جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فنسنت فان خوخ


ترجمة: ستار كاووش

الرسالة الثالثة والثلاثون
آرل، ٢٤ آذار ١٨٨٩
تَيو العزيز
أخبرك بأني قد التقيت بسينياك* الذي بدا لي شخصاً رائعاً ولطيفاً، حيث ساعدني في حل مشكلة باب بيتي الذي أغلقته الشرطة. وقد حاولوا منعنا من دخول البيت ثانية، رغم أني لم أفعل شيئاً مخالفاً للقانون، لكني في نهاية الأمر قد فتحت البيت ودخلت اليه بمساعدة سينياك. وقد إستاءَ مدير الشرطة كثيراً لأننا قمنا بذلك، ياله من رجل أحمق يحاول التدخل في أمور حياتي. لقد أعطيت لسينياك لوحة صغيرة رسمت فيها سمك الرنجة المدخن، من النوع الذي يسمى هنا (الجندرمة) كإمتنان لما فعله من أجلي، وهذا الموضوع كما تعرف قد رسمته في باريس عدة مرات، وقد قايضتُ واحدة من لوحات هذه المجموعة بسجادة صغيرة في السابق. حقاً لا يمكن الحكم على الناس من خلال سماع الأقاويل والحكايات التي تـُحاكَ حولهم، فقد رأيتُ سينياك هاديءً وجميلاً رغم ما يشاع عنه احياناً بإعتباره عنيفاً بعض الشيء! انه واثق من نفسه ومستقر نفسياً، وقد استمتعت بلقائه لأني لم ألتَقِ أو أُحاور رساماً انطباعياً منذ وقت طويل، وإن حدث ذلك في فترة ما، فالأمر لا يخلو بالتأكيد من بعض التوتر والصدام من الطرفين. أعرف انك فعلت ما بوسعك كي يأتي سينياك لمساعدتي في بعض التفاصيل وإيجاد الحلول، وهذا ما زاد من طمأنينتي. عموماً، هو ذهبَ الآن للبحث عن جول دوبريه* وسيرتب معه بعض الأمور. تجولتُ قليلاً هذا اليوم، وأثناء ذلك إشتريتُ كتاب (أقنان الأرض) لكاميل لومونييه، وقد إلتهمتُ منه فصلين، ياله من كتاب مذهل ومهم، سعيد بهذا الكتاب لأني لم أمسك كتاباً منذ بضعة أشهر، وهذا يقول مافيه الكفاية حول حالتي الآن، أنا المُغرم بالكتب. وبالتأكيد سأرسل لك هذا الكتاب بعد الإنتهاء من قراءته.
ستصلك مني قريباً لوحات جديدة، وهي ذاتها التي شاهدها سينياك عندي، عموماً أعتقد ان أعمالي لم تخذله، وشعرت بأنه قد رأى جوانب إيجابية كثيرة في طريقتي بالرسم، ويعتقد أن الأمور ستمضي بشكل جيد، وهذه هو شعوري أيضاً. رغبتي كبيرة في المضي مجدداً مع الرسم، لكن أمنيتي أن لا أتعرض مرة أخرى لمضايقات الشرطة والأهالي، وأرجو ان لا يكتبوا مجدداً عريضة ويوقعون عليها ويسلمونها للشرطة ومجلس البلدية لغرض طردي من البيت، والعار هو ان تستجيب البلدية والمحافظ لذلك لأن هؤلاء الموقعين على العريضة هم من منحوه أصواتهم في الانتخابات وفاز بمنصبه بسببهم، لذا فطلب طردي من البيت ينظر له المحافظ كبطاقة إنتخابية لا غير. وهذا ما يسبب لي الإنهيار، أنا الوحيد بين هؤلاء الأوغاد. وسيخبرك سينياك بذات التفاصيل. ووسط كل ذلك، فَجَلَّ ما أحتاجه هو ممارسة حريتي كرسام كي استطيع رسم لوحات نافعة وجيدة.
يقول السيد راي* بأني لم أتناول حاجتي الكافي من الطعام، وإستعضتُ عن ذلك بالكحول والقهوة، أوافقه الرأي، لكن لا مناص من فعل ذلك. فأنا أحاول أن أحفز روحي عن طريق الكحول، كي أصل الى سحر وتدرجات تلك النغمة الصفراء التي أمسكتُ بها في الصيف الماضي، والفنان بشكل عام عليه إيجاد الحلول والمضي في عمله وعدم الانكسار أمام أول عارض. حتى لو أذعنتُ للحبس أو مستشفى المجانين، فهذا جزء من حياتي، وليس لديّ خيارات كثيرة في هذا الجانب، ألم يكتب هوغو وروشفور وكينيه والكثيرين غيرهم عن معاناة الانسان؟ لكني فقط أود القول إن ذلك لا يُحتَمَل إذا صاحبه المرض وفقدان العافية، لذا أحاول أن أجعل روحي عالية، وذلك يُذكُّرني بما كتبه أحد شعرائنا الهولنديين (ما يربطني بالأرض يتعدى الروابط الدنيوية). نعم هذا ما خبرته بنفسي أثناء نوبة الألم أو ما يسميه الآخرون (مَرَضي العقلي)، وما يقف حائلاً أمامي ويجثم على روحي هو أنني لم أتوصل بعد لمرتبه عالية من الرسم كي أعبِّرُ عن نفسي كما أريد. ربما عليَّ التوقف الآن عن كتابة هذه التفاصيل، وإلا فستعاودني النوبة من جديد، لذا سأكمل الرسالة بتفاصيل أخرى.
أسألك يا أخي، إن كان بإستطاعتك أن ترسل لي قبل مغادرتك باريس، ثلاثة أنابيب من أبيض الزنك، وإنبوب واحد من أزرق الكوبالت، وإنبوب من أزرق الألترامارين، وأربعة أنابيب من الأخضر التركواز، وإنبوب من الأخضر الزمردي، وأنبوب واحد من أحمر الرصاص. وسأَندَسُّ بين أشجار البساتين، للإنغمار من جديد بالرسم، على أمل أن لا يعكر أحد أيامي القادمة. وبالنسبة للمستقبل، فدعنا نفكر بشكل جيد قبل الإنتقال الى أية جهة أخرى من البلاد، فها أنت ترى بنفسك كيف إن الحظ يجانبني في الجنوب أيضاً، تماماً كما حدث في الشمال، وفي أي مكان آخر وطئته قدماي! يبدو أن عليَّ الإمتثال لمهنتي كمجنون، كما قَبِلَ ديغا* مهنته ككاتب عدل. لكن ياللتعاسة، فحتى دور المجنون بحاجة الى القوة والعافية لتقمصه بشكل جيد، وأنا كما تعرف لا أملك العافية والقوة الكافية لألعب دوري في هذه الحياة كمجنون.
تحدثني عن الجنوب الحقيقي كما تسميه، وكيف عليَّ الذهاب الى هناك، وهنا أقول لك أن ذلك لا ينفعني بشيء، أو ربما أنا ذاتي لا أنفع أن أكون هناك، وعليَّ التخلي عن ذلك المكان لأشخاص آخرين، هم أكثر إكتمالاً وأشد قوة، فأنا أبدو شخصاً ثانوياً متوسط الامكانات وليس ذي أهمية. فمهما عَلَتْ عاطفتي وسطعت مثل الشمس، ومهما بانَ وتوهجَ التعبير الذي أريد أن أوصله من خلال الرسم، فلا يمكنني الوقوف بوجه تَحَكُّم وتأثير المادة في مجرى حياتنا، لذا لا يمكننا إقامة نصباً مقدساً على قاعدة مدنسة. لعل عدم المبالاة بما يحدث هو الحل، أو ربما الإمتثال للبقاء هنا هو الأسلم، وأتأمل أن يعود لي التوازن من جديد مع مرور الوقت، لكن علينا أن نبقى يقظين أزاء كل عارض وتغيير، ونمضي -رغم المشقة- مع أياما القادمة، أنت تمضي مع زواجك القادم، وأنا أمضي نحو شيخوختي المبكرة.
سيصلك كتاب لومونييه قريباً مع رسالتي القادمة، فلا تتأخر بالكتابة لي، وظل على ثقتك بي.
لا تنسى تحياتي الحارة لأمنا العزيزة ولأختنا وطبعاً لخطيبتك الرائعة.
أخوك المحب.
فنسنت

إضافات المترجم:
:*جورج سينياك: رسام فرنسي (١٨٦٣-١٩٣٥) ينتمي للمدرسة التنقيطية. وكان من اصدقاء فنسنت فان خوخ وجورج سوراه، وهذا الأخير هو الذي ابتكر الاسلوب التنقيطي في الرسم، لكن وفاته في مطلع شبابه جعل سينياك يكمل الطريق في هذا الاتجاه الجميل وأنتج أعمالاً تعتبر من الروائع. كذلك ألف كتاباً عن صديقه العظيم سوراه.
* جول دوبريه: رسام فرنسي (١٨١١-١٨٨٩) من مؤسسي مدرسة الباربيزون لرسم الطبيعة. إن كان كورو ينشد الغنائية في أعماله، وروسو يبحث عن الجانب الملحمي. فإن دوبريه يعكس في لوحاته الجانب المأساوي والدرامي للطبيعة،
*فيليكس راي: طبيب يعمل في مدينة آرل جنوب فرنسا، وقد ساعد فنسنت كثيراً وكان يهتم بعلاجه، وتكونت نوع من الصداقة بين الرجلين، وهو ايضاً ذات الطبيب الذي عالج فنسنت بعد أن قطع هذا الأخير أذنه، وأوصله بعض الاشخاص للعيادة وهو مغطى بدمائه. رسم فنسنت بورتريت رائع للدكتور راي، الذي اعترف لاحقاً بأن البورتريت لم يعجبه، في حين ذهبت أُم الدكتور أبعد من ذلك وهي تضع البورتريت في قن الدجاج كي تسد به احد الثقوب الكبيرة. بعد وفاة فينسنت، ذهب جامع اللوحات كاموين الى المزرعة التي يعيش فيها الطبيب واشترى منه البورتريت. والآن يعتبر هذا البورتريت من أهم مقتنيات متحف بوشكين في مدينة موسكو. الجدير بالذكر أن الدكتور راي صحبة ساعي البريد جوزيف رولين قد ساعدا فينسنت كثيراً عند انتقاله من آرل -بسبب تعسف الأهالي- الى سانت ريمي القريبة.
* إدغار ديغا: رسام فرنسي (١٨٣٤- ١٩١٧) من مؤسسي الانطباعية، لجأ بعد ضعف بصره الى الرسم بأقلام الباستيل، وانتج أعمالاً تعتبر من الروائع. ومن أشهر الموضوعات التي رسمها، راقصات الباليه ومتسابقي الخيول إضافة الى مشاهد المقاهي والحياة العامة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية