جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


ليالي الانس في فيينا النازية


صادق الطائي

يونس بحري الرحالة والصحفي العراقي المغامر الذي عاش‏ نهاية الثلاثينات‏ ومطلع الاربعينات في المانيا ‏النازية، وأدار فيها الاذاعة العربية من برلين، حيث كانت بصمته التي أطلقها من هناك، وهي صرخته عند بدء تعليقه الاذاعي، اذ كان يبدأ تعليقه الاخباري بـ (هنا برلين ... حي العرب)،
وبعد مرور أكثر من عقدين، في الستينيات كتب يونس بحري مذكراته، واختار جملته الشهيرة (هنا برلين ... حي العرب)  لتكون عنوانا لسلسلة كتب سرد فيها مذكراته في السياسة والحياة، وقد أورد فيها قصصا غريبة، وسردا لبعض ‏الاحداث، ووصفا لبعض الشخصيات يكاد يقترب من الخيال او الفنتازيا، ويمكننا أن نقرأ في الجزء الرابع من هذه السلسة قصة فنان مصري أصبح ملك الليل في فيينا إبان سيطرة النازيين عليها .‏
احمد البيه (1905 – 1976)، ممثل مصري اسمه الكامل “أحمد أفندي الفقي”، هو من مواليد 11 تشرين الاول/أكتوبر 1905 ,حصل على دبلوم ‏فنى، وعمل في شركة اوفا برلين، لمع فى دور زعيم الثوار الجياع فى فيلم “لاشين” من إخراج فرينز كرامب عام 1938، لكنه لم ينل ما تستحقه موهبته كممثل، وتحول لكتابة السيناريو فكتب ‏العديد من السيناريوهات التي لم تنفذ، لكن اصراره دفعه لطبعها على نفقته في كتاب.
تزوج سلطانة الطرب منيرة المهدية عام 1930، لكنه سرعان ما انفصل عنها وانتقل الى النمسا أبان الحرب العالمية الثانية، ونتيجة علاقاته القوية بالنخبة النازية اعتقلته القوات السوفيتية عند انتهاء الحرب وتمت مصدارة ممتلكاتة. ولانه لم يكن ذو نشاط سياسي او منتميا للحزب النازي، إنما كانت حقيقة الامر عبارة عن تخادم بين صاحب مكان للسهر والنخبة العسكرية والحزبية الالمانية، لذلك أفرج عنه، وخرج من معسكر الاعتقال السوفيتي مفلسا، فعاد للعمل في مصر، ‏وشارك في ‏عدد من الافلام في نهاية الاربعينيات وبداية الخمسينات، إذ اشترك في اداور صغيرة في عدد من افلام الكوميديا الخفيفية التي أنتجت في تلك الحقبة مثل فيلم جحا والسبع بنات الذي اخرجه فؤاد الجزايرلى عام 1951، وفيلم اسماعيل يس في بيت ‏الاشباح لفطين عبد الوهاب عام 1951، وفيلم سر الاميرة للمخرج نيازى مصطفى عام 1952، واخيرا الحب بهدلة للمخرج صلاح ابو سيف عام 1952 ليتوارى عن الاضواء حتى وفاته عام 1976.‏
‏ وعلى ذمة يونس بحري الذي سرد قصة الفنان احمد البيه في مذكراته ، إذ يذكر أنه إنتقل عام 1939 الى فيينا، ويصفه بقوله؛ “هو الممثل المسرحي زميل فاطمة ‏رشدي، والنجم السينمائي الاسمر، والصحفي المميز، والطباخ العبقري، وصاحب أشهر نادي ليلي في اوربا ‏قبيل الحرب العالمية الثانية وأثنائها”. كما يصفه في مكان أخر من المذكرات بقوله؛” احمد البيه، العملاق الدمياطي، الصعيدي المصري ‏الاسمر، الذي كان يوازي ‎بالطول والعرض والمظهر الآخاذ عمالقة الغوستابو، والذي كان بارعا في فن الغواية ‏والاستهواء باسلوب مليء بالصرامة والتعالي».
وقد اختار احمد البيه فيينا عاصمة الفن والجمال، قاعدة لعمله البديع الجرئ، فشيد بنفسه ناديه الليلي الذي أسماه (القاهرة) في ‏أحسن موقع في فيينا، وقد صممه على طراز عربي مميز يأخذ بمجامع القلوب، وسخر  فيه مجموعة من أجمل سيدات اوربا ‏وأكبرهن القابا وارستقراطية لجذب الزبائن، فكتب  اسمه في هذا العالم بحروف من نور، وسطع كنجوم برودواي وهوليوود ‏ومونمارتر، فأضفى على ليالي فيينا روعةَ وجمالا واغراءً.‏
ويصف بحري (القاهرة) النادي الليلي الذي شيده البيه فيقول؛ «إن الف ليلة وليلة إنتقلت بجواريها وحسانها وشبابها الى نادي ‏احمد البيه، فالجواري الحسان المنتخبات اللواتي يسبحن في المسابح الطافية بالمياه التي اختلطت بالوان زاهية من الانوار ‏الكهربائية التي تثير المشاعر وتستهوي الافئدة». ويضيف معلقا؛» وقد فرض البيه نظاما صارما في ناديه الليلي، إذ كان يلبس الفراك، وكذلك الخدم ‏يلبسون الفراك ايضا، وكان يمنع رواد النادي من الدخول الا بملابس السهرة السموكينغ او الفراك بالنسبة للرجال وفساتين ‏السهرة السواريه بالنسبة للنساء، هذه الصرامة أعادت النمساويين الى ايام الامبراطورية عندما كان التأنق والفخامة رائد ‏الجميع، وصارت موائد نادي (القاهرة) الليلي تحجز قبل اسبوع» . ‏
اما مفردات منهاج السهرة الذي كان يقدمه النادي الليلي فقد كانت مختارة ومنتقاة، وكان احمد البيه يستقدم من اشهر كابريهات باريس ‏ومدريد وبروكسل وروما ألمع النجوم، وأشهر الممثلين والممثلات، وكان يدفع لهم الاموال الطائلة بسخاء حاتمي. وفي أوج ‏منع الاحتكار في المانيا النازية، كان احمد البيه محتكرا كبيرا دون خوف من عقوبة، بل كان هاجسه الاكبر توفير كل ‏رغبات زعماء وقيادات الحزب النازي من طعام وشراب ونساء وشمبانيا، وهم بدورهم  كانوا يوفرون له الحماية ‏ويغدقون عليه العطاء.‏
‏ ثم يعرج يونس بحري في الجزء الرابع من مذكراته على حكاية عراقي يصفه بأنه «نجم الرقص الاول في اوربا الثلاثينات»، أنه العراقي وليم شفو، الذي تعاقد معه احمد البيه ‏ليقدم فقرات راقصة مع زوجته الدنماركية الحسناء، وفي حفل الافتتاح الذي تم فيه تقديم شفو، حضر الحفلة قائد فرقة القوات ‏الخاصة الألمانية والبوليس السري (الغستابو) المرعب والرجل الثاني في المانيا النازية الجنرال هاينرش هملر، وجاء ‏خصيصا ليشاهد وليم شيفو يقدم رقصته، إذ كانت سهرة الاحد مميزة دائما في ليالي نادي (القاهرة) المتربع على ‏عرش الليل في فيينا. ‏
ويذكر بحري بسرده الشيق حوارا دار بينه وبين وليم شفو يومها ، إذ قال له: «شد حيلك اليوم يا ولد»، فأجابه شفو: «شنو القضية، شكو؟»، فأخبره بحري بأن الجنرال هملر سيحضر الحفلة اليوم، ‏فاخذ وليم شفو ينط ويقفز فرحا، وقال لبحري؛ «راح تشوف اليوم شراح أسوي بهملر».‏ وعندما دخل الجنرال النازي مع مجموعة حمايته بملابس السهرة الرسمية، صاح احمد البيه باعلى صوته منبها ومؤديا للتحية النازية الرسمية (هايل هتلر).
ويحكي بحري واصفا ما حدث بعد ذلك بقوله؛ «رقص صاحبي وليم شفو رقصة (بوليرو) لمؤلفها موريس رافائيل  وكان هملر من المعجبين بهذا ‏المؤلف والملحن الموسيقي، وكانت هذه الرقصة هي سبب شهرة وليم شفو في عالم الرقص الكلاسيكي، لانه أتقنها الى درجة العبقرية ‏والابداع. راح شفو يراقص زوجته الدنماركية وكأنه يطير على خشبة المسرح ويبدي فنه الذي مزج فيه الحركات الغربية بالشرقية ‏بصورة جعلت من الـ (بوليرو) رقصة ما كان رافائيل نفسه يحلم بها او يتصورها، وعندما انتهت الرقصة إلتفت الي هملر وهو يصفق واقفا ‏باعجاب وحرارة ويقول بصوت مسموع (اوسغيتسايشنت) اي عظيم للغاية!‏».
وربما يمكننا هنا استذكار قصة لها علاقة بـ”ليالي الانس في فيينا النازية”، وهي قصة أشهر جاسوسة عملت مع مخابرات الرايخ الثالث في الشرق الاوسط ، انها الراقصة الاستعراضية حكمت فهمي، التي ذكرت في مذكرتها التي كتبها الصحفي حسين عيد، حين التقاها بداية السبعينات، والتي ماتت قبل أن تراها منشورة في منتصف هذا العقد، إذ تذكر إن قصة علاقتها بالمخابرات الالمانية وقعت في فيينا حين كانت ترقص في أكبر ملاهي هذه المدينة، وأعتقد إنها كانت ملهى (القاهرة) لصاحبها احمد البيه، أذ سافرت في رحلة فنية استمرت ثمانية أشهر بين رومانيا وتركيا وتشيكوسلوفاكيا، واستقرت اخيرا في فيينا، وتروى بعض الحكايات عن حضور رئيس المخابرات الألمانية للملهى الذي ترقص فيه حكمت فهمي في فيينا، وقد أعجب بها ودعاها للرقص أمام هتلر ووزير دعايته جوبلز في ألمانيا، وعندما شاهدها جوبلز أعطى تعليماته بتجنيدها لصالح الألمان، الذين كانوا يعرفون حجم شعبيتها لدى كبار الضباط الإنكليز في مصر قبل مجيئها للنمسا. وعندما عادت الى مصر ابتدأت قصة تعاملها مع الجاسوسين الذين تسللا الى مصر في تلك الايام، ويذكر تفاصيل الحكاية الرئيس المصري الاسبق انور السادات في كتابه “صفحات مجهولة” الذي سرد فيه دور حكمت فهمي في ترتيب اللقاء بينه وبين شبكة التجسس الالمانية العاملة في مصر عام 1942 لتوفير معلومات لقوات رومل المتهيئة للهجوم على الاسكندرية.
ولا يسعني في النهاية إلا أن أتسائل: هل لكل ذلك علاقة خفية بالمطربة الكبيرة اسمهان التي اشتهرت بعلاقاتها المتنوعة بمخابرات الدول المتصارعة؟ فهي التي غنت “ليالي الانس في فيينا” الاغنية الشهيرة  التي كتب كلماتها أحمد رامي، ولحنها فريد الأطرش، وغنتها أسمهان عام 1944 في فيلم “غرام وانتقام” الذي اخرجه يوسف وهبي، والذي لم تكمل تصويره لأنها توفيت في حادث سيارة لفه الغموض عام 1944 قبيل دخول السوفييت لفيينا النازية ببضعة أشهر؟ ربما كانت هنالك علاقة ما، لان العلاقات الخفية وصراعات مخابرات الدول الكبرى مثل جبل الجليد لايظهر منها سوى القمة.



المشاركة السابقة