جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


عين وحيدة وستون كرسيّا


حسن ناصر

الموتى مكتملون، تماثيل آلهة صغيرة في الاقبية العميقة من روحك. يرقدون هناك، حضورهم الطويل في أيامك يختصر الى لحظة واحدة . ملامحهم وتغيراتها تختصر الى وجه تمثالي أبدي. كل كلامهم يذوب الى جملةٍ واحدة، ربما الى كلمة واحدة!
في عمارة متواضعة وسط  شارع السعدون ببغداد ، كان هناك – طوال العقد الثمانيني من القرن العشرين - مقران لفرقتين مسرحيتين من بقايا فترة سبقت الحزب الواحد والحرب العراقية الإيرانية. مسرح اليوم و المسرح الشعبي. وهناك في العمارة نفسها مسرح استثنائي في كلّ شيء ذلك هو مسرح ( الستين كرسي ). ولعل مفارقة صغر المسرح  واقتصاره على ستين كرسيا كانت جلية في مثل تلك الأيام  مقارنةً مع سعي  الدولة  الى الهول والضخامة.  فالصواريخ أيامذاك كانت تسعى لأن تكون أضخم الصواريخ والحكومة النزقة مغرمة بصيغة «أفضل» وتنافس الشيطان في الوصول إلى الأول والأكبر والأعظم والأطول، حتى الحرب الضروس كانت ستطول حتى تضمها الحكومة بفخر إلى قائمة إنجازاتها باعتبارها أطول الحروب في ذلك القرن. لم تكن الحكومة لتلتفت إلى الأصغر أو الأقصر. لهذا وبحس درامي ومفارقة خفية نما في الظل وفي تلك العمارة المتواضعة ذلك المسرح المجيد ليكون المخبأ السري والرئة التي تتفادى إثارة الانتباه والتي يتنفس بها المسرح الحقيقي ورواده الرائعون  بعيدا عن دعائية النظام وتهريج المرتزقة. على سطح تلك العمارة كانت هناك كافتيريا مجيدة تابعة للمسرح الشعبي وفيها كان يجلس حسين الحسيني على عرش من الأحلام والماضي والمكالمات الهاتفية.
مناخ بغداد في تلك الأيام كان مخيفا وجراد القائد يلتهم كل شيء و يطيح بكل رأس خضراء.  وجدنا ( ناجي عبد الأمير وأنا ) ملاذا في تلك الكافتيريا كنا سنمضي فيه سنوات لاحقة . ولا شك في أننا تحسسنا الأمان تحت زغب جناحي حسين الحسيني طوال سنوات الحرب كلها.
شاعر مشدود الى الماضي ينتمي إلى حقبة سبقتنا وإلى جيل كانت إنجازاته شاخصة في كل شيء. لذا كان الحسيني يحمل حقيبة معبأة بالأوراق والأسماء وأرقام التليفونات وعلب السجائر وذاكرة مترعة بالقصائد والحكايات والأسرار والطرائف أبطالها أصدقاؤه الراحلين بعيدا الذين رأوا الكوارث قادمة فآثروا أن يتركوا العراق ويحملوا حقائبهم وذكرياتهم ويلوذوا بالمنافي. كان  سر حسين الحسيني نزاهة روحه وحبه لأحاديث النساء وطراوته في الكلام. وبينما كنا نحن القادمين من الجنوب نفزع الفتيات بجيماتنا المعطشة كان أبو علي ينتحل لكنة شامية ليطري من همسه في آذانهن لذلك ظلت نكاته المكررة والقفشات ذاتها التي يلجأ إليها كل مرة تثير ضحكاتهن وترسم الابتسام.
مع هذا كان حسين الحسيني وحيداً مثل فتى تأخّر عن القافلة. مضى أترابه وأصحابه جميعا وظل مقيما عند آثار الراحلين. كان الفتى يكبر وندماؤه يتغيرون. تساقط شعره على المائدة وهو يقرأ ثملا وجوها متنوعة لقصيدة واحدة. كان العراق يلقي بأجياله من التائهين الى الحانة والى مائدة الشاعر الوحيد المهجور. هكذا ظل الحسيني يجد في نهاية اليوم من يشاركه مائدته ويستمع الى قصائده وحكايات الماضي وإلى قسمه المعروف :
وحق عيني الوحيدة
كان قلبه مفتوحا للجميع بلا استثناء، وأصدقاء أصدقائه هم أصدقاؤه أيضا. لا يرفض لهم طلبا ولا يتواني عن مساعدة يقدر على تقديمها. يرعى المسرحيين الشباب بل ويعتبرهم أترابه وأخوته وأبناءه. يتحدث إليهم حديث الترب للترب ويتلو قصائده ويسترسل في ذكر ما تبقى في رأسه أو ما يختلقه من ذكريات مع معشوقته. كانت تلك المعشوقة الأبدية معروفة لهم واتيح لجميع المنصتين إلى الحسيني ذات فصل من فصول الحانة الممتدة أن يروا شعرها الفاتن على الشاشة الفضيّة قبل أن تغادر العراق مع القافلة التي خلّفته وحيدا مهجورا. حين تنتهي الجلسة ويأتي النادل للحساب آخر الليل كان حسين يقول جملته الشهيرة للنادل : خذ ما تشاء
فيرد عليه النادل : إلا حكايات النساء .. أيوه يبوعلي يضحك رضا ذياب ويقهقه رائد محسن وهما من رفقة الكافتيريا التي جعلت من الحياة في تلك الأيام الصعبة ممكنة. كان هناك مقداد عبد الرضا وعوني كرومي وكريم رشيد وقائمة من أسماء كثيرة. في خزانة معدنية للكتب كانت هناك الموسوعة العربية الميسرة التي اشتراها حسين الحسيني بمبلغ لا يستهان به. كان يعمل في أكثر من صحيفة ولكنه كان يحرر صفحة أسبوعية في إحدى الجرائد مهمتها الإجابة عن أسئلة القرّاء الغريبة العجيبة. كان أبو علي يستيعين بتلك الموسوعة للإجابة على اسئلة القراء أو للإجابة على اسئلة من اختراعه يستدها إلى قرّاء وهميين حين تشح الرسائل ويتوقف القراء المشغولون بالحرب عن التساؤل وسط كل ذلك الخراب.
وأنا أتحدث الآن عن تلك الأيام أكاد أن أشم رائحتها وتكاد روحي أن تشتعل حنينا إليها. كانت رفقة نقيّة وكان المكان مأوى لأرواحنا نتداول الحديث عن أحلامنا ومخاوفنا ونهمس بشتائمنا للحرب وسادتها الأغبياء. 
قلت إن الكافتيريا كانت مجيدة وأعني بذلك المجد استقبالها أيامذاك لخليط غريب من مثقفين ومسرحيين وكتاب ونجوم وهاربين من الجيش. وجوههم جميعا تلتمع الآن في ذاكرتي وأسماؤهم ترن.عاش ذلك الخليط يوما تحت عباءة حسين الحسين وأبدا أبو علي محبة وأخوة لا توصف في رعاية اصدقائه. كان الحنين الى الماضي يستبد به ولم تكن جلساتنا لتخلو من أحاديثه عن أصدقائه الذين غادروا ومعشوقته الأبدية التي حين تطلب من مكانها البعيد كتابا منه فإنه يقلب العراق رأسا على عقب من أجل العثور عليه. وحين قرأنا له ذات ليلة من ليالي إتحاد الأدباء في ذلك الزمن شيئا من الشاعر الألماني هولدرلين :
يظل قلبي قلبي مشدودا الى صخرة في ايثاكا .
بكت عينه الوحيدة ورفع نخب الحوراء ثم انطفأ. كان يصحو في الصباح التالي ليحلق ذهنه ويبدأ يوما من استعادة الماضي والأحاديث الطرية والدعوات والنكات والقفشات وقراءة القصائد ذاتها.
كان بارعا في  فنون المائدة وللمائدة فصول، ربيعها مضى وندماؤها ذهبوا يبحرون وراء أحلامهم البعيدة. حقيبته  ملأى بقصائد وسجائر وأرقام تليفونات، لم يتكاسل عن حلاقة ذقنه في صباح ولم ينم صاحيا، له من الأصدقاء أجيال ومن الحبيبات الطارئات قوافل لكنه مات وحيدا على ذكرى واحدة وبعين واحدة وباسم واحد يتكرر وظلال تجلس على ستين كرسيا.
على الذين عرفوه يوما أن يحنوا رؤسهم للحظة وهم يتذكرون الآن صاحبا طيبا مات.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية