جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


مفكّرة نسويّة منسيّة


للأنثى في الدراسات الميثولوجيا مكانة مهمة بوصفها هي الآلهة التي تملك اللغز، فلقد جاء في اللوح الخامس من ملحمة جلجامش كيف أن افشاء السر من قبل اترا حاسيس أدى إلى الطوفان فصنع اوتونبشتم الفلك فصعدت فيها عائلته وحيوانات الحقل في الصباح قاصدا جبل نصير الذي رست عنده الفلك بعد أن دلته الحمامة عليه .
وليس اعتباطا جعل الالهة والحمامة أُنثيين إذ أن في هذا فلسفة خاصة هي دليل على أن الاستقامة وإعادة التوزان هما رهن بالمؤنث. أما لماذا فلأن عند الأنثى الحكمة وحسن التدبير، ولأنها الأصل الذي لا ينبغي تهميشه أو الاستحواذ عليه. 
وأغلب الأدبيات والمرويات المدونة تذهب إلى تغييب هذا الامر وتأكيد خلافه وهو أن الذكورية هي الاصل وهو ما حمل فرجنيا وولف على أن تعزل أنثاها داخلها وتكتب لنفسها وهي تعلم أن في الكتابة لنفسها تقرأ غيرها، وقراءة غيرها تعني أن الكتابة منها وإليهن وبهذا تتحقق العمومية في الوقت الذي فيه الخصوصية هي لبها وأساسها. فكان كتابها (غرفة تخص المرء وحدهA room as ones own) تجسيد عملي لهذه العمومية في التفكير.
وهذا الأساس الفلسفي نفسه هو الذي جعل( نظيرة زين الدين) تجد نفسها تساير أنثاها وهي تعلم أن السر فيها وأن افشاء السر يعني أن تفلسف ذاتها بعيدا عن أية مصادرة أو مغالبة وعندها تكون عموميتها أقوى من أن تخصصها، وخصوصيتها أعمق من أن تُسطح أو تُغيب. فكان عالمها الصغير بيتها وتحديدا غرفتها وعمرها الفتي في العشرين دليل نبوغها الذي عضده وسانده دعم أهلها لها وفي مقدمتهم والدها الذي كان يشغل منصب رئيس أول محكمة الاسئتناف في لبنان وإليه أهدت باكورة آثارها كتابها (السفور والحجاب)
وانفرادها في غرفتها دليل على أنها استرجعت التاريخ النسوي فوجدت فيه أن المرأة مغلوبة دوما بأنثويتها التي يعمل الرجل على إظهار ما يريده منها واسكات أو إبعاد ما لا يريده فيها. وحجته حمايتها والمحافظة عليها لأنها غير عارفة ما الذي يخدم مصلحتها ولا مدركة كنه روحها. وتستعرض نظيرة هذا التاريخ بأسى وألم، قائلة:" (منذ خُلق الإنسان والناس مختلفون في الطريق المؤدي إلى حفظ المرأة فذهب بعضهم إلى أن المرأة لا تحفظ إلا بتذليلها وتجهيلها واستعبادها وحرمانها حريتها وحسبها محجوبة في بيتها وقد اسدل النقاب على وجهها..وذهب بعضهم عكس ذلك فاعترف للمرأة بكمال العقل والدين وقال إن سفورها واحترامها وتعليمها وتحريرها احفظ لها واضمن لسعادة العيلة والهيأة البشرية)"
وتشي أقسام كتابها الثلاثة بهذه النظرة الاخلاقية المعتدلة التي تمتعت بها نظيرة زين الدين، فالقسم الأول عقلي والثاني ديني والثالث اصلاحي. وأهمية الأخلاق إنما هي نتاج هذه المحاور الثلاثة مجتمعة فلا عقل من دون دين ولا دين من دون عقل ولا دين وعقل من دون اصلاح وتجديد.  فلا قسر ولا الزام وانما هو الحق الذي يُعرف فيتبع.
ومن هذه النزعة الاخلاقية تتضح خطورة افكار نظيرة النسوية على السلطة الذكورية التي وقفت حيرى وهي ترى في نزعتها توحدا ومنعة ينبغي أن تواجهها بحزم وهو ما تنبهت له نظيرة فاستنجدت بسلطة الانتداب الفرنسي من خلال رسالتين بعثتهما للمفوض السامي الفرنسي في بيروت، وفيهما بينت موقف المعارضين لدعوتها مبينة( أن كل دعوة إلى الإصلاح والتجديد تصادف مقاومة من الجامدين على العادات والتقاليد .. من أجل ذلك حاول فريق من الشيوخ الجامدين على الشعر القديم واتباعهم أن يعارضوا كتابي ..فألفت كتابا جديدا سميته الفتاة والشيوخ وهو نظرات ومناظرات في السفور والحجاب وتحرير العقل وتحرير المراة والتجدد الاجتماعي في العالم الاسلامي)"
وأكدت ايضا أن هناك مؤيدين لدعوتها في السفور الذي فيه تتحرر المرأة من قيودها، وذلك بوصف التحرر ثمرة من الثمرات الطيبة المنتظر أن تقطفها ويقتطفها العالم وأن السياسة لم تخطر ببالها وهي تؤلف كتابها وأنها ما قصدت في خطابها السلطات والمفوضية العليا إلا لتأمين دفاعها عن حقوق المراة
إن النظرة الاخلاقية التي تحلت بها نظيرة في كتابها( السفور والحجاب) أبعدتها عن أية أغراض سياسية متخذة من التدليل والبرهنة وسائل ناجعة في رفع الحيف والاستعباد عن المرأة. وأهم صور هذا الحيف الحجاب الذي تراه نظيرة يضغط على الحرية ويحجر العقل ويجمده على التقاليد مانعا المرء من السير مع العالم السائر في طريق الثقافة والمدنية الصالحة وأن هذا التجمد والتحجر والمنع هو ما يريده الاستعمار. لذا تخاطب الرجال قائلة:"( سلموا أيها الرجال إلى أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وزوجاتكم حقوقهن وليسلم بعضكم الى بعض حق الحرية في الفكر والإرادة والقول والفعل باللسان والقلم تكونوا ذلك الشعب"  فالمرأة "احدى القوتين ويد من اليدين وعين من العينين بل جناح من الجناحين .. ولنا في الغرب عبرة حيث لا امة مستعبدة لان الام فيه حرة ..إن حدود المراة يا اخوتي مساوية مساواة تامة لحقوق الرجل بلا زيادة ولا نقصان يامر بذلك الدين والشرع والعقل والطبع وأي حق في الدنيا اقسى من حق التمتع بالهواء وبالنور ؟ وهل ذلك يا ترى يجلى في الحجاب ام في السفور؟)" 
ويظل التوازن والتعاون والمساواة سمات أخلاقية بها يتحقق الصلاح للأمة رجالا ونساء،"( إن حقوق المرأة..مساوية مساواة تامة لحقوق الرجل بلا زيادة ولا نقصان يأمر بذلك الشرع والدين والعقل والطبع وأي حق في الدنيا أقدس من حق التمتع بالهواء وبالنور. وهل ذلك يا ترى يتلى في الحجاب أم في السفور)"  كما لا اختلاف بيننا في روح الدين ما دمنا نحسن الظن بالآخر ونعامله بالأخوة فالإنسان أخو الإنسان. ومن ثم لا يجوز للرجل النبيل أن يستغل جبروته ولا أن يستعمل سلاحا ليس بيد غيره. وبالرغم من أن معارضي نظيرة زين الدين تسلحوا بأسلحة أخرى منها المنابر التي كانوا يقفون عليها ويؤثرون على الرأي العام بالخطب والمواعظ؛ فإنها تسلحت بالعلم وحده في إظهار الحق المنشود فكان سلاحا فعّالا بدليل ما لاقته دعوتها من أصداء كبيرة آنذاك داخل لبنان وخارجه.
ولطالما كررت نظيرة القول إن سلاح الفتاة المسلمة العلم الذي هو طريق النور فكانت هي من أوائل من نلن شهادة البكالوريا الفرنسية في العلوم العالية والآداب اللغوية. وحصولها على قسط من العلم مهد لها طريق التأليف.
هذا الطريق الذي باركه رجال مصلحون وواعون مثل رشيد الخوري الشاعر القروي وطه حسين بينما تصدى لها من استكثر عليها التأليف من شيوخ متزمتين مثل الشيخ سليم حمدان وصلاح الدين الزعيم وسعيد الجابي والشيخ مصطفى الغلابيني الذي أخذت عن آرائه وضمنتها كتابها السفور والحجاب ومع ذلك اتهمها بأنها ليست من ألفت هذا الكتاب، وأن المبشرين والعلمانيين هم الذين ألفوه، فردت عليه قائلة: (من أوحى لك يا حضرة الشيخ المعمم أن المعممين من السنيين والشيعيين اتفقوا كما زعمت في كتابك على غير الضلال فجمعوا لي الآيات مستأجرين مشترين بها ثمنا قليلا وجمعوا الأحاديث رغبة في دريهمات أكلوها حراما وسحتا ؟ لمَ هذا الاختلاق وهذا الافتراء على ذوي العمائم من الإسلام وإلا لماذا للشيخ نبذ العمامة وقد زينت من قبل منه الهامة ؟)"  وتسلحها بالعلم عزز دفاعها عن المرأة ففندت دعوى مجهولية المرأة وناقشتها على أساس من قوة الملاحظة وسعة المعرفة.
وقد حملها دفاعها عن حقها وحق بنات جنسها على البحث عن نماذج نسوية حفظ التاريخ صورة مشرفة لها تؤكد خلق النساء وفضلهن ولزوم الثقة بهن ومنها صورة حفصة التي أخذ المسلمون شطر دينهم عنها بعد أن أرسل إليها عثمان فنسخ المصاحف التي كانت بحوزتها. وهذا كله بفضل علمها الذي جعلها تلتقط من كتاب الله وأحاديث رسوله الالى والدرر الغوالي.
ومن سمات نظيرة زين الدين كامرأة معتدلة الروح منفتحة الوجدان أنها لم تكن تفضل دينا على دين ولا حضارة على أخرى. لذا دافعت عن النسوية بالعموم بأي لون وعرق، واستشهدت بالنصوص التي تصب في مصلحة النساء أيا كانت هذه النصوص من خطبة قيلت في مؤتمر تبشيري أو من بلاغ قرأه أحد الأساقفة أو الرهبان. وأن الاقتداء بالصحيح ضروري وإن كان هذا الصحيح آتيا إلينا من الغرب ( ناظرين إلى ما في كليات العالم وجامعاته .. فيخطو الإسلام حينئذ للأمام في أيام ما لا يخطوه الآن في أعوام ويحزنني جدا أن اسمع أساطين من الإسلام يعلنون آسفين أن جامعة اكسفورد تخرج بأسلوب تعليمها الصحيح للأمة الانكليزية من يصعدون بها إلى أوج العلاء في حين أن الأزهر والنجف ـ مع أن الطلاب في كل منهما يزيدون على طلاب تلك الجامعة عددا والتعليم فيها اطول منه في ذلك امدا ـ لا تجني منهما الامة العربية مما تراه العيون ويحزن القلوب)
وتتخذ أساليب مختلفة في توكيد اعتدالية اخلاقها منها الميل الى طرح التساؤلات المستفزة للاخر والمتهكمة من جبروته او جهله فاذا ارادت مثلا دحض حجة من يقول إن حرمان المرأة نعمة لها، تساءلت إذا جاز تقييد حرية المرء دفعا للضرر المحتمل وقوعه أ فيجوز أن تمنع الاطفال من المشي خوفا عليهم من السقوط فيقعوا مقعدين في أرجلهم شلل؟ وهل يجوز أن تمنع الطيارات والسيارات والسفن من الطيران والسير خوفا من الخطر المحتمل وقوعه؟ وهل تجيز لنفسك يا سيدي الرجل أن تدفن في هذه الايام ابنتك حية خوفا من فقر واملاق وتبدل في الاخلاق ؟َ!! 
وتساءلت أ يجوز أن ما ارتاى البخاري اثباته بعد الهجرة باكثر من جيلين نقلا عن الروايات المتداولة على بعض الالسنة كله صحيح وأن ما اثبته غيره من علماء الاسلام غير صحيح ؟ ومن ينكر في ذينك الجيلين قد زوّر على النبي الألوف من الاحاديث بمقتضى ظروف احاطت بالبخاري ممن لا يحسنون الظن بالنساء فلا يعطفون عليهن فاثبت بمقتضى ظنه وقناعته واهمل في صحيحه كل ما كان لهن ؟ والبخاري بشر مثلنا قد يخطيء ويصيب  واستدركت بعد ذلك قائلة:"( إني أجل البخاري ولكن هذا لا يمنعني في دفاعي عن حقي وحق بنات جنسي أن أرد بمقتضى أمر رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم ما اثبت من الأحاديث الى كتاب الله جل جلاله وانفي ما اثبت منها في غمط النساء امهات الامة ومربياتها ولست اول من نفى بعض الاحاديث التي اثبتها البخارى فان كثيرين قبلي قد نفوا ذلك)" 
وتحدت نظيرة زين الدين الذي يحتج بأن التعليم اولا ثم السفور قائلة: فهل كان السفور مخلا بهدى شعراوي وامثالها كثيرات من فضليات السيدات المسلمات الساعيات لاصلاح المجتمع في مصر اللابسات قبعات بلا ملاءة ولا خمار ولا جلباب والسافرات تمام السفور وهل اضر هذا بشرفهن وقدرهن ؟ ام انهن في الاسلام كالنجوم والبدور في الظلام وهن مرسلات الى رفيقاتهن من علمهن وفضلهن أنوارا ؟ وهل يرجو الاسلام من بعض الخاملات الجامدات الموسومات بنقص العقل والدين خيرا ونفعا وصلاحا أكثر مما يرجو من مثل هؤلاء السيدات الفاضلات الجليلات المتجددات؟"
وهي لها في هذا نظرة مستقبلية فدفع بلايا الجهل والتقهقر من الأمم قبل وقوعها أهون من رفعها فيما بعد وأن ليس من العدل أن نقيد بنات اليوم بما سنطلق به بنات الغد. وافترضت إن إذا كان العقل بالوزن وأن وزن عقل الرجال أكثر من عقل المرأة فإن عقل الثيران والافيال أعقل منه.
ولم تكن انتقادات نظيرة زين الدين مقتصرة على الرجال دون النساء وإنما هي انتقدت من النساء اولئك اللائي لا يفكرن إلا بعقلية الرجال فيقبلن ما هن عليه من الدونية والضعة قانعات بأن يستغل طاقاتهن الرجال. ولم تدافع عن امرأة تعتقد أنها غير قادرة على توجه عقلها نحو ما فيه مصلحتها. وتنقل عن الامام علي وصفه العقل بأنه شرع من داخل والشرع عقل من خارج معقبة بالقول:"( وإذا كان الشرع عقلا من خارج فليس الشرع إلا عقلا يزيد العقل جوهرا فيكتمل الشرع)" 
وإذا كانت نظيرة تدافع عن السفور فإن ذلك يظل في إطار أخلاقي فيه السفور هو الاعتدال وغض البصر الذي به تحترم المرأة ذاتها فتنال احترام الاخر لها. وليس العكس أي التبرج وابداء الزينة تشبها بالغربيات وما عندهن من بدع وموضات.
وسخرت نظيرة من المرأة التي تهين نفسها بالسير خلف الرجل او التي تلبس النقاب وتقبل بما سمته لعبة القناع حتى اذا كانت بين اهل بلادها لبسته واذا سافرت الى بلاد الغرب اماطت النقاب وطرحت الحجاب من دون أن تمنعها محارمها من ذلك  وساقت قصصا وحكايات ضربت بها مثلا على ممارسات لا ينبغي للمرأة أن تقبل بها.
وأثار حنقها ما عليه بعض النساء من الجهل فلا يعرفن أهمية تحررهن من النقاب غير مدركات خطورة تحويرهن الحجاب بشكل يخدم اهواءهن"( إني أخشى أن يستهوي بعض النساء شكل الحجاب الحديث فلا يحز لأنفسهن تركه ليس لحسبانه ساترا وحافظا للشرف بل لانه خلاب وفتان خلافا للوجه السافر في الزي الرصين فبذلك يكن قد ثرن الرغبة في ألقيته على الرغبة في الرصانة)" ولعل هذا التخوف متحقق اليوم في في الفتيات من ولع بالتفنن في لبس الحجاب وابتداع ما يثير الفتنة بحجة مماشاة الموضة ومسايرة العصر.
وإذا كانت نظيرة تضع ثقتها في النسوة المتحررات فلأنهن يعرفن معنى التفكر الحر بعقل متزن ورحب. وختمت كتابها بمخاطبة أولئك المتحررات قائلة:" أسال رفيقاتي الشريفات المتنورات وأني معتقدة أن عددهن غير قليل أن يعضدن كل فكر حر يظهر في سبيل خدمتهن وتحريرهن وأن يترفعن أمام رجالهن وفيما بينهن عن قبول كل رياء ترجح فيه العبودية على الحرية وامتهان المرأة وتحقيرها وسوء الظن بها على احترامها والثقة بها والاعتماد عليها)"
وليس صحيحا القول إن التغييب والتهميش والنسيان هي التي فرضته على نفسها بانعزالها ثم اختفاؤها من الحياة العامة؛ إذ ان ذلك مردود عليه بطبيعة مشروعها الفكري الذي تم تحجيمه وتجريمه من قبل السلطة الذكورية ومواضعاتها الابوية فكان التحدي بالنسبة اليها كبيرا.
وهو ما أسفر عن شعور نظيرة بالخيبة والاحباط الكبيرين فانزوت واعتزلت الحياة الفكرية والثقافية، وليس كما روج من انها تزوجت وانصرفت للامومة والتربية او ان الحال العربي والواقع الاجتماعي تبدلا وان المراة نالت السفور. ولعل تفاقم ازماتنا الفكرية جعل التغييب لنظيرة مضاعفا لها وامثالها من مفكرينا ومثقفينا الذين يحتاجون منا الى القاء حزمة ضوء قوية على مشاريعهم التنويرية من خلال استنهاض فكرهم من سباته وعرضه أمام أعين الدارسين والباحثين ولاسيما النساء المفكرات اللائي قدمن تضحيات شخصية وخضن معتركات ثقافية فلم نقابلهن سوى بالتهميش والاستغفال.



المشاركة السابقة