للسكائر». وقبل ذلك كيف نفسر أن سبعة عشر خلييفة عبّاسياً – وفي مدى سنتين- خُلعوا وهم بين قتيل ومسحول ومفقوء العين، على أيدي اقرب المقرّبين إليهم، حتى أن الخليفة القاهر، أصبح بعد أنْ سُملت عيناه متسوّلاً بأبواب المساجد ببغداد.
إنصافاً، إنّ بعض الشعراء القدامى، كرهوا الحرب، وحسّنوا السلم في النفوس، وقد يكون آمرؤ القيس، أحذق من تنبّه لسايكولوجية الحرب (وهي من زيادات نسخة آبن النحاس):
الحرب أوّل ما تكون فتيّةً
تسعى بزينتها لكل جهولِ
حتى إذا استعرت ْوشبّ ضرامُها
عادت عجوزاً غير ذات خليلِ
شمطاء جزّتْ رأسَها وتنكّرتْ
مكروهةً للشمّ والتقبيلِ”
صحيح أيضاً ان الخوارج لم يقتلوا حيواناً، إلا ان ذلك ليس بيت القصيد.
المقصود من وراء هذه السطور، هو ما الذي ساهم فيه الأديب في التقزز من الدم!
إنها لمهمة شبه مستحيلة ان نستقرئ الأدب العربي، ولا حتى آستقراء متصفح. إلاّ
أنّ فكرة لا تني تغري على القول، ولو بتحفّظ: إننا في تراثنا نحسن تصوير الضحية،
كما في المراثي الدينية، والدراما الفولكلورية، ولا نتعمّد الدخول في ضمير القاتل.
نشبعه هجوا ولعناً، ثم نهدّد مصيره بغدٍ لا بدّ آت للآقتصاص منه، وإن آتخذ صورة القيامة
والآخرة .  بكلمات  أخرى لا يغرز أديبنا عدسته داخل القاتل، ليصوّر أزماته بعد
القتل. كيف تملح عيناه من الأرق والخوف، كيف تتنكّر حواسّه، بعضها لبعض.
رويت قصة ديك الجنّ، وما فعله بزوجته ووصيفه بعدة وجوه. ولكن لتكنْ رواية العاملي
في الكشكول أساساً هنا لغرض فنّيّ حسب. “وجدهما في بعض الأيّم مختلطين تحت إزار
واحد، فقتلهما وأحرق جسديهما وأخذ رمادهما وخلط به شيئاً من التراب وصنع منه
كوزيْن للخمر، وكان يحضرهما في مجلس شرابه، ويضع أحدهما عن يمينه والآخر عن
يساره، فتارة يقبّل الكوز المتخذ من رماد الجارية وينشد:
يا طلعةً طلع الحِمام عليها
وجنى لها ثمر الردى بيديها”
هذه القصة مادّة خام، تصلح أن تكون من أهم الأعمال الأدبية في الندم. إلاّ أنّ ديك الجنّ
بعد هذه الجريمة الطائشة المتهورة، لم يزدْ الخمرة إلاّ خمرتين والفسق فسقيْن، حتى لَيشعر
القارئ أن بكاءه لم يكنْ سوى أنانية باردة الأعصاب:
عهدي به ميتاً كأحسنِ نائمٍ
والحزنُ يسفع عبرتي في نحرهِ
لو كان يدري الميْتُ ماذا بعده
بالحيّ حلّ بكى له في قبرهِ”
نرى أنّ جملة “عهدي به، وخاصة ضمير الهاء في “به” جعلت ضحيّته بعيدة زماناُ
ومنفصلة عنه مكاناً. فقط حينما ترفع المخاطب إلى درجة التقديس تتجوّز مخاطبته عن بُعد.
لا يمكن أيضاً تبرير “كأحسنِ نائمٍ”، إلاّ إذا اختلط على الشاعر:: الموت والنوم وراح
يتصرّف وكأنّ القتيلة نائمة حقّاً، موهماً نفسه أنها ستستيقظ في أية لحظة. أمّا في البيت
الثاني، فيبدو أنّ الشاعر انشغل بأمريْن: الأوّل ترويض تفاعيل بحر الكامل:”ماذا بعده
بالحيّ حلّ”. العبارة واهنة مفككة، والثاني انه بصحوٍ ذهني يتوقّع البكاء عليه هو.
يبدو أن هذا الصحو على أشُدّه نصوعاً في رثاء آخر:
« سوف آسي طول الحياة وأبكيك
على ما فعلتِ لا ما فعلتُ”
هكذا إذن لا يبكي ديك الجنّ على ما فعل، بل على ما ارتكبته هي من خيانة، وبذلك
لا يحلّل القتل فحسب، ولكنّه يناقض كلّ مراثيه، وكوزه الذائع الصيت.
قلنا إنّ هذه القصة مادة خام، وهي على فرادتها برواية العاملي، بقيت شخصية، لم تستوعب بشريّة أوسع، كبركان صغير مختنق بدخانه لا يهدد كل جيرته من مخلوقات، وكل قرّائه
باللسع والهلع. أي أنّ رماد كوزه، لم يكن إلاّ غصّة ترثي لها، لا غصة تعاني منها. لنذكرْ
وليس من باب المقارنة «عطيل»، الذي قتل، مثل ديك الجن زوجته، غيرة عليها، وشكّاً بها.
ولكنّك لو قرأت مسرحية عطيل عشرات المرات، ورأيتها في المسرح عشرات المرات،
فإنك تبقى تتساءل، كما تساءلت في المرة الأولى التي قرأتها فيها أو رأيتها، هل سيقتل
زوجته دزدمونه؟ بودّك أن تصعد إلى خشبة المسرح وتصرخ بملء حنجرتك، بصماخ أذنه
: إنها بريئة. لِمَ؟ لأن دزدمونة لم تعدْ دزدمونه, آستحالت  إلى مخلوقة تجسد البراءة.
أصبحتْ أنا، أنت، كل مَنْ يقرأها، أو يراها. نتساءل وكأننا لا نعرف مسبقاً، ما الذي سيفعله عطيل بنفسه، بالدنيا كلّها؟ هل سيغيّر النهاية التي قرّرها شيكسبير؟ ليته يفعل، وأنت تعرف تماماً
أنّه لا بدّ غارز خنجره في صدرها لا محال. ومَنْ الذي لا يصيبه الغثيان مع راسكولنكوف في “الجريمة والعقاب” حين وجد قطرة دم من الضحية على حذائه، وكان قد تأكّد كل التأ كد أنه
أخفى الجريمة تماماً. وما دام لم يلتفتْ ‘إلى قطرة الدم تلك/ فما أدراك، ربما ثمة لُطُخ
أخرى لم يرها. هنا يبدأ شكّه بعينيه. ألا تفتح عينيك معه مستنفراً، بكلّ حمّى وانهلاع تفتش
معه عن أثر آخر سواها. تصيبك عدوى القاتل، لا معنياً بالجريمة بل بإخفائها.
ألمْ يعترف فلوبير في محاكمته أنه هو مدام بوفاري، وهل يكون قارئ الرواية إلاّ هي!
اعتقد العرب القدامى، أن طائراً خرافيّاً، يخرج من رأس القتيل، يسمونه الهامة أو الصدى
وهو يصيح (اسقوني اسقوني) ولتنزل بعد ذلك الدواهي، أو كما قيل: «صَمّي صَمامِ»
لِمَ لم يخرج هذا الطائر من رأس القتيل، إلى رأس القاتل وصدره وضميره، ليقيم قيامته
فيه بكل سعير جحيمها؟
قد يكون شيكسبير أحذق كاتب فطن إلى القاتل. الدوائر تدور عليه أمام النظّارة. ما من
وصفة  للتقزّز من الدم كما في مسرحية مكبث، وما من قولةٍ مأثورةٍ ترنّ في قاع النفس
البشرية لقولته الشهيرة: “الدم يورث الدم”. ولكنْ لِمَ لا نتشفى بمصرع مكبث، ونعرف
أنّه مدان؟ لِمَ لا نتشفّى بالليدي مكبث وهي تجوب ممرات القصر، مسرنمة، تهذي،
مذعورة من الظلام، ومن دم الملك دنكن في يديْها. هل حوّلهما شيكسبيرمن شخصيّتيْن
تأريخيتيْن ممسرحتيْن إلى جرثومتيْن  كامنتيْن في النفس البشرية، أيْ في كلٍّ منّا؟



المشاركة السابقة : المشاركة التالية