جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


سينما التخوم


*محمود عوّاد
ما الذي نقوله عن سينما تحفر في الجوهر الذاتي لزمن الوجود ، تتســع في متاهة الاندفاق الكوني لمأزق الفرد المُلاحق من قبل سؤاله الداخلي عن ملامح الكارثة التي أدت به إلى المخاتلة المـرآوية مابين الذات وزمنها؟ في سينما أنجيلوبولوس يبرز الرهان الفكري على ضرورة تذويت الزمن،
أي الانطلاق من التجربة الحياتية للمخرج في صناعته للأفلام، وهذا ملمح وجودي لفلسفة وثقافة سينما المؤلف، إذ في تكثيفنا الامعان في مجموع أفلامه نرى أن المخرج يســــــعى إلى مغادرة الزمن بالمكان أي أنه يُزَمِّن الحدث بالاطار الذاكراتي، وهذه مفارقة نادرة، فعادة ما يحدث العكس، لكنه وبفهمه للتاريخ اليوناني، بادر إلى تحـريك الزمن بفهم الزمن المؤدي إلى أسطرة الحادثة.
وهذا ما حدث في فيلم «رحلة إلى كثيرا» الــذي وظف فيه حادثة اعتقال أو تغييب أبيه من قبل السلطات الشيوعية آنذاك، غير أن عـــودة عوليس لم تكن مادية، إنما كانت جغرافية محكومة بسلطة الزمن الآيدولوجي، فما بين روسيا واليونان يقيم سبيرو، فـــــيما يكون مضاعفة الترحال إلى تلك الجزيرة الموعـودة رغبة منه في مزاحمة التخوم بمكانٍ ذاكراتي. في ضوء من هذا نفهم أن التخوم لديه هـي مأزق زمني وليست مأزقًا مكانيًا، كون الذاكرة تتشكلُ زمنيا أما المكان فلا يمثل لها سوى إعادة هيكلة وتنظيم، وبينما هو منشغل بضرورة الخلاص من وحشية الزمن في الحياة كثيرا، يُفاجأ بأن التخم «الزمن» يمتد بامتداد مقدرة الإنسـان على احــياء نبوءة أزمنته المتمثلة بالترحال، مانحًا بذلك المـــكان أسطوريته من خلال مســــاءلة الرحلة بـوساطة البـحث عن سؤال زمني داخلي، في اشتغال قصدي على الزمن المتكرر أي المتوقف، وهذا نزوع بيكتي الملامح، فشخصية لافندر التي تآكلت لتصل تدريجيا إلى سبيرو هي مالونية الحركة والـــوجود، ومالون هو العتبة السردية لثلاثية بيكت الشهيرة « مالون يحتضر «، «الـلامسمى» و»مولوي». بذلك نستطيع أن نقول بأن سبيرو هو القرين السينمائي لمالون، وأن تحريك فضاء الشخصية بالقرين هو دخول في مغارة الزمن الهاملتي، زمن استفهام البقاء بالمغـــادرة نحو الخروج من الأرض إلى التأرضن عــــلى حد تعبير جيل دولوز، بعبارة أخرى خروج من الزمن إلى الانوجاد في الزمن، وأن توافر ذلك منوط به اجتراح زمن سائل. ومثلما يحترك مالون في الثلاثية المذكورة سلفا، تحــرك سبيرو في «رحلة إلى كثيرا»،    و «المرج الباكي «و»غبار الزمن». وعلى ما يبدو أن التخوم بالنسبة للمخرج ليست جغرانفسية وحسب، إنما هي على مستوى الاشتغال الفلمي أيضا، فالســــينما لديه هي فيلم لحدود فيلم آخر ،وكأنه يضطلع بمهمة ملاحقة الزمن الدائري للإنسان بتوهج هوميروسي، يغدو فيه القرين هو المحرك الفلسفي للزمن، إذ يتنقل بمواربة تتغذى على التداعي المتاهي، وهذه من أبرز سمات سينما المـــــؤلف، فهي تشتغل على الذات بوصفها معملا زمكانيا، محاولةً النأي عن المشاع الفكري في الصنعة الفلمية. وقد أشار المخرج لذلك في أحد حواراته ما مفادهُ (بأنك تحقـــق فيلما لكي تفهم بوضوح ما هو غامض في وعيك).
إن الخاصية الذاتـــية الحاضنة لمشروع أنجيلوبولس هي بالأصل استفــهام للغامض في الإنـــــــسان ، ويتجلى ذلك في اعتماده الطبيعة المستوحدة، كتعلــيق منه على بيكتية الوجود، هــــــــــــذا عينه ما طرحه برجمان في امتصاصه لكآبة الطبيعة ، بهذا نخلص إلى أن أنجيلوبولس اعتمد تأثيث المكان بالزمن الأسكندنافي، لكنه في هذا الملمح زاد على اشتــــــغالات صاحب الختم السابع، من حيث اعتماده التذكّر بالنسيان، وبذلك يكون قد جمع ما بين أفقية برجمان، وسيـــولة جودار في تعاملهما مع الزمن، والمعروف عن الأخير كبنية درامية لا وجود للشخصيات في أفلامه، انما انصب اهتمامه على زمن الشخصية وليست الشخصية نفسها، وهذي مزية مابعد حداثية، فالأخــــــــيرة معنية  بالحضور الشبحي، ذلك لأن جوهر السينما الذي يختلف عن عمومية الأفلام، له هدف أسمى هو الفكر ولا شيء غير الفكر وأدائه بحسب دولوز. وهذي سمة بارزة لفلمية انجيلو بولوس السابرة لأغوار الكنه الفكري الوجودي للزمن. بذا يمكننا القول بأنه قد أسَّس لســــينما بيكتية، تتخذ من المتاهة مصطبةً للانتظار، بهذا يكون قد اضفى على الفكر شاعرية بورخسية، تدور في غواش السؤال عن العمق المتاهي للحظة الاندفاق الأول ، لذا نرى سيبرو يتنقل من فـــيلم لآخر بنفـس الروح، لكنه ليس كما يحدث في زمنية آلن رينيه في مارنباد، وهرورشيما حبي، فالـــزمن الرنيهي ليفيناسي الايقاع، يمتد ليشتبك مع المكان بوصفه آخرَ، أما الانجيلوبولوسي فهـــــــو ترميم للزمن الهـوياتي والذاتي في آن. الحـــديث عن اللجوء ، وعزلة الحدود، وعالم المطارات هو تنقيب زمني في اللا أمكنة بحسـب مارك أوجيه، وهذا متأت من اندفاق أوديسي، فلدى الأساطير الـــزمن هــو المكان وأسطــــرة أي حادثة هــو تحريها من الـــزوال عبر دخولها في الـــزمن الذي هـو المكـــان الأبدي للأسطورة. وهذه الاخيرة بارعة في اصـــــــطياد الرنّة الداخلية لهواجس الإنسان في العصر مابعد حداثي، حيـــــــث الايدلوجيا هي الضابط الحسي الإنساني، ويبرز هذا الحسّ في فيلم «المغنين الجوالين» ورحلتهم المحفوفة بالجحيم ،وبرغم رهان المـــخرج عــــــــــلى ضرورة إبعاد السينما عن المأزق الــسياسي، لكــــنه برع في التلويح لذلك من خلال تذويت المرحلة، جـاعلا من الذات مناســــــبةً مأزقية، أي أنه التف على الاجتماعي بالفـــــردي من محاكاته للمرحلة، مع تشديده على الاحتفاظ بالصوت الذاتي، وبذا يكون قـــــــــــد دخل في فضاء الراوي العليم الذي هو الزمن. لكن ليس كما أُشتغل علــــيه في السرد الروائي، مع أنه لوّح بتروئة الزمن انطلوجيا على طريقته، وليس وفــــــــق مناهج هايدجر، لأنه يــــــــرى بأن الزمن روحاني النشوء، فطغى على اشتغالاته الحسّ التصوفي، والأخير يمنح الاشــــياء اندفاق شاعري  لاســــــــيما في دخولها العالم الفني. أما الزمـن الهايدجري فـكــل مجهوداته منصبة على ملامسة الأشياء لعقلنتها زمنيا، هذه الروحانية وضعته في لائحة سينما الشعر، رغم أن الكـــــــثير من دارسي الفن السابع لم يُشيروا إلى ذلك، لأنه عمل على شَعرَنة الزمن، وليس الحوادث والأفكار مثلما فعـل بازوليـني وتاركوفسكي ، لكــــــــــــنه كشعرية صورية في بعض المشهديات مقارب لســـوريالية فيــــلليني المتمثـــلة في جوليت والأشباح ، كازانوفا، والحياة حلوة، وفي أحيان يذهب لأن يتشارك معه التكوين المشهدي ومثال ذلك تحليق الكف في السماء في مشــــهد نقل تمثال لينين في قوارب نهرية، وفي هـذا تناصٌ مشهدي التكوين مـــع مشهد نقل نُصب السيد المسيح في الحياة حلوة. وبرغــم  التأثر الجلي نجـــد أن ثمـــة فارقًا في المشهدين، كونهما انطلاقا من مرجعيتين فكريتين مختلفتين، فالأولى وكما هو معــــروف أنها تعتمد الرابليهية الواضحــــــــة، أما انجيلوبولس فينطلق من تراجيديا المحو، فالملاحظ أن جميع  شخصياته هي مخــــلوقات فــــلمية تعاني من الغياب والتشظّي بين تخوم الذات قَبل الجغرافية منها. أما فيما يخص رقـص سبيرو على قبر أحد أصحابه فهو استقدام لزوربا مواطنه المأخوذ بالسؤال الــــذاتي للـوجود. ربما أراد أن يقول بأنني المعادل البصري لسرديات أثينا بجميع أزمنتها ...



المشاركة السابقة : المشاركة التالية