جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فنسنت فان خوخ


ترجمة: ستار كاووش

الرسالة الرابعة والثلاثون
آرل، ٢١ نيسان ١٩٨٩
تَيّو العزيز

حين تصلك هذه الرسالة، ستكون -حسب إعتقادي-- على وشك الذهاب الى باريس، أرجو أن تقضي وقتاً جيداً، مع أمنيات بالسعادة لك ولزوجتك العزيزة.
أسعدتني رسالتك الأخيرة مع ورقة المائة فرنك التي أرسلتها، لقد سددتُ ٢٥ فرنكاً من أصل ٦٥ أُدينُ بها لصاحب البيت، الذي لم أسكن فيه، لكني وضعت أثاثي وبقية حاجاتي ولوحاتي في إحدى الغرف. وهناك عشرة فرنكات ثمن نقل هذه الأشياء وبعض التفاصيل الصغيرة. ولِكونَ ملابسي لم تعد صالحة للإستعمال، وفي ذات الوقت عليَّ الخروج الى المدينة، لذا اشتريت بدلة بثمن ٣٥ فرنك وستة أزواج جوارب بثمن أربعة فرنكات. وبذلك بقيت لديَّ فرنكات قليلة من المائة التي أرسلتها، ثم عليَّ في نهاية هذا الشهر دفع مستحقات إجرة الغرفة من جديد، لكني أعتقد أن صاحب البيت يمكنه الإنتظار بضعة أيام. ومع بعض ما دفعته للمستشفى، سأتدبر معيشتي الى نهاية الشهر بما تبقى وهذا يكفيني. مع ذلك سأحاول في نهاية الشهر الذهاب الى المصحة في سانت ريمي، أو أية مصحة أخرى تكون متاحة لي، كما أشار عليَّ السيد سالس. سوف لن أحدثك هنا عن تفاصيل هذا الموضوع، لأن ذلك يجعل حالتي سيئة وتضطرب نفسي أكثر.  أتمنى أني استطيع البدء من جديد وأحصل على مكان للرسم والعيش هنا في آرل أو في أي مكان آخر. حاولتُ دائماً أن أتلائم مع الظروف المحيطة بي والبدء في كل مرة من جديد، لكن العقبات الكبيرة هي التي تحول دون ذلك، رغم اني أشعر في كل مرة بأن رغبتي وطاقتي على الرسم تعود وتتجدد بعد كل إنتكاسة أمر بها. لكن ما أسوء أن أتقبل حالتي التي يصفوني بها وأعتبر الجنون مرضاً مثل باقي الأمراض! فأنا خلال كل نوبة أمر بها اشعر بأن الاشياء الغريبة التي تملأ رأسي أو تلك التي أقوم بها ما هي إلا حقيقة مؤكدة، لهذا يصعب عليَّ الحديث كثيراً عن تفاصيل النوبات التي تداهمني، سامحني لأني لا استطيع المضي في شرح هذا الموضوع أكثر، واتمنى ان تستطيع أنت والسيد سالس والسيد راي ان تهتموا بهذا الأمر، وتبحثوا لي عن مصحة مناسبة تجعل وضعي أفضل. والآن أجد نفسي محاطاً بأربعة حيطان، لا استطيع القيام بشيء، وليس هناك مصدراً لأية متعة أو مصدر إلهام أو تواصل، ولا يمكنني الذهاب لأية حانة أو مطعم دون سماع إنتقادات الجيران وكلماتهم البذيئة. وحتى العيش مع شخص آخر صار بالنسبة لي معضلة كبيرة، بل كبيرة جداً، وحتى لو كان هذا الآخر رساماً، لا أجرؤ الآن حتى على التفكير بذلك.
فلنبدأ بثلاثة أشهر في مصحة ونرى كيف ستسير الأمور، وهذا يكلف ثمانين فرنكاً تقريباً، وسيكون الأمر دون هياج أو أزمات مفاجئة، وفوق هذا يمكنني عمل مجموعة من اللوحات والتخطيطات خلال هذه الفترة. لقد أنفقنا نقوداً أكثر من اللازم في الفترة الماضية، فبالاضافة الى نقل محتويات البيت ووضعها في مكان مناسب ثم تهيئة اللوحات الجديدة لغرض ارسالها لك، ويضاف لذلك بعض المصاريف الجانبية التي تتعلق بحالتي، وفوق هذا اشعر بحزن شديد لأنك بعد أن مددتَ لي يدك وبكل هذه المساعدات والنقود وكل ما قمت به من أجلي في السنوات الماضية، أقول بعد كل هذا، وها أنا أروِ لك في النهاية هذه القصص الحزينة، إضافة الى أني لم استطع أن أدفع بلوحاتي خطوات الى الأمام. لكني أعدكَ يا أخي بأن ما قمت به من أجلي وكل المساعدات التي وصلتني منك سوف لن تضيع هباءً، وكل إيمانك بي ومساعداتك لي سوف تظهر من جديد بشكل ما. إنت رجل جيد وستبقى كذلك الى الأبد لذا ما تقوم به سيبقى ويأتي ثماره. أشعر بذلك وأراه أمامي لكني لا أستطيع شرحه لك. والآن انت تعرف -كما يقال- أن ما حدث لي من أزمات، كان بسبب إفراطي بشرب الكحول والتدخين، لذا فجانب من الحل هو أن أقلل من ذلك، ومثلما إعتراني ذلك ببطء سيختفي ببطيء أيضاً، وسأتعافى من ذلك بالتأكيد. وفي كل الأحوال أرى أن كلام الناس بشأن الكحول والتدخين فيه مبالغة ومغالاة أكثر من اللازم. فلينظروا الى أنفسهم في المرآة، وليبدأوا بالكف عن معاقرة الخمر والتدخين أولاً، ثم يعطون نصائحهم للآخرين، البؤس هو أن تعيش في مجتمع ينادي بالفضيلة وهو ذاته غارق في الرذيلة!
في تلك الأيام التي كان فيها ذهني مشوشاً بسبب الأزمة، أقدِّرُ طبعاً ما قام به بيير بانغلوس، لكنك ستمنحني الكثير من الراحة لو أنك رتبت مسألة دخولي المصحة مع السيد سالس والسيد راي، بدلاً منه.  أظن ان الإقامة لا تتجاوز ٧٥ فرنكاً شهرياً في المصحة، وهذا سيكون أفضل لي، وسأسعى لطريقة تجعلني أخرج في النهار لبعض الوقت كي أرسم. لكن أحذر ان تدفع مزيداً من النقود، فذلك كفيل بجعل وضعي في حالة أسوء. كذلك أن صحبة المرضى الآخرين ليست سيئة وتعودت عليها. انهم يملئون حياتي برفقتهم الممتعة. أما بالنسبة للطعام البسيط فهو ملائم لي جداً، لكن فقط لو أكثروا من كمية النبيذ، فهذا سيجعل الوضع أفضل، مثلاً نصف لتر من النبيذ في اليوم بدلاً من ربع لتر التي كانوا يمنحوها لي في المصحة السابقة. ولو بحثنا عن شقة منفصلة، فهذا سيترتب عليه الكثير من التفاصيل والنقود، أعرف أن السيد راي مزدحم بالعمل، وأن كتب هو والسيد سال شيئاً بخصوص ذلك فيجب أن نأخذهما على محمل الجد.
بكل الأحوال يا أخي الحبيب، علينا أن نتقبل الأمر ونعي مطبات الحياة، فقد قطعنا شوطاً جيداً ونحن بصحة جيدة، والآن جاء نصيبنا من الأمراض والعلل التي تنتظرنا عاجلاً أم آجلاً. وبالنسبة لي، لو كان الخيار بيدي، لم أختر حياة الجنون التي أمر بها ولا التمسك بالأزمات التي تهزني في كل مرة، لكني ها قد أخذتُ نصيبي وأتمنى ان لا تتصاعد أزمتي مرة أخرى. وعزائي الكبير هو محاولتي للعودة الى الرسم، فهذا سيخفف عني الكثير. الخيار ليس لنا دائماً يا أخي، فهل ستخبر زوجتك مثلاً عن كل الاشياء الصعبة التي تمر بك؟ هل ستخبرها عن تفاصيل باريس المريرة؟ 
أشد على يدك أخي العزيز، ولا أعرف إن كنت سأكتب لك رسائلي القادمة بشكل منتظم أم لا، فليس هناك شيئاً واضحاً عندي الآن، لذا ربما ستبدو كتابتي غير متوازنة. الشيء الأكيد بالنسبة لي الآن، هو أن مساعدتك لي كانت أعظم ما حصلتُ عليه في كل حياتي. لا أعرف في هذه اللحظات كيف أفسر لك هذا الأمر، لكنك يجب ان تعرف بأن هذه المساعدة كانت مقدسة ووقعها عظيم في روحي، رغم أنك لم ترَ نتائجها، فلا تحزن بسبب ذلك. أتمنى فقط أن تبقَ هذه الطيبة مضيئة في داخلك وتحولها الى حب عظيم تملأ به قلب زوجتك. وحتى إن قلَّ عدد الرسائل بيننا فسيفي هذا أيضاً بالغرض وسنكون قريبين من بعضنا.
ان رأيتَ غوغان أو تراسلتَ معه، فأرجو أن تبلغه سلامي ومحبتي. وبالنسبة لأمي وأختي فسيسعدني أن أسمع عنهن بعض الأخبار التي تطمئنني بين فترة واخرى. ويجب أن تطلب منهن ان لا تحزنا عليَّ، فالأمر لا يستحق ذلك، وأن كانت خساراتي كثيرة والفشل يحيطني دائماً بجناحيه، فأنا أتأمل أن أحصل على نصيبي من بعض السنوات الجيدة. وما أمر به هو مرض مثل باقي الأمراض التي يمر بها الكثير من أصدقائنا، والتي لم ينتبه اليها الآخرون كما ينتبهون لي مع الأسف. أعتذر عن تسببي ببعض المشاكل للسيد راي ولك أيضاً، لكن ما العمل أزاء ذهني المشوش وعقلي المترنح، وذلك ما يؤجل بدئي بالرسم أيضاً. وسأحاول على أقل تقدير أن لا أجعل الأزمة تداهمني، ولا أبدو غريب الأطوار عقلياً وجسدياً أمام العامة، وأحاول أن ابقى هادئاً ومتوازناً نوعاً ما، كما اشعر الآن. وعذراً لأني قد تسببت في وقوع أزمة وقلق لم أخترهما ولم أريدهما ان يحدثا أبداً. كن بخير يا أخي، وأرجو أن تكتب لي متى ما تستطيع ذلك.
أخوك المحب لأمنا العزيزة ولأختنا وطبعاً لخطيبتك الرائعة.
أخوك المحب.
فنسنت



المشاركة السابقة