جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصة قصيرة: حقيبة الحلوى


أزهار علي
يبدو اني امتلك انسانية مخرومة سربت احساسا ما منها، احساس كان يجب ان يكون حيا ونابضا تجاه الصداقة القديمة، الفكرة التي اورثتها لنا حاجة فينا، سوى اني وجدت نفسي , بصوت عابث في رأسي ومن دون شعور واضح الملامح امام فقدي لصديق طفولتي، ليس من حزن بأبعاد محددة!! ليس من وجع او دموع او جرح !! بل على العكس من ذلك ربما؛ كان هنالك في طبقة مركبة ما في عمق نفسي، شيء من الارتياح الذي اخفيته عن مواجهتي ومواجهته.
صعدت الدرج الى شقتي، كان الوقت قد قارب منتصف الليل حين دخلت، سوى ان صوت مطرقة لعينة من احد الاماكن لم يكن ليرحم سكوني، ازدحم الجحيم في رأسي، خرجت الى الباحة وصرخت من  دون ان اعرف مصدر الصوت، لم تتوقف المطرقة عن الرعد على الجدار، تبعت الصوت، وقرعت باب الشقة التي يأتي منها، مقررا تهشيم رأس صاحبها، في حالات مشابهة كان من الممكن ان يهدئ من روعي، وان ازداد الموقف سخونة، فمن الممكن ان يتشاجر معي.
قبل ان تنقطع انفاسه بساعتين فقط، كلمني، فتحنا كاميرة الفيديو، ضحكنا من الفيلم الذي ركبته مونتاجيا باقتطاع مشاهد لا تمت للجنس بصلة، لأجعل منه فيلما جنسيا، تذكر هو اشياء غريبة وقديمة، عني وعنه، «هل تتذكر حين قلت لي ان للفتيات البدينات، وزنا اقل في ذاكرتنا الجنسية، حتى ان ذاكرتنا لتكاد تكون فقيرة من صورة البدينات فيها؟» تبسمت دون رغية في ذلك، وانكرت باني تذكرت تلك الجملة، او اني فكرت فيها يوما وفي فترة مرحلة مراهقتي بالذات، «انت تتذكر ياصديقي!، من غير المعقول ان تنسى فعلتك معي حين اختطفت الفتاة البدينة التي حلمت بها لليال، وتخاصمنا بسببها لاشهر؟»
فكرت بأن قانون الصداقة المتعارف عليه هو ان يذكر الاصدقاء بعضهم بذاكرة مشتركة، ان يكون الصديق مرآة لذاكرة صديقه المتشظية، ذاكرة يبتز احدهما الاخر بها..
توقفت مبردة الهواء بانطفاء التيار الكهربائي، صارت الشقة جحيما حقيقيا، فرنا مختنقا بالافكار الغريبة في رأسي، فتحت باب الشرفة والشبابيك، واحسست بذكريات عابثة تتسرب مع سموم تموز الخانقة، امضيت تلك الليلة وانا احاول ان اعيد ترتيبها، ذكريات انشطرت فجاة ودون سابق انذار، احاول اتمامها، اكمال اللوحة التي انكسرت، اخيط بعض الصور ببعض لنبدو فيها متجاورين بذاكرة واحدة..
لليلة واحدة سوف افعل ذلك فقط، فالذكريات ليست دائما مدعاة للفرح او الفخر بالطبع، نحن نقلب وجوهنا جميعا في تلك الغوائب، فنعرف بأننا كنا ساذجين او اغبياء في لحظات ما، اشرارا وقساة في مرات كثيرة، صاخبين ومتهورين في اغلب ايام الطفولة والمراهقة، احاول اخيرا رميها جميعا في تراب قبر صديقي الميت..
كان الشراب المر الذي رجرجت به دماغي، قد فعل فعلته بي تلك الليلة، ليستحدث الماضي ويستحضر ذاكرته في رأسي، كأنه قد انتبه الى محاولتي الدائمة بالهرب منه، ليتبرع بسرقتها من الرأس الهامد للتو ويرميها في رأسي عنوة..
افكار اعادتني الى ذلك اليوم، حين كنت ابكي في السيارة اثر ابعادي عن امي، صفعني الرجل الضخم الذي يدعى ابي، واجلسني بنظرة مرعبة على المقعد المجاور له، دموعي مازالت تنز من عيني بخوف صامت، انتبه لي من بعيد، طفل كان يكبرني بأربعة اعوام، انتبه الى خوفي وضعفي وانسحاقي تحت نظرة الرجل الضخم، فتح حقيبته وجاء ليعالج لحظتي بضحكة وحلوى، وهكذا اعتدت ان اظهر ضعفي امامه دون خوف، وعلى مدى عشرين عاما قادمة.
منذ تلك الليلة وانا احاول ان اتجنب الشرب، احدهم علق بأني قد فقدت متعته بموت صديق الطفولة، ابتسمت بخبث وعالجت الجواب بالسخرية، «اجل وافكر ان اداوم على الصلاة حين تفعلها انت»
في الحقيقة كنت اريد ان احصل على فجوة تفصلني عن ذلك اليوم، عن تلك اللحظة المنسحبة من قبره لتنصب في رأسي، عن تاريخ لا اوده ان يكون جزءا مني رغم تكوينه لي، عن ورشة التجريب القاسية التي خرجت منها دونما اختيار..
لكن ماذا يحدث ان طويت ذاكرتي المنعكسة، ان نسيتها وتركتها تتسرب؟ لم افكر في ذلك!!
تميزنا الذاكرة عن التكوين الحيواني الذي كان من الممكن ان نكونه في هذه الحياة، تعطينا احساسا بامتداد ما في الزمن، مساحة من الممكن ان نصدق بفكرة الخلود من خلالها، فان اقتربنا من تصرف حيواني يوما، او اقترب منا تصرف حيواني ما، فسوف نفضل ان تنفصل تلك الذاكرة عنا، نحن كائنات نمتد من خلال فكرة الجيد والحسن والافضل، ننتشر في الفضاءات بهواء الرضى الجمعي عنا.
في احيان كثيرة نرسم بانفسنا الاشكال التي تتماشى مع هذه الفكرة، نضع قواعد لها، نرتًش اللوحة بتزويق جميل، لكي نظهر فيها بفكرة الجيد والحسن والافضل، ولكي تظهر ذلك فلابد لنا من التحايل على غباواتنا او لؤمنا، ضعتنا او نذالتنا احيانا، نجد تبريرنا الذي نسربه للعالم، نصنع حقائق بمكياج مميز خاص بنا، لا يستطيع احد ان يمسحه عن وجه الحقيقة سوى مرآتنا التي رافقت العمر، وكونت ذاكرتها معه، صديق العمر.
المكياج المتوقع مني في ذلك اليوم كان يجب ان يكون دموعا حارة والما واضحا، وحزنا فائض، لكنني ودون سابق انذار من رأسي، الفيت نفسي وقد فقدت اي احساس بها، ما آلمني حقا في تلك اللحظة هو احساسي بالوحدة، بالتجزؤ، وقفت على قبره بعد ان ذهب الجميع، فتحت حقيبتي واخرجت منها الحلوى، ابتسمت واكلتها، وعادت الايام لتتسارع في راسي من جديد.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية