جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


كتاب الهروب .. عمّان حين تستدير


عبد الخالق كيطان

- 3 -
كنت وصلت عمّان بإيفاد رسمي، شبه مزور، دبره لي الفنان الصديق جواد الشكرجي، ثم قام الشاعر الصديق فاروق سلوم، مدير عام دائرة السينما والمسرح أنذاك، بتذليل الصعاب الرسمية لتمشية معاملة إيفادي في وزارة الثقافة بالرغم من أنني لم أكن موظفاً رسمياً في الدائرة، وجاء دور الصديق الفنان قاسم وعل السراج ليأخذني إلى مديرية الجوازات ويستخرج لي أول جواز في حياتي، ذلك الذي سينقلني إلى عالم الحرية المنشودة. الأصدقاء،
إذن، وحدهم القادرون على صياغة الجمال في هذا العالم الموحش..
كان الجواز لا يفارقني طيلة حوالي أسبوع قبل موعد السفر. مررت على دائرة السينما والمسرح ذات عصرونة ووجدت عبد الخالق المختار بانتظاري.. اقترح أن نتجول بسيارته الكرونا، وفعلنا، ثم ذهبنا إلى منطقة شارع حيفا حيث كان بعض الأصدقاء المشتركين يصورون مشاهد مسلسل تلفزيوني.. كان وقتاً ممتعاً بحق لم يخربه سوى قلقي على جواز السفر الذي بجيبي فسألت المختار أن نذهب إلى فندق الماس في شارع الرشيد، حيث كنت أقيم، كي أضع الجواز هناك  في خزنة إدارة الفندق. المختار اقترح عليّ أن نضعه في السيارة ونخلص منه ما دمنا معاً في هذه الساعات ولكنه ما لبث أن رضخ لتوسلاتي بأن نذهب للفندق، وذهبنا ونحن نكركر... وقفت سيارة المختار الكرونا أمام جامع الحيدرخانة المقابل لفندقي، ترجلت، ناداني المختار، أجبته، ثم استدرت لأقابل الفندق ولكن سيارة قادمة من الاتجاه الثاني صدمتني بغتة. سقطت على الأرض من فوري، ولكنني كنت أبحث عن الجواز الذي ما زال في يدي! ركض عبد الخالق جهتي، وفعل سائق السيارة التي صدمتني الأمر نفسه، ثم حملوني على عجل جهة مدينة الطب حيث رقدت ليومين تبين فيهما أنني بخير سوى أن عظم الترقوة قد كسر في جهتي اليسرى. كان المختار وحكيم جاسم ومازن محمد مصطفى وأصدقاء كثر يقفون على رأسي في المستشفى التي تحولت خلال ليلتين إلى مزار. وبالرغم من أنني لست وجهاً معروفاً في الشارع إلا أن أصدقائي في الصحافة والاعلام والفنون سرعان ما تقاطروا لزيارتي في المستشفى ونشرها أخبارا عن الحادث في الصحف. وهل أنسى الراحل الكبير عزيز عبد الصاحب الذي وصل ليمسّد على رأسي، كعادته في الشدائد.
قررت الرجوع إلى العمارة لأحظى بعناية أكثر من لدن أهلي، ولقد استأجر صديقاي علي سعدون ومحمد عزيز، اللذين صادف وجودهما في بغداد، سيارة أجرة خاصة، ونقلاني إلى العمارة. هكذا أمضيت حوالي الشهر الكامل في منزل العائلة بالعمارة قبل أن أودّع ابي وأخوتي وأمي بعد أن نويت العودة إلى بغداد، إذ تماثلت إلى الشفاء، ومنها إلى عمان. قال لي أبي وهو يعانقني لحظة صعودي الى سيارة الأجرة انه متأكد من أنني لن أعود مرة ثانية، وان هذه هي المرة الأخيرة التي يراني فيها. ولقد صدقت نبوئته، إذ رحل عن الدنيا شتاء عام ٢٠٠١ وكنت احزم حقائبي حينها مهاجرا إلى أستراليا.  وصلت إلى عمان بالباص ذاته الذي أقلّ الفرقة القومية للفنون الشعبية التي تريد المشاركة في مهرجان جرش الأردني صيف العام 1998.. رئيس الوفد الفنان قاسم الملاك كان كريماً معالشاعر الذي رافقهم فأوصى به، كما فعل الفنان فؤاد ذنون قائد الفرقة..
أمضيت أسبوعين في فندق تايكي السياحي، مقر الوفود المشاركة، حيث نزلت في غرفة الفنان حكيم جاسم الذي كان وصل عمان قبلنا مع كادر مسرحيته: العباءة، وهكذا كان الأسبوعان الأولان مترفين حقاً، خاصة وأني خرجت من بلادي ببضعة دنانير أردنية دبرها لي الصديق علي حسين وستار لفتة وآخرون.
كنت قد حزمت أمري على السفر إلى عمان بعد تسرب أنباء شبه مؤكدة عن طريق عبد الخالق المختار عن فوزي بجائزة شعرية لا أعرف عنها شيئاً وتحمل أسم الشاعر المعروف عبد الوهاب البياتي.. كان أسم البياتي مخيفاً في الداخل العراقي لجهة ارتباطه بالموقف المناهض للديكتاتورية عندنا، سالت أولاً الشاعر فاروق سلوم عن تبعات إعلان مثل هذه الجائزة في بغداد إذا ما كنت الفائز فيها، كما سألت الشاعر عبد الزهرة زكي، وكان المشرف الثقافي في جريدة الجمهورية، ولقد أكد لي الإثنان، وكنت ومازلت أثق بهما كثيرا، أنها جائزة معارضة في نهاية الأمر. أما ما صلة المختار بأنباء الجائزة فكان ذلك عن طريق الشاعر عبد الحميد الصائح القريب من لجنة الجائزة في دمشق، والذي كان دائم الاتصال بالمختار بطرق شتى حيث أكد لصاحبي تلك الأنباء، والتي ظل المختاربدوره يسرني بها.
على أية حال، حزمت أمري على السفر وكان ذلك.. وسؤال عن كيفية مشاركتي في هذه الجائزة يدور في رأسي، حيث أني لم أكن أتذكر أنني أرسلت مجموعة أو ما شابه لأي مسابقة عراقية كانت أو غير ذلك... وبعد وصولي إلى عمان بفترة اكتشفت قصة هذه المشاركة.. لقد جاءني ذات جمعة إلى غرفتي في فندق عدنان الحديث بشارع الرشيد الشاعر فرج الحطاب عارضاً عليّ طباعة مجموعة شعرية صغيرة في أسبانيا عن طريق دار ألواح التي أسسها في مدريد عبد الهادي سعدون ومحسن الرملي.. ونزلت أنا وفرج إلى سوق السراي حيث اشترينا دفترين صغيرين دفع الحطاب ثمنهما، من تلك الدفاتر التي من الممكن أن توضع في مظروف بريدي صغير، وطلب مني أن تكون المجموعة جاهزة في الجمعة القادمة، وهكذا كان فقام بإرسال المجموعتين، مجموعته ومجموعتي، إلى مدريد، إلى هنا وانتهت مهمة الحطاب، ولكن عبد الهادي والرملي حولا المجموعتين إلى دمشق للمشاركة في جائزة البياتي التي أعلن عنها خارج العراق ولم نكن، نحن شعراء الداخل أنذاك، نعلم عنها شيئاً، فاشتركت بالنتيجة في المسابقة، بل وحصلت على جائزتها! تلقيت التهاني في عمان من أكثر من صديق على ذلك، ثم أعلنت النتائج رسمياً، وكان الصديق هادي الحسيني مرافقاً دائماً للبياتي الذي كان يقيم تلك الأيام في العاصمة الأردنية، فوجدت عنده العديد من الصحف العربية التي نشرت خبر إعلان جوائز المسابقة، وبالطبع كان أسمي يتكرر في تلك الأخبار... لقد صارت الأنباء واقعاً إذن.. وهكذا حرصت على اللقاء بالبياتي، وكان ذلك في غاليري الفينيق في عمان الغربية.. انتظرته بعض الوقت ولما وصل قدمني إليه الناقدعواد علي. جلست إلى طاولته وهالني ندرة كلامه، وتقاطيع وجهه التي تذكر بتمثال يوناني بديع الصنع.. ثم طريقة تدخينه الأرستقراطية، قهوته، وهيبته التي تتشكل من جوده المادي وسمعته التي تسبقه دائماً، وكذلك سلاطة لسانه التي يعرفها الجميع.. ولقد تكرر لقائي هذا مرة ثانية فقط، ولم أخرج في اللقاء الثاني إلا بالانطباع ذاته.. بدا لي أنه لم يكن معنياً كثيراً بشاعر شاب حمل للتو جائزة تحمل أسمه! ولم أنزعج من ذلك أبداً.
انتهى مهرجان جرش وعادت الوفود إلى بلادها، وعاد العراقيون إلى بغداد، خسرت حكيم جاسم تحديداً، صديقي الذي كونت معه وعبد الخالق المختار ثلاثياً مدهشاً سنوات الحصار العنيفة في بغداد، وحكيم هو الذي تحدث مع الصديق محمد جليل، الذي سبقني بالاقامة في عمان، عن قصة تخلفي عن العودة ورغبتي بالبقاء فأخذني محمد إلى حيث يسكن في منطقة الهاشمي الشمالي كي أكون لديه، ولدى صحبه، ضيفاً لا يعرف مدة بقاءه في هذا البيت الذي هو أشبه بقبو لمعتقلي ما قبل عصر الصناعة. وكنا نسكن في البيت، أنا ومحمد جليل ورسام لم يكمل دراسته الجامعية وفضل الهروب من القمع أسمه علاء كاظم... وكان يزورنا بشكل يومي مجموعة من أصدقاء علاء من الرسامين.
وجدت في هذه المجموعة بعض السلام الروحي.. دلّوني إلى الأمم المتحدة، المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في عمان، هذه المفوضية التي كانت تستقبل طلبات العراقيين الراغبين في التوطين في بلد ثالث بسبب الظروف العراقية القاهرة.. بدأت العشرين ديناراً الأردني تنفد في جيبي، فرص العمل نادرة هنا، من كنت أشاركه السكن يرسمون لوحات استشراقية تجارية كانت مطلوبة في السوق يبيعونها بأثمان زهيدة ولكنها تكفي لسد الرمق.. لم أكن أجيد شيئاً يصلح للبيع.. كما أنني بلا مهنة.. اتفقت ومحمد جليل وسلام جبار على البحث عن عمل.. كنا نفشل دائماً لأننا بلا مواهب مهنية أو صناعية، ثم قررنا أنا وسلام كتابة مسلسل تلفزيوني مشترك لصالح أحد المنتجين، وبالطبع كان شحيحاً معنا بالرغم من أننا استطعنا تحصيل بعض المبالغ لقاء سبعة حلقات تلفزيونية أنتجناها خلال أسبوعين.. تركنا تكملة المشروع بسبب كسلنا، وبخل المنتج والقرف أيضاً.. عدنا من جديد للجوع.. لم يكن عواد علي إلا كائناً يقطر نبلاً وهو يدوخ بأمري، أخذني مرات إلى بيته ليطعمني، وفي كل مرة كان يدس في جيبي بضعة دنانير، وفي أحيان كثيرة كان يعطيني من ملابسه...جاءني مرة إلى مقهى السنترال حيث أدمنت الجلوس صحبة علي السوداني ليطلب مني أن أقف في معرض عمان الدولي للكتاب في الجناح المخصص للمعهد الملكي للدراسات الدينية الذي كان عواد يعمل فيه...
وافقت على الفور لأنه سيوفر لي مبلغاً لم أعد أتذكره ولكنه كان حلماً في تلك الأيام... ووقفت في الجناح المذكور لأسبوعين التقيت خلالهما بالكثير من الوجوه، كما تعرفت إلى وجوه عربية من الخليج وغيرها... على أن لقاءً عابراً بالفنان الراحل سامي السراج سيغير وضعي كلياً.
لقد خرج السراج من العراق قبلي بسنوات، وعلمنا أنه عمل في صفوف المعارضة العراقية التي كانت تقيم في المملكة العربية السعودية حيث عمل في إذاعة عراقية هناك.. وفي هذه الأيام ترك عمله ذلك ووصل إلى عمان.. لم أكن متيقناً إن كان قدومه هذا للاستقرار أو للبحث عن محطة جديدة... جلست والسراج طويلاً، ولما فهم وضعي المادي تأثر كثيراً.. لم يطل الأمر حيث دخل محمد جليل المسكن ليخبرني بأن مكتب جريدة الزمان في عمان يبحث عني منذ ساعات ويريدونني هناك بأمر من رئيس تحرير الجريدة الصحفي العراقي المعروف سعد البزاز.. خرجت من المسكن رفقة محمد جليل وكنا نقابل بعض الأصدقاء في وسط عمان فما برحوا يرددون كلمات صاحبي السابقة.. وصلنا مكتب الجريدة في منطقة الشميساني في عمان الغربية وهناك استقبلتنا فتاة رقيقة قدمت لها نفسي فاستغربت صغر سني! وقدمت هي نفسها: ندى القدومي، سكرتيرة الأستاذ سعد البزاز المقيم في لندن، وأضافت أن الأستاذ طلب منها أن تحتفي بي وأن أعد الجريدة جريدتي وأن أتواصل معهم... و.. و... و ألخ.. ثم قدمت لي مبلغاً محترماً من المال كان عربون عملي الجديد… لقد فهمت أن السراج توسط لي عند البزاز وحصلت على فرصتي في عمان اخيرا.
بالطبع كانت سعادتي لا توصف.. أخذت محمد جليل مباشرة إلى أسواق الملابس لأشتري، والمفارقة أنني ذهبت لسوق الملابس المستعملة (البالة) بالرغم من أن جيبي كان عامراً بالمال، ويبدو إنني تصرفت انسجاماً مع سيرة الفقر والحاجة التي تميز عراقيي عمان في تلك الفترة. ثم أكلنا في أحد المطاعم العراقية التي تقدم وجبات ممتازة من الدجاج المشوي والقوزي والتمن والمروقات بأنواعها، وبعدها دفعت لأكثر من صديق ديوناً تراكمت لهم بذمتي خلال الشهرين الماضيين.. وبدأت العمل في الزمان.. فكنت أكتب وأحرر في الصفحات جميعها: من الأولى وحتى الأخيرة.
كان الصديق ناصر طه يلحّ عليّ في مسألة الالتحاق بحركة الوفاق، ذلك أنه تحدث مع أمين مكتب عمان الأستاذ معاذ عبد الرحيم بهذا الصدد، وشجّعه الصديق الشاعر هادي ياسين علي وآخرون يعملون في مقر الحركة على ذلك، ولكن تضارباً في المواعيد أجّل اللقاء لأربع مرات! بعدها بشهور، وكان ناصر قد هاجر إلى الولايات المتحدة قابلت الأستاذ عبد الرحيم بترشيح من الصديق الشاعر علي عبد الأمير هذه المرة، ولكني لم أعمل معهم موظفاً، ذلك أنني كنت أعمل حينها في جريدة الزمان وكان وقتي كله يذهب في الجريدة. قدّمني علي عبد الأمير، إذن، لحركة الوفاق لأعد بضعة برامج إذاعية تبث من إذاعتهم، إذاعة المستقبل، وفي الوقت ذاته كنت أساعده في تحرير مطبوع ثقافي شهري بعنوان: أوراق ثقافية نشط كثيراً بين أوساط العراقيين داخل عمان خاصة وخارجها بشكل أعم.. بعد ذلك، وتحديداً في العام 2000 شهد منزل علي عبد الأمير أول وآخر انتخابات لاتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المنفى، والذي كان مدعوماً من حركة الوفاق ذاتها، حيث فزت بالإضافة إلى عبد الأمير والكاتب الصحفي صباح اللامي بعضوية الهيئة الإدارية عن الوجود العراقي في المملكة الأردنية فيما فاز بالتزكية عدد من الأدباء في غير عاصمة عربية وأجنبية.. ثم اختارني علي لأكون معه في تحرير مجلة الاتحاد: المسلة في عددها الثالث بعد أن تقرر نقلها من لندن إلى عمان...
في الجانب الآخر بدأت علاقتي تسوء مع جريدة الزمان لأسباب كثيرة. لقد كانت تجربة العمل في الجريدة، والتي استمرت لعامين تقريباً، ممتعة حقاً، ولكنها وصلت إلى نهايتها.
نشطت في هذه الفترة على مستوى النشر في الصحافة الأردنية، وكنت أكتب باستمرار في جريدة الرأي، التي تعد الأولى أردنياً، كما تواصلت مع جريدة البيان الإماراتية، والشرق الأوسط اللندنية وراسلت مجلات عديدة. كما ظهر في العام 2000 ديواني الشعري الثاني: صعاليك بغداد، بتحريض من الكبيرين: محمد مبارك وعبد الستار ناصر، وكانت مجموعتي الأولى: نازحون قد صدرت عام 1998 عن دار الجندي بدمشق بمثابة جائزتي عن فوزي بمسابقة الشاعر عبد الوهاب البياتي.
*مقتطف من مخطوط كتاب قيد الإنجاز



المشاركة السابقة