جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » ثقافات


شاعران يلتقيان ولا يلتقيان: هارت كرين وألن غينسبرغ


ترجمة وتقديم : ريم غنايم

عاشَ الشاعر الأمريكيّ المنتحر هارت كرين 32 عامًا فقط، وأثناء عودته من رحلة من المكسيك إلى أمريكا في السابع والعشرين من أبريل عام 1932 قفز عن متن الباخرة أوريزابا واهبًا نفسه للبحر ولم تستعاد جثّته. الانتحارُ غرقًا في هذه السّن الصغيرة،
كان خاتمة لا بدّ منها لشاعرٍ عاشَ تحت جمرة المثليّة ووطأة العوز ودمار الأسرة ,والوقوع أسيرًا في سطوة الكحول، وسطوة مجتمع مسكون بالهوموفوبيا. هذا الصّوت الذي كان متشردًا شريدًا معذبًا، كان أيقونةَ شعريّة أثّرت في أبناء جيله وأجيال قادمة، وقالَت شيئًا عن الشّعر وعن أمريكا.
أما غينسبرغ، صاحب عواء،  والذي جاء إلى العالَم بعد خمس سنوات من رحيل هارت، فقد عاشَ 71 عامًا، وشقّ طريقه إلى رحاب القصيدة الأمريكية المضادّة ليؤصّل صوتًا متفرّدًا في جيل البيت، الجيل الذي خلَق أمريكا جديدة أدبيًا. شاعران لم يجمعهما حضورٌ ماديّ، ولم توحّد بينهما طريقة مَوت.  إلا روح القصيدة الأمريكيّة الثائرة، والطريق إلى حياة صاخبة ورماديّة على خطّ التماس بين المثليّة والتشرّد وزخم القصيدة الهادرة.
وإذا كان هارت شاعرًا رُفاتُ جثّته طعام البحر، فقد كان رماد جسد غينسبرغ قصيدًا شعريًا، ثُلث رماده ووري الثرى في مدفن العائلة اليهوديّ في نيو جيرسي. وثلثٌ ثانٍ دُفن في المركز البوذيّ الدّوليّ في نيو يورك، ولثٌ آخر في مركز شامبالا في كولورادو. أما ما تبقى فقد نثروه على جبل الطّور في القُدس. 
يلتقيان في الانزياح عن مألوف العالَم،  وعن مألوف الانتماء، وعن مألوف الكتابة، ولا يلتقيان أبدًا.
هارت كرين
رسالة حب جدّتي
لا نجوم الليلة
خلا نجوم الذاكرة.
مع ذلك كَم من مكانٍ للذاكرة
في الزنار المتراخي للمَطر الناعم.
حتى أنّه ثمّة مكانٌ كافٍ
لرسائل أمّ أمّي،
إليزابيث،
وقد كانت محشورةً ردحًا من الزمن
في رُكن السّطح،
إلى أن صارَت بنيّة ورخوةً
وتميلُ إلى الذوبان كالثّلج.
على سطحِ عَظمة حيّزٍ مثل هذا
لزامٌ على الخطى أن تكون رقيقة.
كلّ شيءٍ معلّقٌ في شعرة بيضاء خفيّة
ينتفضُ مثل أطراف بتولا تنسجُ الهواء.

وأنا أسأل نفسي:
هل أصابعكِ طويلةٌ ما يكفي لتعزف:
على مفاتيح قديمة ليست إلا رجعَ صوتٍ
أنافذٌ هو الصّمت ما يكفي
ليعيد الموسيقى إلى أصلها
وإليكَ ثانية
وكأنّها أعيدَت إليها؟
مع ذلك كنتُ سآخذ جدّتي من يدها
وأمرّ معها عَبر كثيرٍ لن تفهمه،
وهكذا أكبو
والمطرُ يواصل انهماره على السطح
بصَوت ضحكةٍ عطوفةٍ رقيقة
آلن غينسبرغ
تحت العالَم ثمّة مؤخراتٌ كثيرة، فروجٌ كثيرة

أفواهٌ كثيرة، أيورٌ كثيرة
تحتَ العالَم ثمة منيّ كثير، لعابٌ كثير ينضح في جداول
كثيرٌ هو الخراء تحتَ هذا العالَم، يتدفّق من تحت المدن صَوب الأنهار
كثيرٌ هو البَول الطافي من تحتِ العالَم،
كثيرٌ هو المخاطُ النازلُ من منخرَي العالَم الصّناعيّتين، عرقٌ تحت ذراع العالَم الحديديّة، دمٌ
يُدَرّ من ثَدي العالَم،
بحيراتٌ سرمديّةٌ مِنَ الدّمعِ، بحارٌ من قيءٍ سقيمٍ يندفعُ بين نصفَي الأرض
تطفو جهة سراغاسو،  أطمارٌ دُهنيّة مستعملة، سوائلُ كوابحَ،  بنزينٌ آدميٌّ-
تحت العالَم ثمّة حزنٌ، أفخاذٌ متكسّرة، نيبمٌ يشتعلُ في شَعرٍ أسود،
فسفور يأكلُ المرفَقيَن حتّى العظم
مُبيدٌ حشريّ يلوّث مدّ المحيط وجزرَه، دمى بلاستيكيّة تطفو على المحيط الأطلنطيّ،
دمى جنود تتجمهر على المحيط الهادىء، تقذف بي-52 تخنق هواء الدّغل 
بمسالك بُخارٍ ولهبٍ وهّاج،
طائراتٌ روبوتيّة تميل على حقولٍ من الأرز تلقي عنقودًا من القنابل،  كريّاتٌ بلاستيكيّة تُرشّ في الجلد، مناجمُ من أسنان التنانين، وألسنة نارٍ من الجيلي تسقط على أسطح قشّيّة وجواميس ماءٍ،
تثقبُ بشظيّة شائكةٍ أكواخ قرية، خنادق تطفح بمساحيق متفجّرة مسمومة من وقود غازيّ-- 
تحتَ هذا العالَم ثمّة جماجمُ محطّمة، أقدامٌ مدقوقة، مُقلُ عيونٍ مقطوعة، أصابعُ مبتورة، فُكوكٌ  مشروطة، زحارٌ، ملايينُ المشرّدين، قلوبٌ معذّبة، أرواحٌ خاوية



المشاركة السابقة : المشاركة التالية