جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


سيرجي باراجانوف: شعرية السينما


حسن ناصر
لا بد لي من أبدأ من توضيح قولي بشعرية السينما والإجابة على سؤال ضمني ينتج عن ذلك القول: هل هناك نثر سينمائي لنقول بوجود شعر سينمائي؟
أقول شعرية السينما لظني أن ليس ثمة قول آخر ينطبق على سينما المخرج الأرمني السوفيتي سيرجي بارجانوف (1924-1990) وأسلوبه الفذ في صناعة أفلامه الشهيرة ابتداء من فيلمه « في ظلال أسلاف منسيين» و»لون الرمان» و انتهاء بآخر أفلامه الكاملة «عاشق غريب «. ومن أجل تعريف ما أعني به بالشعر هنا ألجا إلى مثالين: الأول ورد على لسان الشاعر الفرنسي بول فاليري الذي قال: (إن المقارنة بين النثر والشعر هي ذات المقارنة بين المشي والرقص) والمثال الثاني ورد على لسان الشاعر الأسترالي لز موري ( النثر كتابة فكرة ما أّمّا الشعر فهو التفكير نفسه).
لم يكن باراجانوف الذي خرج على تقاليد الواقعية الاشتراكية بعد أن شاهد فيلم طفولة إيفان لآندريه تاركوفسكي يروي بالصور سيرة حياة أو حكاية من التراث وهو المولع بتراث الأقليات التي احتواها الإتحاد السوفييتي بآيديولجيته الحديدية، بل كان يريد أن يتلو بالصور على طريقة المنشدين من الشعراء والصوفيّة قصائد تتوق إلى القبض على الجوهر الكامن في السيرة أو الحكاية ليتمثل ما فيه من جمال ومن عمق كوني. إنه في الواقع لا يمشي على خط الحكاية أو المسار المنطقي المتوقع لطريقة سردها بل يتمثلها في رقصة صوفية من الصور والمشاهد تهيم بها الأرواح وتشذ عن أي تصنيف منطقي أو خط سردي. تمرّد باراجانوف وطلّق تقاليد الواقعية الاشتراكية متأثراً بالمخرج الروسي الكبير تاركوفسكي ليقول إن كل ما انتجه للسينما قبل ذلك كان (مجرد قمامة) ثم ليبدأ الحفر عميقا بعد ذلك مكتشفا السينما ولغتها مرة أخرى وليبتكر جماليات خلّاقة ساهمت في اجتراح لغة جعلت صديقه المخرج ميخائيل فارتانوف يقول أن لغة السينما لم تشهد إضافة حقيقية منذ غريفيث وآيزنشتاين إلى أن جاء باراجانوف بفيلمه (لون الرمان).
المخرج العبقري سيرغي باراجانوف أو (سركيس باراجانيان) المولود في تفليس جورجيا دخل عالم السينما من بوابة الواقعية الاشتراكية ولكن مشاهدته لفيلم تاركوفسكي (طفولة ايفان) قلبته رأسا على عقب كما يقول. ويبدو أنها أيقظت فيه روحه التمردية وحساسيته الجمالية الشعرية الخالصة ليهيم خارج أسوار الآيديولجية باحثا عن معنى لحياته كالمنشدين الجوالين أو «العشّاق» كما يقال عنهم في ثقافة تلك الأصقاع والذين هم محور فيلميه “لون الرمان” و»العاشق الغريب”.  ومن الجدير بالذكر أن اللفظ العربي (عاشق) يطلق على منشدين وشعراء جوالين يحفظون في ذاكرتهم قصائد وروايات طويلة وملاحم وألحان وأناشيد لا يقدر على حفظها إنسان عادي في تلك المنطقة الممتدة من آرارات إلى القفقاس وأرمينيا. تعرّض باراجانوف للسجن أكثر من مرة . قبيل الحكم عليه بالسجن في بداية السبعينيات كتب آندريه تاركوفسكي إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في أوكرانيا موضحا أن باراجانوف لم يخرج سوى فيلمين خلال عقد من الزمن وأنه بتينيك الفيلمين ترك أثرا واضحا ليس في سينما بلاده وحسب بل في سينما العالم كلّه وأضاف أن ليس هناك في العالم من يمكن أن يحتل مكانة باراجانوف في السينما.
أتهم باراجانوف بجرائم أخلاقية في ظل الاتحاد السوفيتي  ويبدوعلى الأغلب أن تلك الجرائم كانت في واقع الأمر افتراءات هدفت إلى النيل منه وتحطيمه لأنه تمرد على دعائية الواقعية الاشتراكية وتوظيفها الفن باعتباره “مشيّا” باتجاه قصد واضح ومحدد وليس للمتعة الجمالية والروحية كالرقص. وفي كل مرة من تلك الاتهامات والأحكام الجائرة كانت الرسائل تنهال على رؤوس القيادات السوفيتية داعية إلى إطلاق سراحه وإتاحة الفرصة للبشر بالتنعم بجمال رقصه الصوري على شاشات دور العرض. الذين كتبوا مطالبين بإطلاق سراحه والعفو عنه عدا تاركوفسكي كانوا: فيدريكو فيليني وفرانسوا تروفو وجان لوك غودار ولويس بونويل ومايكل أنجلو أنطونيوني ومن الكتاب فرانسوا ساغان وجون أبديك. لكن الذي حرره من سجنه الأخير (خمسة أعوام مع الأشغال الشاقة) بعد أن قضى أربعة أعوام منها هو الشاعر الفرنسي لويس أراغون الذي التقى برئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي ليونيد بريجنيف في مسرح البولشوي وحين سأله بريجنيف عما يمكن أن يطلبه قال آراغون كما يشاع إنه لا يطلب شيئا سوى إطلاق سراح باراجانوف.
الدهشة السينمائية التي حملها فيلم «لون الرمان» إلى الشاشة تسعى وكما ينوّه براجانوف في البداية ليس إلى سرد حياة الشاعر “العاشق” الأرمني سايات نوفا (Sayat Nova) بل إلى تقديم حياته وشعره بطريقة جمالية تستوحي الحكمة والجمال من سيرته وقصائده. بمعنى آخر؛ لم يشأ باراجانوف أن يسرد سيرة الشاعر بل يرويها بقصيدة من الأشكال والألوان والحركات. يعتبر الشاعر الأرمني المولود في القرن الثامن عشر الأعلى والأرقى مكانة بين العاشقين والشعراء الأرمن وأسمه كما يمكن أن يترجم إلى العربية هو سيد الألحان أو بترجمة محتملة أخرى صائد الأنغام . والفيلم سلسلة من رموز وايحاءات نادرا ما يرافقها الكلام وكأن براجانوف كان يسعى بنوستالجيا عميقة إلى استعادة بدايات السينما باللقطة الواسعة التي تجعل من المشاهد مسرحية بطريقة ما أو تحاكي الأوبرا الصينية بالزخرف والألوان والحركات كما شعر كاتب السطور في مشاهد كثيرة . لم تر الرقابة السوفيتية أو تكتشف بُعد سيرة الشاعر أو حكايته في فيلم باراجانوف لقصر نظرها أو لمحدودية رؤيتها وضحالة تفسيرها فاقترحت عنوان “لون الرمان” بديلا لتضفي دون قصد جمالا استئنائيا على عنوان فيلم سيظل ماثلا في ذاكرة السينما.
أمّا الرمّان هذا الرمز الذي يتكرّر في أفلام باراجانوف التي تحدثنا عنها فلا شك يرتبط بتراث المنطقة وبتراث المخرج الشخصي. كما أن ميل باراجانوف الى الفلولكور المحلي في جورجيا أو في آدربيجان وأرمينيا فلا شك يمثل بطريقة ما ردا على الآيديولوجية التي أرادت تذويب الهويات المحلية بالهوية السوفيتية الشاملة. لكن القول بشيء كهذا ربما ينحرف بالاهتمام عن الجماليات الخالصة التي يمثلها باراجانوف بتجرده من الأغراض العرضية غير الفن الراقي ومخاطبة الحساسية الجمالية لدى الانسان تلك التي ترتبط بالضرورة بنزاهته الروحية ونزوعاته الخيّرة.
انتقل باراجانوف من حركة الكاميرا المستمرة والمتحولة في ظلال أسلاف منسيين إلى سكونها واللقطات االمسرحية الواسعة في لون الرمان وآخر أفلامه المكتملة (عاشق غريب) متأثرا بآيزنشتاين وبازوليني الذي قال عنه باراجانوف «إنه بالنسبة إليَّ إله». وفيلم العاشق الغريب مأخوذ عن قصة لميخائيل ليرمنتوف عن عاشق فقير من أذربيجان يذهب لجمع المال من أجل الزواج من حبيبته التي وعدت أنها ستنتظره ألف يوم. نتابع في سلسلة من الصور والمشاهد الأوبرالية ليس سيرة الشاعر وسيره على الأرض بل نرى عوالمه الداخلية ومعاني رحلته متمثلة بالأشكال والألوان والحركات. وفي اليوم الأخير من انتظارالعشيقة يأتي إلى العاشق الغريب وهو في أقاصي رحلته خضر الياس على جواد أبيض لينقله برمشه عين من همدان إلى أردبيل. لا شك في أنَّ ذلك البعد السحري للواقع والروي عنه بطريقة شاعرية يقف على النقيض تماما من آيديولوجية الواقعية الاشتراكية وسردها النثري الذي يسوّق لفكرة ورؤية معينة في فترة صناعة الفيلم. ذلك هو أيضا ما سكن الروح المتمردة لفنان حقيقي آلى أن يكون صادقا لفنه ولرؤيته للعالم وفلسفته للجمال والفن وكان مستعدا لأن يتحمل سنوات السجن والاشكال الشاقة من أجل أن يرسم لنا عوالم جوانية صوفية ترنو إلى اكتشاف الأعماق بالشعر السينمائي. لذا فإن باراجانوف هو الأكثر استحقاقا لأن يتوّج بلقب شاعر السينما.
وأخيرا لا بد من كلمة شكر أوجهها للصديق الفنان الأستاذ مقداد عبد الرضا الذي دلنا على عوالم مخرجين كبار في السينما من آندريه تاركوفسكي إلى الشاعر المدهش سيرجي باراجانوف.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية