جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


الجلد البشري ... فنون وفنتازيا مثيرة للجدل


تحرير وترجمة/صادق الطائي
العديد من الموضات مؤقتة، لكن يبدو أن بعضها يدوم لأجيال. سواء كانت بدلات من ثلاث قطع ، أو بنطلون جينز مفضل لديك ، أو جاكيتات جلدية قديمة ، فإن العديد من الأساليب تناسب كل الأوقات. إذا كنت تحب ارتداء الجلد، فربما تكون متحمسًا للابتكارات في هذا المجال، ولكن حتى أكثر الأشخاص حماسة قد يترددون في ما سأقوله، هل يمكن استعمال الجلد البشري في المصنوعات الجلدية كما هو الحال مع جلود الحيوانات المختلفة؟ هذا هو محور الموضوع .
المنتجات الجلدية المصنعة من الجلد البشري ليست شيئًا جديدًا، فالمعجبون بأفلام الرعب والروايات البوليسية وقصص الجريمة يعرفون ما أتحدث عنه. ومع ذلك، هناك فرق بين قراءة قصة رعب جيدة أو مشاهدة فيلم سينمائي وبين رؤية بعض هذه الأفكار المروعة في الحياة الواقعية.
يعتبر القاتل المتسلسل الامريكي إدوارد ثيودور جين (1906 - 1984) ، والمعروف أيضًا باسم “جزار بلينفيلد” أو “غول بلينفيلد” أحد أشهر الأمثلة في هذا “المجال” ، فهو لص جثث مارس نشاطه الاجرامي بين عامي 1954-1957. وقد اتهم رسميًا بقتل شخصين، لكن قائمة الأشياء التي صنعها من جلود الضحايا طويلة إذ شملت: صديري، مشغولات يدوية وتحف تعلق على الحائط، مشد وحزام، أقنعة، أطباق ومنافض السجائر، اغلفة كراسي جلوس، قفازات ... الخ. وقد اتضح من تحقيقات الشرطة ان جين كان مهووسا بسرقة جثث الاموات والتصرف بجلودها لصنع مشغولاته الغريبة.
في زمننا الحاضر، ليس عليك أن تكون لص جثث حتى تحصل على حذاء من جلد بشري!، إذ قد يبدو أن هذه الممارسة قد اختفت تمامًا، إلا أن الموقع التجاري البريطاني  (HumanLeather.co.uk) يعرض منتجات مصنوعة من جلد بشري حقيقي، ويزعم الموقع أنه يبيع سلعًا فاخرة، قانونية تمامًا ومصنوعة حسب الطلب لزبائن “صغار ولكن متطلبين” بحسب وصف الموقع. خدعة مقنعة أم لا؟ ، يمكنك تجربتها بنفسك إذا كان لديك 14000 دولار لتنفقها في شراء محفظة نقود مصنوعة من جلد بشري، مع أني لست متأكدًا من أنه سيكون لديك الكثير من المال المتبقي لوضعه فيها بعد الدفع.
إذن ، من يريد شراء إكسسوار جلدي بشري؟
وفقًا للأسئلة الشائعة المطروحة في الموقع المشار له، فإنهم يريدون إبقاء عروضهم محدودة، لأنهم الشركة الوحيدة في العالم التي تصنع هذه المنتجات. أما بالنسبة لمورديهم ، فيدعي الموقع أن المتبرعين يورثون جلودهم قبل أن يموتوا، وأن أحباؤهم يكافئون بسخاء. ومع ذلك ، لا يتم قبول جميع أنواع الجلود، إذ يتم الاحتفاظ فقط بالجلود عالية الجودة، لذلك إذا كنت تريد أن تجعل عائلتك غنية قبل أن تموت، فاحرص على العناية الجيدة ببشرتك.
إن قصة الشركة البريطانية تعتبر غريبة بما فيه الكفاية، وقد تم إغلاق الموقع بشكل غريب منذ بضع سنوات لأن أرقام طلباتهم أصبحت “كبيرة جدًا”. ومع ذلك ، يقول القائمون على الموقع الالكتروني للشركة إنه سيتم إعادة فتح الموقع قريبًا. شرعية المنتجات الجلدية البشرية غير واضحة إلى حد ما، خاصة فيما يتعلق بامتلاك المصنوعات المنتجة وفق كتالوجات الشركة البريطانية.
رحلة تاريخية مع استخدام الجلد البشري
تاريخ الجلد البشري مثير للقلق بشكل خاص، فهناك آثار لأشياء مصنوعة من جلد الإنسان في جميع القارات، على سبيل المثال، إذ يذكر باحثون في الانثروبولوجيا إن بعض القبائل الافريقية في النيجر والكاميرون تُدعى إيكوي قامت قديما بصنع أقنعة كبيرة متعددة الوجوه للطقوس والاحتفالات، وقد تم استخدام العديد من المواد في صناعتها، كما تم تغطيتها بجلود عبيدهم، لكن في الوقت الحاضر تغيرت هذه الطقوس والممارسات وأصبح جلد الظباء المدبوغ يستخدم بدلا من الجلد البشري.
كما تم العثور على آثار أخرى لهذه الظاهرة في اليابان، حيث تم احترام بعض فناني الوشم لتعقيد عملهم، وقد حظي عملهم بتقدير كبير لدرجة أن مستثمرين مجهولين دفعوا أموالًا للأشخاص القريبين من الموت ليشموا أجسادهم بالكامل حتى يتمكنوا من الحفاظ على الجلد بعد وفاتهم.
وفي عهد شيوع قوانين جيم كرو المقننة للفصل العنصري في الولايات المتحدة، تم استخدام جلد بعض العبيد الأفارقة والأمريكيين الأفارقة في صناعة الأحذية، وقد ذكر ذلك الدكتور ديفيد بيلجريم، المحاضر الأمريكي والخبير في التعددية الثقافية والتنوع والعلاقات بين الأعراق، وأشار الى إن هذه الممارسة لم تكن منتشرة، لكنها كانت موجودة بالفعل في بعض الولايات الامريكية.
والأكثر إثارة للدهشة أن سجلات ارشيف صحيفة “ أخبار فيلادلفيا “ اليومية التي تعود الى عام 1888 تذكر طبيبًا كان يمتلك أحذية رجالية ملونة. وقد أصر على أن الجلد الافريقي المدبوغ هو أقوى وأنعم جلد عرفه الإنسان في المنتجات الجلدية. ويقول الطبيب الامريكي في مقال ورد في الصحيفة بتاريخ 17 اذار/مارس 1888؛ «أفترض أنك تقصد الاستفسار عما إذا كنت ما زلت أرتدي أحذية مصنوعة من جلد الزنجي. أنا بالتأكيد أفعل ذلك، ولا أقترح التغيير في هذا الصدد حتى أجد جلدًا أنعم ويستمر لفترة أطول ويقدم مظهرا أفضل. ليس لدي أي شعور تجاه هذا الأمر. لو كنت جنوبيًا - بالمعنى الأمريكي للكلمة - قد يتم اتهامي بأنني مدفوع بتحيز عرقي. لكنني أجنبي بالميلاد، على الرغم من أنني مواطن أمريكي بالتجنيس، لقد قاتلت في التمرد من أجل تحرير السود. وسأستخدم جلد الرجل الأبيض لنفس الغرض إذا كان سميكًا بدرجة كافية، وإذا كان لدى أي شخص رغبة في ارتداء بشرتي على قدميه بعد أن يتوقف آخر نفس لي، أنا أقول إن لديه إذن مني بذلك قبل وفاتي”.
لسوء الحظ ، هذا الطبيب لم يكن حالة غير عادية، فقد تم العثور على العديد من الأشياء المصنوعة من الجلد الأفريقي والأمريكي الأفريقي خلال هذه الحقبة في الولايات المتحدة. كما أنه ليس من المستغرب أن هناك قصصًا عن المشغولات اليدوية المصنوعة من جلد الإنسان أثناء الهولوكوست في معسكرات الاعتقال النازية، إذ لم يعد سراً أن العديد من العلماء النازيين وضعوا أفكارًا مثلت أسوأ الكوابيس التي يمكن تخيلها عن استخدام جلود نزلاء المعتقلات النازية سواء كانوا من مقاتلي المقاومة، أو جنود الحلفاء السود، أو السجناء السياسيين، أو المثليين جنسياً، أو اليهود.
بعد الحرب العالمية الثانية، أفيد أن النازيين صنعوا غطاء مصباح واحد على الأقل من جلود القتلى في معسكرات الاعتقال، وذكر في محاكمات نورمبرغ لقيادات النازية: إن غطاء المصباح المصنوع من الجلد البشري قد عرضه قائد معسكر اعتقال بوخنفالد، كارل أوتو كوخ وزوجته إلسي كوخ ، إلى جانب العديد من المشغولات اليدوية الأخرى المصنوعة  من جلد الإنسان. كما تم العثور على آثار لألبوم صور نازي مصنوع من جلد بشري.
هناك استخدامات أخرى للجلد البشري في التاريخ أكثر “فنية” إذا كنت أجرؤ على قول ذلك، لتجنب التقيؤ أثناء قراءة هذا المقال، سأوفر لك التفاصيل والأشياء المروعة التي يمكن أن أجدها أثناء بحثي، وصدقوني ، كان هناك الكثير. لكن دعونا نركز على الآثار الأكثر لفتا للنظر المصنوعة من جلد الإنسان.
أشياء مهمة مصنوعة من جلد الإنسان
على مر التاريخ ، كان هناك العديد من الأشياء المصنوعة من جلد الإنسان، ولكن هل يجب أن يصنع الفن بجلد الإنسان؟ لنبدأ بكتاب “ Des Destinées de L›âme “ الذي نشره أرسين هوساي عام 1879، وهو كاتب وأديب فرنسي، ولم تأت فكرة تغطية كتابه بجلد بشري من المؤلف نفسه، بل كانت فكرة صديقه الدكتور لودوفيك بولاند، أحد محبي اقتناء وقراءة الكتب، فكر الطبيب: كتاب عن روح الإنسان مرتبط بجلد الإنسان، يا لها من فكرة جيدة! لذا كان الجلد المستخدم في تغليف الكتاب هو جلد أحد مرضاه الذي كان يعاني من اضطرابات نفسية. واليوم ، تُحفظ بقايا الكتاب في مكتبة هارفارد، التي أكدت أصل الغلاف.
كما أن هذه الممارسة كانت أكثر شيوعًا مما قد نعتقد، إذ قام بعض المجرمين بتدوين اعترافاتهم بالوشم على جلودهم للحصول على فرصة للغفران وبالتالي الذهاب إلى الجنة. كما طلب أشخاص آخرين أيضًا أن يتم تخليدهم في شكل كتاب للبقاء مع أسرهم أو عشيقاتهم.
أسطورة نيكروبونتس الأيسلندية
إذا كانت كل هذه الأشياء اليومية مملة، فأنا متأكد من أن أسطورة نيكروبونتس (Necropants ) الأيسلندية ستكون خيالية ومثيرة! هي حكاية شعبية او اسطورة انتشرت في ايسلندا تحكى عن سراويل سحرية مصنوعة من جلد الإنسان، الاسطورة تعود الى القرن السابع عشر، وقد ولدت هذه الأسطورة اثناء حقبة صعبة مرت على شعب آيسلندا، أذ تعرضت الجزيرة للعديد من الكوارث الطبيعية وغارات القراصنة المستمرة، لذلك لجأ بعض الآيسلنديين اليائسين إلى السحر.
تفاصيل الحكاية/الاسطورة تقول؛ يجب عليك أولاً عقد اتفاق مع رجل يسمح لك بسلخ جلد نصفه السفلي بعد وفاته ودفنه، ويجب أن تنتظر حتى يموت، ثم أنبش قبره، وأزل الجلد برفق من النصف السفلي من جسده بالكامل دون إحداث أي ثقوب أو تمزقات لعمل بنطال منه. تتضمن الطقوس بعد ذلك سرقة عملة معدنية من أرملة فقيرة ووضعها في كيس الصفن باستخدام نوع من السحر يعرف بـ “السحر الروني “، ثم من المفترض أن يمتلئ كيس الصفن بالعملات المعدنية بشكل دائم. لكي يضمن الساحر خلاص روحه، كان على البنطال أن يجد مالكًا جديدًا قبل وفات مالكه، لتستمر الحكاية وتتعقد أكثر. ومع ذلك ، لم يتم العثور على أي دليل على وجود “نيكروبونتس”، وإن البقايا الوحيدة لهذه الأسطورة هي نسخ واعمال فنية تقلد ما ورد في الاسطورة الايسلندية .
لإنهاء هذا القسم بلمسة أخف، أود أن أذكرك أنه في الوقت الحاضر، هنالك أمثلة على أشياء من جلد الإنسان نادرة للغاية. علاوة على ذلك ، أصبح العلم اليوم قادرًا على زراعة الجلود في المختبرات. إذ يتم استخراج المادة الوراثية ووضعها في مزرعة خلوية ، ثم يتم “حصاد” المنتج ودباغة أنسجة الجلد وتحويلها إلى خامة جلدية جاهزة لعمل المشغولات. لكن هل تعتقد إن الامر بات أقل رعبا؟ أنا لا اعتقد ذلك.
قضية «ألكسندر ماكوين»
كان ألكسندر ماكوين (مصمم أزياء بريطاني توفي في 11 شباط/فبراير 2010) صانع مشاكل من طراز فريد أثناء حياته بسبب الطبيعة الاستفزازية لبعض مجموعاته من الازياء. وقد تمكن من احتلال عناوين الأخبار منذ وفاته بفضل الفنانة ومصممة الازياء تينا غورجانك (Tina Gorjanc ).
صنعت تينا غورجانك اسمًا لنفسها عبر مشروعها الجنوني لتصميم حقيبة تان وحقيبة ظهر منمش وسترة موشومة من جلد المصمم الشهير ألكسندر ماكوين ويدعي عدد من العلماء أن هذا ممكن نظريًا عن طريق استخراج الخلايا من جلد ماكوين وزراعتها، ثم دباغة الجلد واستخدامه، إذ إن مختبرات العلم  اليوم قادرة على إنماء خلايا من الحمض النووي لشخص ما، لكن الجزء الأكثر جنونًا في هذه القصة هو أن تينا غورجانك قدمت براءة اختراع تمنحها الحق في إنشاء وتسويق مجموعة كاملة من الملابس المصنوعة من الجلد البشري، وأطلقت على المشروع اسم “الإنسان النقي” وسط سانت مارتينز.
وقد ثارت موجة حادة من الانتقادات مفادها: هل استعمال الإكسسوارات التي يدخل في صناعتها خلايا جلد ألكسندر ماكوين غير أخلاقية؟. يقول المدافعون عن الفكرة إن جلد الإنسان مورد وفير للمصنوعات الجلدية، وبقدر ما قد يبدو الأمر مزعجًا، فإن جلد الإنسان هو جلد محتمل للاستخدام في المصنوعات الجلدية بحسب تصريحات المختبرات العلمية المتخصصة. إذ أصبح بإمكان العلم أن ينمي خلايا الجلد بشكل أكثر كفاءة، ويمكن أن تمتلك صناعة الجلود موارد غير محدودة تقريبًا. في سياق تبحث فيه صناعة الملابس بشكل متزايد عن بدائل لمعالجة مشكلة تغير المناخ، يعد هذا حلاً قابلاً للتطبيق. وهنا يقول المتحمسون للفكرة؛” لحسن الحظ ، ليس عليك أن تكون قاتلًا متسلسلًا لتمتلك جلد إنسان، الآن يمكنك القيام بذلك عن طريق زراعة الجلد في المختبر”.
كما ذكر المدافعون عن البيئة أنه الانسان يقتل أكثر من مليار حيوان كل عام من أجل تجارة الجلود ، من الأبقار إلى العجول والحملان والماعز والخنازير والكلاب والقطط ، لذلك يبدو أن الجلد المزروع في المختبر هو جلد مبهج من الناحية الجمالية مع صفات جيدة، إذ أن جلد الإنسان يشبه إلى حد بعيد جلد الخنزير. في الوقت الحالي، تعتبر الأمثلة الوحيدة للجلود المزروعة باهظة الثمن، لكن اسعارها ستنخفض بالتأكيد إذا أصبحت أكثر شيوعًا، لكنها تبقى في الوقت الحالي ذات قاعدة عملاء صغيرة جدًا وحصرية.
لكن من جانب اخر يتعالى صراخ المعترضين على هذه الافكار الجنونية، وقد أدلوا برأيهم بالقول؛” إن هذا الامر يعكس تدهورا واضحا في احترامنا المتبادل، وانهيارا لمنظومات اخلاقية حافظت على تماسك المجتمعات البشرية عبر التاريخ الانساني”، كما يرفض المحتجون كل الحجج التي قدمها المدافعون عن البيئة، وأعتبروها مجرد ترهات تحاول الالتفاف على مسلمات اخلاقية. وفي النهاية يبدو اننا نعيش في زمن غريب للغاية، على حافة الخيال العلمي. من يدري مم ستصنع ملابسنا في غضون 10 أو 20 عامًا؟.



المشاركة السابقة