جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


كتاب الهروب


عبد الخالق كيطان


- 1 -

١. بدايات: الفندق

كل شيء بدأ من الفندق القذر الذي أمضيت فيه سنوات كان من الممكن أن تكون سنوات نضجي الحقيقية.. ولكنها كانت سنوات مليئة بالبؤس والفاقة والحرمان.. لم أكن أنا، على أية حال سبب ذلك، بل الظروف التي مرت بها البلاد وأحالت الملايين إلى مجرد متشردين يبحثون في أكوام القمامة عن قوت أيامهم..
كانت الحرب قد انتهت للتو، وأعقبتها انتفاضة شعبية في أجزاء واسعة من البلاد.. هذه الانتفاضة نظر إليها كل من زاويته.. وحتى بعد مرور حوالي عشرين عاماً عليها ظلت وجهات النظر حولها تختلف.. السبب في ذلك بالطبع يتمثل في اختلاف زاوية النظر بالنسبة للولاء للوطن أو الحاكم.. للدين والمذهب أو التاريخ المشترك؟ والعراق بلد محكوم بالانقسامات الدينية والمذهبية منذ تأسيسه وإعلانه الرسمي قبل حوالي قرن من الزمان، والاختلاف ، إذن، في النظر إلى الأحداث الكبيرة سيظل يميز سكان هذه البلاد دائماً.. وهو الأمر الذي حضر بقوة في الألفية الثالثة عندما صحى العراقيون في نهار قاتم على دبابات وأرتال عسكرية يمتطيها جنود شقر وزنوج قادمون من أقصى نقطة في الكوكب ويرتدون ملابس أكبر قوة عسكرية واقتصادية وسياسية في العالم فأسقطوا نظام الحكم (الوطني) في البلاد وأداروها على هواهم لفترة من الزمن.. فاختلف الناس في النظر إلى هذا الحدث الجلل بين مؤيد ورافض..
لقد شهدت بنفسي حربين ولم أشهد الثالثة.. الحربان الأوليتان ألقتا بي في غرف الفنادق الوضيعة بالرغم من أنني لم أكن عاطلاً عن العمل تماماً.. وكانت السعادة في تلك الأثناء تتمثل في يوميات بائسة نقتنصها بالكاد من كآبة الواقع الذي حشرنا فيه..
في شارع الرشيد، وسط بغداد، التقيت مصادفة بصديق كان يدرس في كلية غير بعيدة عن الكلية التي كنت أدرس فيها، وأسمه عبد الكريم المحمداوي، كان هذا الصديق في أعوام خلت قد استأجر فندقاً متواضعاً وأسكن فيه جموع القادمين من مختلف المدن العراقية للدراسة في بغداد، ثم ترك الفندق الذي سكنت فيه لفترة ولم أعد أتذكر أسمه واستأجر أخر في شارع الرشيد.. الفندق الجديد، وأسمه: فندق عدنان الحديث كان متواضعاً أكثر من سابقه، فهو بطابقيه الصغيرين كان يلم عنده حوالي عشرة حجرات بواقع خمس لكل طابق.. شيد الفندق في منتصف القرن الماضي فوق حمام رجالي هو حمام الرشيد.. ويقع بالضبط مقابلاً لشارع المتنبي الشهير، والذي اكتسب شهرته من بسطيات الكتب ونهارات الجمعة الصاخبة ببيع وشراء الكتب والمجلات القديمة والجديدة بالإضافة إلى أنه يتفرع إلى سوق السراي الذي عرف على مستوى عام بأنه سوق القرطاسية الأول في العراق، كما تتفرع من الشارع أزقة ضيقة امتازت باحتضانها أهم مطابع البلاد..
دعاني عبد الكريم إلى السكن في فندقه الجديد لأنه قد أقنع صديقين قبلي ، أعرفهما جيداً، بالسكن معه.. فوافقت على الفور.. كان الصديق الأول هو صحفي شاب أسمه رحيم ويتحدر من مدينتي نفسها والثاني مخرج مسرحي مشهور يدعى تاج الأمير يتحدر من مدينتي أيضاً ولكنه يختلف عن الأول في ظروفه السياسية والاجتماعية.. هكذا وجدتني أنقل حاجياتي المتواضعة من فندق آخر أقمت فيه لفترة في شارع مقهى الزهاوي إلى فندقي الجديد في شارع الرشيد.. كان قد مضى على تخرجي من الكلية حوالي عشرة شهور أستدعيت خلالها للخدمة الالزامية ثم أجبرت على الالتحاق بالكلية العسكرية التي فررت منها فوراً وبقيت أتخفى في بغداد وأبيت ليلي في فندق دنيا الذي يقع في شارع مقهى الزهاوي ملاصقاً لسوق هرج الشهير... ولكن صاحب الفندق لم يتحمل وضعي المشكوك به فخاف على فندقه وبدأ بمضايقتي حتى صادفت عبد الكريم المحمداوي..
كنت لا أدخل إلى الفندق إلا لكي أنام، وغالباً ما يكون ذلك ليلاً، فأنا أقضي ساعات النهار خارج غرفتي في الفندق موزعاً بين أمكنة كثيرة لعل مقهى حسن عجمي كانت أبرز تلك الأمكنة..
موعدي في المقهى على الأعم الأغلب في الظهيرة، أدلف إلى المقهى التي تكون قد امتلأت بالمثقفين والأدباء والصحفيين وقد توزعوا على جماعات: فهنا جماعة لعبة الدومينو، وهناك جماعة الطاولي، وجماعة قصيدة النثر، وجماعة الشباب ألخ.. أطلب شاياً يحضره لي النادل  الكهل أبو داود.. وأدور في عيني بين الحضور.. في البداية كنت غريباً عن تلك الأجواء بسنواتي التي دخلت في العشرينيات، ثم عاماً بعد آخر صرت من رواد المقهى الذين يعرفهم الجميع وليس بالضرورة أن يعرفوا هم غيرهم، خاصة بعد عملي في الصحافة والتلفزيون..
المقهى نتنة وقديمة ومتهالكة.. تحيط بها شوارع صغيرة تؤدي إلى منازل الدعارة السرية.. ويلاصق مبنى المقهى المتهالك مدرسة إيرانية مغلقة منذ زمن طويل.. أما على باب المقهى فيجلس صباغ أحذية هرم.. وبين الحين والحين يدخل المقهى بائعو الصحف والسجائر المفرد والكعك وغيرهم..
كان العديد من الأصدقاء يجدوني في المقهى عندما يريدون الوصول إلي.. فكانت عنواني غير الرسمي.. وأخص بالذكر القادمين من مدينتي الجنوبية العمارة..
في سنوات لاحقة أجدبت المقهى بفعل هجرة الأدباء المريعة منذ بداية التسعينيات، والتردي الاقتصادي المريع سنوات الحصار الرهيبة.. وبدأت ساعات جلوسي في المقهى تقل، ثم، ومع عملي المتواصل في الصحافة والتلفزيون صار حضوري للمقهى في أيام الجمع، حيث عادة  شارع المتنبي وسوق الكتب، أو في مساءات نادرة يرافقني فيها سمييّ الممثل الوسيم عبد الخالق المختار. وكم كان يعجب صاحبي الجلوس في وقت الغروب على قنفة في باب المقهى محادثاً صباغ الأحذية الكهل صاحب العين الواحدة.

٢. عبد الخالق المختار
كان عبد الخالق المختار يستقبلني بالبسمة، مردّداً: سميّي، خلّي وصاحبي، والمجنّ الذي يدرأ عني. تعرف أن هذه جملة كلكامش حول صاحبه أنكيدو.
ولم يكن عبد الخالق المختار غير ذاك الصديق ناصع البياض الذي يتشرف المرء بمعرفته، فهو يذهب بك على الفور إلى تخوم الصدق واللحظة الآمنة، وكم كنت أحتاج إلى ذلك، أنا الذي لاأستطيع تحمل فكرة أن أكون وحيداً بلا صديق من هذا النوع.
كان اختباري الحقيقي الشخصي عندما غادرت العراق، إذ تحتم عليّ أن أمحو من ذاكرتي سنوات من الرفقة الصادقة والممتعة, أو على الأقل أعيش في ثنايا تلك الذاكرة وحسب. صوته ظل يأتيني من خلال الهاتف، وكلماته من
خلال رسائل لم تنقطع حتى مع اختلاف الأمكنة وخطورة ذلك زمن الديكتاتورية..
نخرج في بغداد من مسرح لندخل في الصالحية.. ونخرج من الصالحية لندخل في الأكاديمية، ومن الأكاديمية إلى ما لا حصر له من الأمكنة.. فكيف عليّ، علينا أن نتجاوز ذلك؟
رقد سميّي في المستشفيات، وبين واحدة وأخرى كنت أدور معه، ومعنا ثلة من الشرفاء، هل أنسى حكيم جاسم هنا؟ وبين محنة وأخرى لم أكن أملك غير الكلام، فأنا بياع كلام وهو يعرف ذلك..فكتبت وكتبت.. وكان ما أكتبه يفرحه مثل ملاك.. وبين مستشفى الخيال ومستشفى عدنان كتبت ذات يوم، وتسامى على آلامه وهو يقرأ قصائدي عن محنته:

ثمّة عجز ما
في الرأس
أو في الكليتين
أو في شارع الرشيد
ربما العجز
إننا نرتاد المقهى
أشبه بفاتحين خونة

حفظ القصيدة وبدأ يقرأها لي مركزاً على جملة عجز الكليتين! ثم كانت رحلة الذهاب إلى عمّان من أجل جراحة أخرى.. فكتبت من جديد عن ألمه الطويل المرّ:

قلت له:
إعطني نصف هذا الألم
أنا سليل المناحات
العزاء الأكبر بالنسبة لشاعر فاشل
هو هذا الجفاف في اللغة

وكان العراق شريكاً في الألم، ذلك الألم الذي ما انتهى، وظلت فصوله الأليمة تتوالى تماماً مثل حياة ذلك الممثل الوسيم الذي دخل إلى الوسط الفني بقدم شبه مبتورة من أثر الحروب اللعينة ولكنه سرعان ما سرق الأضواء كلها.. وأنا الناحل القادم من اقصى الجنوب أدور معه بين الشوارع والقصص.. ندلف إلى مدينة الحرية، حيث منزل عائلته الكريم، أو نذهب في رحلة لا نهاية لها بسيارته التويوتا الصغيرة في شوارع بغداد التي أحب، أحببنا، عشق وعشقنا.. هذا هو
صديقي.. ويحق لي أن أفخر بذلك.. يعرفه الجمهور نجماً تلفزيونياً وأعرفه أبن عائلة كريمة وعاشق للحياة والناس والكتب.. نجلس في حسن عجمي فيرفع أذان المغرب من مئذنة جامع الحيدرخانة المقابل ليقول بحسرة: كم يسحرني هذا الصوت الشجي..
عبد الخالق المختار وأنا شريكان في صنع سنوات من الجمال الباذخ.. البهي، البعيد عن تفاصيل الضياع التي صنعتها المسدسات.. تكتمل دورة الحكايا، عندما يجلس شلة من الأصدقاء الممسوسين بالمحبة بانتظار المعجزة في مقهى شعبي وسط العاصمة,, مقهى أردناه وكراً لعزلتنا وكآبة تسعينياتنا وسرية أحلامنا.. حتى صار المقهى ذاك عنواناً بدأ يستقطب العديد من الكتاب
والممثلين والمخرجين والمنتجين.. وكان صاحبنا يذوي، ولكنه يكابر.. لا تسمع منه شكوى أو نبرة الم، بل كنا نشتكي بين يديه فيظهر عزيمة تذكر بعزائم الحكماء والمسنين.. وعبد الخالق يمضي في قطاره وحيداً، ذلك القطار المصنوع من الصراخ والعويل والآلام الإنسانية.. كيف يحتمل ذلك
كله لوحده؟ لماذا كانت عيناه في المستشفى وهو بين مشارط الجراحين لا توحي إلا بالأمل؟ كيف استطاع جسده الطاهر أن يحتمل ذلك كله، ورأسه.. رأسه ذاك الذي علمني أشياء كثيرة كيف كان يداري أسئلته الوجودية وهو يحترق ببطء؟
ومن حافات العالم في أستراليا، حيث أقيم، ظل يمدني بالأمل. ولما عدت الى العراق سعيت لاستعادة بعض ملامح تلك الأيام. كان الأمل كبيرا، وكان قريباً من الدنو أكثر من توقعي شخصياً.. لقد تحادثنا بضع مرات هاتفيا، إذ كان يقيم في العاصمة السورية دمشق وكنت اجوب شوارع بغداد مثل العائد الى صباه.
في الليلة إياها كنت أتقلب في فراشي وحيداً عندما جاء هاتف الفجيعة، وأقصد فجيعتي الشخصية بصديقي.. همدت في الغرفة.. في المساء أمطرت السماء قطرات عجبت لكبر حجم الواحدة منها..
السماء رحيمة، إذ تبعث المطر في اللحظة الصحّ، والسماء رحيمة حقاً إذ تمنحك صديقاً هو عبد الخالق المختار، والسماء رحيمة أيضاً وهي تجعل منه أمثولة في الحب.



المشاركة السابقة