جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


تواضع العـارِف وتنمّر الجاهل


عبدالسلام صبحي طه*

من لطيف ما تختزنه ذاكرتي، التقاطات من محاوراتي مع الآثاري العراقي المرحوم د. بهنام أبو الصوف(1931 – 20 أيلول، 2012) في سنيه الأخيرة. اتصل بي ذات مرة، بعد عودته من تسجيل لقاء تلفزيوني في إحدى المحطات الفضائية، وبادرني بالقول: «أنا منزعج يا ولدي، أخشى أن ما أقوم به من لقاءات قد ترد فيها معلومات ربما تجاوزها الزمن، وأني لم أعد ألحق بركب العلم وكشوفاته بسبب كِبري، وابتعادي عما يحصل في العالم. أتمنى عليك، إن كنت ستقوم بتدوين أو نشر ما سيرد عني،
توخي الحذر قبيل النشر، وربما العودة إليّ لنتداوله معًا»، وأضاف «إن علم الآثار متغير دائمًا، بسبب استمرار الكشوفات وتوالي نتائج التنقيبات».
وأنهى حواريته تلك بالقول: «لا تنسى أمرين، أن لا تضع لقب «عالِم» أمام اسمي، فهذا  امتياز له اشتراطاته العلمية ولا أعتقد شَخصيًّا أنني استحقه، إنما أنا منقب آثاري وهو لقبي الذي أعشقه، وأيضًا حاول أن تستخدم «ربما» أو «حتى الآن» قدر تعلق الأمر برأيٍ لي في موضوع ما، خارج حدود اختصاصي الدقيق، كي لا تُحسب علّي».
أحدق اليوم، من خلال شاشات العالم الافتراضي وشبكات التواصل وعوالم النشر، فأجد العجب العجاب، أفرادًا متمكنين من اللغة الأدبية يجيدون تقنيات القص واللصق، وانتقاء التعابير الشعرية في عناوين كتب لهم لجذب المارة (وبعض هؤلاء كتاب ومثقفون) من على أرصفة شارع المتنبي، يضعون ما لذ وطاب من تخيلات واستنتاجات حد الجزم اليقيني في مسائل حار بها علم الآثار والمؤرخون وإلى يومنا هذا، يتبعهم مراهقون على شبكات التواصل، همهم تجميع الإعجابات، فتراهم منشغلين بالاقتباس والسطو على الإخباريات، وبعض المعلومات من المواقع الألكترونية الرصينة، وحين تجابههم يختلقون الأعذار الواهية التي لا تليق بالإنسان العاقل، والجمهور شبه المغيب من خلفهم يصفق، ويبتهج من حيث لا يدري بإشاعة المعلومة المدسوسة، من دون أدنى مراجعة، أو يقرر أن يزيد على نص منقوص الترجمة جراء تشظي الأصل متبوعًا بعبارة «منقول»، التي غدت بمنزلة عُرف «افتراضي !»،  على قنوات اليوتيوب اليوم، محطات معجبوها بالآلاف تشيع أخبارًا ومعلوماتٍ مضللةً ومضخمةً عن تاريخ البلاد، والناس يدلفونها زرافاتٍ لسهولة تلقي المعلومة بالصوت والصورة، تلافيًا لجهد القراءة الممل(بحسبهم). وبعض من هذه التجمعات والقنوات يشيع بشكل واضح ادعاءات ساذجةً تصل حد الغلو في الانتماءات العرقية المباشرة للأقوام الآشورية والكلدية القديمة، والآن نسمع بدعة مصطلح العراق اللاسامي الذي يجد تشجيعًا من قبل بعض المؤسسات الأكاديمية داخل العراق، والتي تعمل بطاقتها القصوى مع مراكز بحثية من خارج البلاد للتعجيل بتأسيس سردية تاريخية، لمن يفتقر لسردية معترف بها أكاديميًا! وآخرون يجاهرون بنقاء العرق السومري ونسبته إلى أقوام فضائية! .
الأخطر من كل هذا وذاك وجود جيل يجلس الآن على مقاعد الدراسة، لا يفقه من أمر تاريخه شيئًا بسبب ضعف المناهج الدراسية الأساسية، وغياب التوجيه العلمي المنهجي، ثم يجد نفسه بعد الإعدادية مرمـيًّا على مقعد يختاره له الحاسوب، اعتمادًا على معدله، وإن كان متواضعًا، فسيجري سوقه مرغمًا إلى أقسام الآثار أو التاريخ من باب ملء الشاغر. يتخرج  هذا الجيل بملل، بل ربما يقرر استكمال دراسته العليا إشغالًا للوقت وهروبًا من البطالة أو العزلة الاجتماعية، ولا ينسى أن يستشهد في رسالته للماجستير، وحتى في أطروحته للدكتوراه، باجتهادات  الأديب المتحذلق، أو تجمعات مراهقي العلم على شبكات التواصل. كما تجدر الإشارة إلى ظاهرة شائعة الآن تتمثل بالضعف في التعبير اللغوي والأخطاء الاملائية، ولا أدل على ذلك من إعلاميي الفضائيات، وهزالة قاموسهم اللغوي، بل وجنوحهم إلى توظيف اللهجة العامية في الحوارات! فضلًا عن جهلهم في تاريخ بلادهم، حيث يضعون صورًا لمواقع أو آثار مصرية ضمن برنامج يتعلق بتاريخ العراق مثلًا. إن هذا الجيل سيقود البلاد بعد عقد ونيف، فكيف سيكون حال من يتتلمذ على يده؟
والسؤال المهم، في هذا الأمر هو: مَن المسؤول عن كل هذه الفوضى؟ ربما يقف في المقدمة ضعف دور مؤسسات الدولة الثقافية، فلو تابعنا الإصدارات التي تكفلت بها مثلًا دائرة الآثار ووزارات الأرشاد والأعلام منذ خمسينيات القرن المنصرم صعودًا إلى الثمانينيات، لوجدنا نشاطًا رائعًا أنجز أغلبه الأساتذة المؤسسون للمدرسة العراقية للآثار والتاريخ، تراجم لمصادر مهمة كانت تطبع و تباع بأسعار مدعومة، ولا تزال مطلوبةً في السوق بعد أكثر من نصف قرن رغم قِدمها علميًا، وذلك ربما لرصانتها، وكأن المؤلف أو المترجم كان على شيء من قناعة بما يدفع له من أجور ومكافآت لقاء جهوده تلك. والآن اين هي دوائر النشر التابعة لوزارة الثقافة؟ وما هي قائمة مطبوعاتها خلال العقد الأخير مثلا؟، حين نقارن هذا بما يجري نشره وتداوله من طرف دور النشر الخاصة سنواجه بِكَمّ المطبوعات التي تصدر من دون مراجعة علمية أو رقابة، فالكتاب يصرح بمكنونه من عنوانه البراق أو من غلافه الهزيل. وهنا نصطدم بحاجز التربح التجاري، الذي لا يهمه رصانة المؤلف، أو شعوره بالمسؤولية عما يضعه بين دفتي مؤلفاته من قص ولصق، وإعادة تدوير لنصوص الآخرين التي يسطو عليها، من دون أدنى مراعاة لحقوق الملكية الفكرية! أين هم ورثة الجيل السابق كطه باقر، وسامي سعيد الأحمد، وفاضل عبدالواحد علي؟ ما الذي يمنعهم من طرح مؤلفاتهم والترويج لها كما يفعل الآخرون؟ من تجربتي الشخصية وجدت أساتذةً أجلاء يعانون الأمرّين في مجال نشر أعمالهم، وأجد أن أغلبها ينشر بدعم من جمعيات ثقافية أو دينية متواضعة الحال، فتكون النتيجة سوء التوزيع وضياع الجهد من غير مقابل.
العامل الثاني يتمثل بضعف التحصين الثقافي بالمعلومة التاريخية الصحيحة التي يجري تلقينها عبر المؤسسات التربوية والتعليمية، فبلد كالعراق، بكل ثقل تاريخه الحضاري، يجري تقديمه بهزالة في مادة «التاريخ القديم» بمنهج الصف الأول متوسط ضمن حصة الاجتماعيات! ويختفي بعد ذلك نهائيًّا من قراطيس التلمذة المقررة في المناهج!
إن علاج ما جرى عرضه من نكبات ثقافية أخذت تكيل الضربات الموجعة إلى التاريخ والمعرفة الوطنية على مختلف الصُعد، ربما يستوجب إزاحة الغبار عن عقلية المخططين في وزارات التربية والتعليم العالي والثقافة أولًا، وهي بطبيعة الحال تحتاج إلى مرشدين أكاديميين ثقاة، يأخذون بيد هذه الوزارات لبناء منهجية معرفية يجري الأستناد عليها في الفضائين التربوي والثقافي، وهذا ما سنفصل له ربما في مقال لاحق (الحلول المقترحة).

أذكر أن الدكتور أبو الصوف أصدر عام 2009 كتابه الأخير بعنوان «التاريخ من باطن الأرض»، وتكفّل بطبعه على نفقته الخاصة، وقد سلمني حينها ما يقارب نصف كمية المطبوع، وعهد لي مهمة التوزيع ضمن حدود إمكانياتي الذاتية. في عام 2011 كنا مدعوين إلى ندوة أقامها منتدى الفكر العربي في العاصمة الأردنية عمّان، فطلب مني جلب ما تبقى من نسخ الكتاب، كونها فرصةً طيبةً لتوزيع المتبقي. وضعناها على طاولة متواضعة في مدخل القاعة وقمنا بتوزيعها، هكذا مجانًا من دون دعاية أو حفل توقيع وإشهار. ما زلت احتفظ بآخر نسخة من الكتاب ممهورةً بأهداء خصني به، وأرجو أن أكون بحجم ذلك الإهداء.
رحم الله أستاذي بهنام أبو الصوف.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية