جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


الفن التشــكيلي والخرافــة .. الغيبي واللاعــقلاني في العمل الفني


روما: موســـــى الخميسي
موضوع الخرافة وعلاقتها بالمنتج التشكيلي، لاشك انه معقد وشائك، رحب الارجاء، مترامي الاطراف، يصعب حشره في أطر تأليفية ، خاصة وان التحليل الاجتماعي والسيكولوجي يكاد يكون ضعيفا للغاية، كما تنعدم في مجتمعاتنا العربية،الابحاث الانثروبولوجية والاثنوغرافية التي يمكن ان تقدم الوقائع المحسوسة لكل بحث نظري حول هذه العلاقة الشائكة بـين الفنـون التشكيلية والخرافـة.
الا ان الخرافة والاسطورة والفلسفة والسحر والدين والفن كانت ولا تزال الى يومنا هذا، وفي العديد من تجمعاتنا الانسانية، تتداخل جميعها لتشكل مجتمعة او متصارعة، نمـطا معينا من التفكير او الذهنية، غالبا ما اطلـق عليها اسم الذهنية الالتباسية، مقابل الذهنية العلمية. فالخرافة لم تتلاش من سلوكياتنا وافكارنا ومعتقداتنا وطموحاتنا، لانها لاتزال تشكل جزءا من لغة التعبير الشعبي، فقد تبدل شكلها، اما طبيعتها فلا زالت باقية مترسخة. وقد يتغير دورها، اما بنيتها فتستمر في علاقة جدلية مع البنية الاجتمـاعية وذائقتنا الجمالية للاشـياء التي تحيط بنا، انها تتعايش وتتكيف حتى اصبحت تشكل جزءا لايتجزأ من بنية قيمنا الاخـلاقية ومحرماتنا الدينية. الخــــــرافـة لازالـت تشـــكل جزء مـن لغتنا في مسيرة التغيير والتطور .
فالخرافـة تصدر عادة عـن العاطفــة والشعور لا عن العقـل الواعي باعتبارها سرد خيالي شعبي عفوي ذو معنى رمزي، تتضمن بعض الاحيان تقليدا قديما او حكاية عن شخصيات واحداث وتشير عادة الى ظواهر طبيعية او الى مرحلة تاريخية او الى مضمون فلسفي او خلقي او ديني، ويقال ان جميع الميثولوجيات العالمية انطلقت من اسس خرافية تشعبت وتلاحمت لدى عدد من الشعوب. والخرافة تبرز احداثا وشخصيات وهمية تتراءى من خلالها احداث وشخصيات واقعية. وترتبط بوقائع مادية وخيالية ، مأساويا او دينيا وترتبط بعقائد إيمانية او بشعائر سحرية .انها بعبارة اخرى عبارة عن تمثلات نسبية يعبر الفرد من خلال تداولها احداثا نفسية قادرة على ان تكون جزءا من مفاهيم ادراكية وسيرورات ومسارات.
والخرافة ولدت مع اول الافكار التي كان يشعرها الانسان، لتكبر وتتسع مع توسع مداركه، امتلكت سطوتها لتشكل اجابة للعديد من الظواهر التي واجهها الانسان ، واستطاع ان يصوغها  كاجابات للاسئلة الصعبة التي يرددها العقل البشري منذ ان وعى وجوده. ومن الضروري والحالة هذه ان تكون الاجابات التي خلقها الانسان لنفسه وللآخرين المحيطين به، تصويرية حية تمنح وتسبغ قوة هائلة على القدرات الغيبية بكل مشتقاتها وتكوناتها الدينية والسحرية.
وهذا البعد الوجـداني لكل مـن الفـن التشكيلي والخرافة يبرز تشابها بنيويا، باعتبار ان الفن قوة روحية خلاقة، وهو تجربة" شـبه دينية" شخصية وجدانية تتم خارج نطاق الحواس فلا تقيدها قيود الواقع ولا المنطق. والفنان حسب عالم النفس"كــارل يونغ" ليس مخلوقا عاديا يبدع اعماله عن قصد وتفكير ورؤية بل هو مجرد أداة في يــــــد " قوة عليا" لاشعورية. ويتسم مفهوم يونغ على مستوى البنية بـروح قدرية تعد هـي الاخـرى ملمحا مـن ملامح التشابه بين الفــن والخرافة، فالعمل الفني يصنعه الفنان وليس العكس،  لان الفنان عبر منجزه الفـني قادر عبر الادراك المباشر على النفاذ الى باطن الحياة. الفن هو حدس يستولي على الذات العارفة فيجعلها تتطابق  مع موضوع معرفتها. وبرأي الفيلسوف الالماني" شوبنهور" فان الفنان الذات العارفة الخالصة المتحررة من الارادة واسر الجسد وعبودية الاهـواء، فهو لايعود يعيش  الابوصفه مرآة لموضوعه، بعد ان فقد ذاته واستحال ذاتا عارفة خالصة عارية مـــــن الارادة.
ان اللجوء الى الفكر الغيبي والخـرافي القائم على اسس غيبية لاعقلانية، له منطقه المختلف تماما عن منطق الفكر الموضوعي، والخرافة المكونة لهذا الفكر تنزع دائما الى اضفاء صفات قدسية غامضة على مواضيعها واشيائها واشخاصها، ولا مشادة ان الخرافة لها عمليا مستلزمات غيبية تستند اليها في كثير من الاحيان في الواقع، وتنعكس بواسطتها علــى الـكثير من الظواهـر الاجتماعية والسلوكية، فهي تتحول في كثير من الاحيان الى ممارسات وسلوكيات لتكــرس الكثير من المفاهيم، وهذا يعكس من ناحية ثانية مدى اتساع آفاق المخيلة عن طريق الحلم والتخيل، وما الفن الا نظـام رمزي قــادر على الايحاء والتأويل، ومن ثم القدرة على كشف اللاانساني واللااخلاقي في رؤية الفرد. ولهذا نرى بان السحر والخرافة والاسطورة عند الفنان تحظى باهتمام أكبر منه عند الفئات الاجتماعية الاخرى . ويبدو ان ذلك يرجع الى ان الفنان ، بحكم ظروفه الحياتية المادية والذهنية يحتاج الى السحر والخرافة بدرجة اكـبر مما يحتاجـه الانسان المنتمي لمسارات حياتية اخرى. لانه  يحيا حياة اكثـر حساسية واكثر شفافية، تتسم بالكثير من الاوهام والاحلام والهواجس وبالقلق والخوف والتهديد، والشعور بالاستلاب والاغتراب، على كل مستويات الحياة بحكـم اختـلاف امكانات هـذا الفرد التكنولوجية والعلمية واقترابه للمتخيل المنبثق عن اللاوعي. فهو كفرد اجتماعي، مشحون بالعواطف والاحساسات، قليل البرهان العقلي، ولايخضع للمشاهدة الحقلية او المختبرية، ولا للتصحيح والتصويب بل يتقيد في العديد من الاحيان بالاعتبارات الخرافية الغامضة. يعيش في كثير من الاحـيان عوالم مغلقة يقتصر وجودهـا على افـراد وفئات محددة، يدخلونهـا بواسطة طرق واساليب اشبه ما تكون بالطقوس، لها خصوصية متفردة تحمل افكار وآراء من اعتقادات  يكثر فيها الوهم والغرابة والغيبية، قادرة على الدخول الى ميادين كثيرة في فكر الفنان وممارساتـه ومنجزه الفني، فهو يرضي من خلالها دوافع نفسية مختلفة يجعلها في مقدمة الوسائل التي تدعم الوجود الــذاتي والاجتماعي.
وعندما نستـحضر تاريخ الفن التشكيلي، فانا نبدأ من مفهوم استـجابة الانسان لشـكل الاشـياء القائمة امام حواسه وسطحها وكتلتها، باعتبار ان الاحساس بتناسـق المنـجز ومتعته، هو احساس بجماله، ولهذا فاننا نستحضر في صنيع الفنان، التاريخ متداخلا مع الميثولوجيا والخرافة والسحر والاسطورة، باعتبار ان الخرافة والسحر هما الملاذ الاول للانسان للانتصار على خيباته ولتخطي فواجعه، وبواسطتهما استطاع الانسان اتمام عملية الحلم والتخيل والاستذكار.
كان الخــلق الفني لدى الانسان البـدائي يعني اعـادة تمثيل العالم المرئي من جانب، وهروبا مـن فرضية الحياة وتحكماتها من جانب آخر، وفي كلا الحالتين يشعر الفنان حتى في وقتنا الحاضر، برغبة في الامتاع اذ لم يكن هناك شيء مستمر او ثابت في حياته، فلم يكن لديه احساس بالديمومة والبقاء. فقد كان ولا يزال يتصرف ويسلك بصورة غريزية عند كل تحول للاحداث، ولذلك فانه عندما ينجز عملا ذو مسحة فنية يعتبره عملا من اعمال الاستعطاف السحري، في محاولة منه لخلق تعبير مرئي عن الحال التي يعيشها، بمعنى انه يسعى لخلق مكان خارج زمنه، ويحدد شكلا ظاهريا معبرا عن حالة هروبية ليجعل من كل امر غير طبيعي يواجهه وسيلة للتعاطف مع الطبيعة والمجتمع وتحييدهما.
اما عملية توظيف الخرافة في المنجز الفني، فنحن نعلم ان ما من فنان في العصور القديمة او المعاصرة، الا ووظف جوانب خرافية في اعماله، انها تشكل بحق نظاما خاصا يمتلك كل مواصفات الغرابة في بنية المنجز الفني. وقد يكون البعد التأويلي في الفن والخرافة هو الرابطة بينهما، باعتبار ان الفن كان على الدوام يعكس تعبيرا فردانيا عن مكنون مبدعه، فالمنجز الفني هو من انتاج فرد، غير ان الفن نفسه جزء من الحياة الاجتماعية. واذا لم يكن الرسم والنحت جزءا من الحياة الاجتماعية فسيكون من المستحيل انتاج الرسومات الفردية وتماثيل النحت. الفن نفسه عبارة عن عمل ماهر ذي مستوى رفيع لايهدف الى انتاج الضرورات المباشرة للحياة كالمأكل والمأوى. غير ان المعرفة ذاتها من جانب الفنان لما هو عليه نفسه وكذلك لما هي عليه حياته انما هي امور تتوقف على الديناميات الاساسية للمنجز الفني التي تجعل المجتمع نفسه حيا ومتغيرا. فان اردنا ان نجد مفتاحا يلج بنا الى طبيعة الفن والجمال فعلينا اولا ان نفحصها من حيث عمليتها الدينامية وتناميها المستمر. باعتبار ان العلاقة بين الظاهرتين المركبيتين تمتلك تركيب معقد له جذور راسخة في عالم الوجـدان الانساني.
عندما ترافق الخرافة التكوين البشري منذ الازل حتى اقرب العصور، فانه ثمة وضعا انسانيا مستلبا بحاجة الى تشكيلها وابداعها واللوذ بها ، وبالفعل فقد استطاع العديد من الفنانين العالميين ان ينطلقوا من البنية التراثية التي ينتسبون اليها ليشكلوا بدائل منها ويتجاوزونها، فصارت الحكاية والحدث الخـرافي عند هؤلاء كثيرا ما تضاف اليها عناصر جديدة تتوال مع العناصر التقليدية ، ثم يعاد تركيبها جميعا في شكل متجدد يتنافى مع القيم الفنية والاخلاقية المتعارف عليها من قبل. ووجد العديد من الفنانين العالميين في مجالات واسعة حرية كبيرة، مثلما هو الشان في الفن اللاصوري الذي تجنب فيه الفنان النقل وتمثيل الواقع وتخطي ضرورات الوجود الفردية وخلق فن صـاف متــحرر مما يحمـله ويمليه الواقع، نتيجة شعور الانسان  بهواجـس الخوف والقـلق والحيرة والظلم.
  واذا كان الفن والخرافة قد ارتبطا عمليا من قرون فان اخضاع هذه العلاقة الارتباطية لمحاولات التفسير يعد امرا حديا الى حد ما ، الا انه لايمكن تقليل اهمـية الخرافة في عالم الفنان لانها تبقى في احيان كثيرة عنصرا بنائيا مكونا لرحلة الفنان في عالم التخيل، اي تبقى واحدة من الحلول الجمالية في  ممارسة الفنان، وقد ابدع العديد من الفنانين التشكيليين من الذين اعجبوا بالدادائية ومن بعدها بالسريالية وانطلقوا منهما، لما وجدوا في هذه الاتجاهات من تمرد وتعبير عن ازمة ذاتية ملازمة تتفق ومشاعرهم الخاصة، فكان هدفهم من الممارسة الفنية الوصول الى منتج فني غريب برؤاه وعوالمه الخاصة، منتج تتحكم فيه الهفوات الخرقاء والاخطاء المفتعلة والاشكال المغلوطة المناقضة للاّواقع، ليحولها الفنان الى مادة جمالية، معتبرا اللاوعي والعالم الخرافي بكل استعارته الرمزية وتأليفاتها اللامنطقية اللاواقعية والغير متجانسة، والتي لاتمتلك اية علاقة بالادراك البصري للعالم الخارجي، مصدرا اساسيا للعمل الفني الذي اكتسب مفهوما مغايرا في مفهوم المدى الفضائي التشكيلي الذي كان متبعا في اللوحة المسندية . وان تتتبعنا العديد من الاتجـاهات والاساليب المعاصرة التي انتجها العديد من الفنانين العالميين من اعمال فنية لاشكلية ،اثناء وخلال فترة  الحربين العالميتين الاولى والثانية، سيقودنا حكمنا الى ملاحظة هامة، هي بروز الصدفة والعفوية والنزوع الى حالات التصور نحو عوالم خرافية، على نحو يتعارض مع المفهوم الشكلي، وهذا البروز لم يتسم بالاراديـة، بل هو خليط من وقائع خرافية وجدناه في مدارس واتجاهات فنية متعددة منها على سبيل المثال، التعبيرية والتجريدية والسحرية والايهامية... الخ، كما وجدناه في الاتجاهات الحديثة التي افرزتها اتجاهات واساليب ما بعد الحداثة وعلى رأسها المفاهيمية، التي اعتمدت عـلى رفض كل ما هو احساسي وذاتي، معتمدة الفكرة وما تتصف به من عفوية وتلقائية لاتعكس اي وضع  عقلاني.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية