جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


خصيان فلسفية وبياض الكتابة الضاّلة*


تتنوع المشاغل الفكريّة والجماليّة لدى الباحث والكاتب إبراهيم محــــمود، فالمُلاحظ من خلال نتاجه أنّ الكــتـابةَ  لديه هي تنقيب تحت قشرة المحظور للفوز بتضاريس إبداعية إشكالية الحضور من حيث مطاردة التراث والـعمل على تأثيث غرف التخييل بشبح فاوستي ،
فالكتابة كما يصفها صاحب طبل الصفيح إمكانيتنا في أن نَدسَّ كفّوفنا في عش الدبابير، وفي توافر هذا يحوز التخييل صفة الحضور الفاوستي، وأعني تعظيم مقام اللعن ، وهذه مزية الكــــــتابة خارج التوافقات الثقافية ،وهي نوع من التخييل المضاد للمتخيل العربي المعاصر، فإنْ عدنا إلى أدبيات التراث للنفزاوي ، والسيوطي ، وأمثالهم من الأسلاف المارقين بنظر أخلاقي النقد ، وفي المقارنة ومنتجات عصرنا سنرى أنَّنا قد أُصــبنا بانتكاسة فكريَّة تشي بهيمنة منظومة عيبية أو قل أنَّنا نحمل صخرة سيزيف للاختباء خلفها، وليس لإدامة حركية سؤالنا المعرفي ، فمن كل النقائض هذه جاء المفكر إبراهيم محمود مؤمّماً تراث أسلافه بنصوص تعتمد التنزّه في حقول مُلَغمة ، فمنذ “الشبق المحرم”، و”المتعة المحظورة” و” الجنس في القرآن “ وصولاً إلى “جغرافية الملذات “ و”جسد العاهرة” إلى مؤلفاته البحثية الهامة وهو يسعى إلى استفزاز المخيال العيبي بالمفهوم الشعبي الداعم للحياء والحشمة ، بأخرى مستنفرة تحسبها المؤسسة الثقافية كتابةً قاذورية ، لأنَّ هذا النمط من النصوص منطلقة من ضرورة مغادرة المخيال الانجمادي والدخول في مواجهة ساخنة مع المتن الجسدي للتاريخ ، ففي مؤلفاته استطاع بشراسة فكرية أن يُزيح قمـــاشة الستر عن الجسد الفكري للعربي ،ليقول للقارئ بأن رسّ المعرفة هو الجــسد ،ومن لا يجتهد في استضافة جسده بوصفه محترفاً فلسفياً سوف يخفق في تحفيز تربة المعرفة لاستقبالها المتغيّر النظري الوافد ومضــــاعفة الجهد البحثي لاستنبات المتخيل المتغير المتمثل بالنظريَّة في تربة المتغير الثابت الذي هو النص التراثي ، فمن قراءتنا لمؤلفات الباحث المتعددة خلُصنا إلى أن المخيال العربي البحثي قد تعثر في أن يقرأ النص التراثي  قراءةً مضادةً لما هو متوافر، بهذا قد تجاهل ضرورة الترحال في صحراء الجسد للوصول إلى السرّ الوجودي لعطش المعرفة ، وقد أفاد الباحث فـــي ذلك من ترجماته الهامة لمؤلفات جاك دريدا ، ما مكّنه من المزاوجة ما بين التأويل والتفكيك في استئكاله لجــــسده المتخفي في نصوص التراث ، لذا الوليمة المعرفية للباحث هي جسدانية بامتياز ، ودور المخيال هنا هو لساني الموضع ، بعبارة أخرى أن يحوز المقام الحاسي ، مناوراً بذلك النظري بالمتخيل النصي ، فنصـوص الشذوذ والسّحاق ليست بها حاجة إلى نظرية باردة بقدر حاجتها إلى مخيال يلامس الموضوعة تاريخياً، ومن ثم استنـــــطاقها فكريا ، وهذا عينه ما حدث في «كتاب موجز تاريخ الأرداف» لجان ليك هينيج ، فعند قراءته نجد أنَّ مؤلفه وسَّعَ من أفق المطاردة التاريخية للردف باستقصاء ودأب ، مؤسسا بذلك لكتابةٍ ردفية مأهــــولة بالحيوية والجمال ، إذ تعامل مــــع الردف وكأنه النابض الخلفي الجمالي للجسد ، وقد انتقل بنا من الجسد الوجهي الرتيب الحامل للغـــــــواية المعتادة إلى الجسد الخلفي ، فالردف بما يكتنز من دلالات جماليَّة أجاز لنا القول بالرتابة الوجهية للجسد، أو ربما أراد المؤلف أن يكسر أفق النظرة ، ويعيد الحيوية إلى المستهلك الجسدي من خلال الاحتفاء بالردف ، لأجل إعادة تأهــيل الحاسة والجسد في آن ، بهذا قد أكَّد أنَّ الأديان هي وجهية بالأساس ، وهذه الوجهـــية ناجمة عن إيمان موارب بوجهية المطلق، وقد صرَّح القرآن قائلاً (أينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله )، إذن الأديان هي دعوة لوجهـنة الجسد، وهذه الوجـهنة، ساعدت على الانبعاث التلصصي من داخل التحريم نفسه ،ومن يفحص تاريخ اللاهوت بتدبر يجد بأن التحريم وسع من دائرة التلصص الجسدي، والتلصصية هي اجتماع حاسي ؛ ذلك لأنَّ البصر يتطلّب الحواس الأخرى ، خاصة منها اللمس لكي يمارس كلَّيته ، إنَّ نظرة محرومة من معونة تلك الحواس تعدُّ كياناً مشلولاً ، فالبصر دوماً هو تحسس بالنظر ، وتقويم للممكن ، وهو يستدعي الحركة وبخاصة اللمس نفهم بحسب لوبروطون، من هذا  نفهم أنَّ التلصــص هو تبــــادل حاسي  قائم على ترميم الحاسّة ، فيحل البصري في اللمسي ، وينفتح المادي الجزئي على كلّية المحسوس بتعبير ميرلوبونتي ، ليُنتج عن ذلك جسداً كرستاليا مأهولا بدفاعات حاسيّة مضادة ، فمن دون التدفق الحاسي يظل الجـــــسد رهينَ المشاع القالبي ، ما يحرمه من حيازة التوهج الفكري والجمالي ، ما يؤدي إلى تعطل المخيال الحاسي الذي بتوافــره يمتلك البصر تلصصه الاختراقي ، أي الالتهام بالعينين ، وكلما تحقق تآصر الحواس ، نتج عن ذلك فضاء كينيبالي ،وهذا يحتاج إلى تمرين دائم يُعرف الحواس بعضها بالبعض الآخر ، ويُفعل من طاقة النضيدة الفكرية للجسد .
وفي رجوعنا إلى أس كتابتنا هذه ، وقبل ولوج العوالم السرية لسرديات الخـــــصية المُفتتح الذي عتّب به الكاتب مؤلَّفه ، ثمة سؤال ملحاح ينــقر الرأس ،مفاده : ما الذى دعا الكاتب إلى عنـونة مؤلفه المـوسوم بـ(خصــيان فلسفية) ولم يقل أزباب ؟ ولا سيما أنَّه غير هيّاب لما سيُقال عنه ، لأنَّه مأخوذ في المســاس بالمحرمات ، وقـــد وطأ أراض لــم يطأها باحث من قبله ، أأراد من اجتراحه هكذا عنوان أن يجعل من الأوديبية عتبـــــــة يلج بوساطتها  عوالم سبق أن تلاقح فلسفيا معها؟ جاعلا من الخصية طاولة للتباحث في مشكلات المعرفة والوجود،بيد أن اختياره للخصيان بوصفه موضعاً انطلق من ظاهر آيديولوجي ،لأنَّه في عنـــونته مؤلفه بأزباب فلسفية سيقع في فخاخ لاهوتية ، فلاتزال الكثير من الأديان تتعبد بالفالوس،ويقيمـون له النصب والطقـوس، بذلك قد غادر الواحدية ملتجأ إلى الحضور الأثنيني ، فثمة خصيان يسار وأخرى يمين ، فالجمع في مؤلف واحد بيــــن خصية جيل دولوز ،وخصية السهرودي ، ربما هي إشارة إلى خصيانية الفلسفة ، أو أنه أراد الابتداء من ختم أوديب ، فلربما بالخصاء نصل إلى الرغبة “ التي هي ربما الرغبة نفسها التي اعتـــمدها الكاتب في شطره الكتاب إلى خصاء ذكوري وآخر أنثوي، بذا يكون العنوان هو انمحاء جنساني  للفارق العُرفي ، فثمة خصية ذكــــورية لابــدَّ من مواجهتها بأخرى أنثوية ، وهنا استعارة لثنائية الجنسية ، وهذا بحد ذاته اقلاع عن فرويديات العقدة، فالعنوان ههنا هو دالة للخصاء الفكري وليس الجسدي ، فلو أمــعنا النظر في الشــخصيات الحاملة لصفة الإخصاء نخلُص إلى أن الكاتب تنبّه على ملحظ هام ، يكمن في إصراره على الاحتـــفاء بمجهود فكري إنساني في العلوم العلمية والإنسانية مارس العالم تجاهه أبشع الإخصاءات ، فما بين خصـية السهرودي المقتول، وكارل مارس،وخصية نوال السعداوي ،وجوليا كريستيفا يقف السؤال الأوديبي: هل الخروج عن الجادة المجتمعية والثقافية هو إيذان بالإخصاء؟ وهل نحن البشر أبناء لحضارة مخصية ؟.
خصيان فلسفية هو كتابة رابليهية  ليست قابلة للتجنيس ، لكنها مقــــاربة هــرميّة لكتاب “جنازة المؤخرة”  للباحث نفسه ، ليبدو للقارئ بأنَّ الكتابين هما  احتفاء بالجسد الضال، وقد ووجهت التجربة بالرفض والتنكيل؛ لأنَّ منظومتنا النقدية لم تَعـــتَد عـلى انتقال الجسد من الحياة إلى الورق ، لكن على الرغم من كل القمع لم يكتفِ الباحث بالإصرار على حدوث هذه المناقلة ، فعبر المؤخرة والخصيان ، عمد إلى صناعة كتابٍ لحميٍّ وآخر منوي ، ولمّا كان النقد العربي  قارئاً ورقيّاً ، فإنَّه سيخفق في هكذا نصوص حاسيا ؛ لأنَّه قامع لفكرة اللقاء بالجسد . 
إذن خصيان فلسفية هو محاولة أخيرة في استنهاض المخيال بوصفه خصيةً ، والخلاص من الضمور الذي أصابه عربيا ، فحينما يتراجع التخييل ، يصبح من الواجب على شاغلي الحقول المعرفية اللعب بالخصيان الفلسفي
*خصية غادامير
كان هذا المئوي عمرا
نظرات عابرة لأزمنة كثيرة
نظرات استمدت عافيتها من خصية سوية
لابد أنها ساندته لعقود طويلة من الزمن
ليكتب هذا التآسن :»الحقيقة والمنهج» ،»بدايات الفلسفة» ،» طرق هيدجر»
الخصية واحدة
لكنها تتنوع للغاية
تلك ميزة «الحقيقة والمنهج»
لابد أن الألماني غادامير تفاعل مناهجياً مع عالمه
دشَّن طرق تعامل كثيرة مع خصيته :
خصية للتأمل!
خصية نموذجاً!
خصية للدرس!
خصية فنية بالمقابل!َ
كما هي على صورة الذات:
وكروية الخصية معلَم تنويري ، كما يُلاحَظ
خصية غاداميرية بجدارة حُكماً
منتجة ، تدور وتدور كما هي كرة غاليليه
يمكن اختراقها بسهولة
لكن المقتل يكون هنا
أما كموضوع للبحث
فما أكثر وضعيات خصيته عند مكاشفتها
وكيف يمكن الحفاظ على عافيتها
رغم التقدم في العمر
وهي تتقدم في التوهج وتكبر من الداخل!
*خصية نوال السعداوي
هي ذي صاحبة «الأنثى هي الأصل»
والتي تحمل أكبر خصية في داخلها
منازلة الرجل الممتلئ ذكورة
على حلبة الجنسانية تاريخياً
تشهر في وجهه أنوثة تمثّل لها أصل العالم ، الكون
رداً صاعقاً على قائل :الذكر هو الأصل
أي خصية كانت تحفّز في نوال السعداوي لأن تواجه ذكورية مضخمة بالطريقة هذه
أليس القول المعكوس ترجمة مضادة خصيوية الطابع
أي براعة جدلية فلسفية تملّكت السعداوي
لتظهِر مدى إفلاس الرجال من منطلق ذكورتهم
وهي تفخخ خصيتهم الواحد تلو الآخر
الخصية واجهة الرجل ، وجهه ، وجاهته ، توجيهه
تلك هي خلاصة ما تفتقت عنه ذهنية السعداوي
وهي تُقلّب الرجل»الخصية» على شتى الوجوه
وهي تمارس في كينونته تشريحاً
وفق معايير نوالية
لتعزيز رؤيتها في الذكر
بأنه ليس أكثر من خصية معرضة للتعفن تدريجيا
ولتنسى نوال السعداوي هذه
أنها على مدى عقود زمنية طويلة
لم تفلح في الخلاص من تلك الصورة المستبدة
صورة خصية ربما تقلب نومها كوابيس
ولا تدخر جهداً في تأليب بنات جنسها للنيل منها:
يا نساء العالم عليكن بخصية الرجل
«حقيقته السلفية»



المشاركة السابقة : المشاركة التالية